شعار قسم مدونات

حب في باحات الأقصى

blogs - aqsa
كانوا يسيرون بجواري في باحات المسجد الأقصى بعد انتهاء صلاة التراويح، الأم و إبنها وزوجته، وبعد أن تجاوزنا مصطبة مسجد قبة الصخرة في وسط الطريق الحجرية إلى باب الأسباط، قالت الأم لإبنها برجاء: "زوجتك يا ولدي تريد أن تمسك بيدك ولكنها تخاف أن ترفض طلبها، إمسك يدها يا ولدي ولا تكسفها".

كان الزوج شاباً طويل القامة وذو ملامح جدية، وتوقعت أن يرفض طلب زوجته بغضب، ولكنه بعد لحظات مد يده لها وسارا معا متشابكي الأيدي هادئي الخطى في طرقات المسجد الأقصى حتى خرجوا من باب الأسباط.
 

ومضى الثلاثة تحت النور الخافت للقمر الفضي حتى ذابوا في أزقة القدس القديمة، كنت أود أن أتبعهم، لكن إلى أين؟ إلى قمة جبل المكبر أم إلى ممرات جبل الطور؟ إلى خارج السور أم إلى داخله؟ كان كل شئ في القدس يكتسي بثوب جميل؛ الأزقة والشرفات المطر والثلج اللقاء والفراق وحتى الموت في القدس يكتسي بثوب جميل.

 

بعد أربع سنوات من عودتي إلى غزة، أخبرني قطار الزمان الحزين أن الجيش الإسرائيلي بنى الجدار العازل على أنقاض جدار منزلنا الطلابي في أبوديس.

ووقفت على عتبات السور متأملاً جمال الشتاء في ليل القدس الساحر ثم مضيت وحيداً تحت الريح المنعشة والمطر الخفيف نحو الشرق، نحو مساكن طلاب الجامعة في أبوديس حيث أعيش هناك منذ خمس سنوات بلا تصريح إقامة.
 

كان الطلاب "الغزازوة" يعيشون في الضفة والقدس كما اللصوص وتجار المخدرات، نختار البيوت البعيدة النائية ونلتف حول الحواجز العسكرية اللانهائية وأحياناً نتحايل عليها ببطاقات هوية أصلية يعيرها لنا طلاب الضفة المخلصين، وفي حملات الإعتقال الشديدة كنا نبيت في وديان الجبال القريبة حتي يطلع الصباح، وفي لحظات الصفاء كنا نتجول في الوادي نلتقط ثمار التين ونطارد الكلاب الجبلية الضالة.

 
وبعد أربع سنوات من عودتي إلى غزة، أخبرني قطار الزمان الحزين أن الجيش الإسرائيلي بنى الجدار العازل على أنقاض جدار منزلنا الطلابي في أبوديس، نصبوا سوراً ضخماً حول البيت، ولم يعد بالإمكان رؤية قبة الصخرة الذهبية من على الحافة الجبلية لأبوديس، لم يعد بالإمكان رؤية أي شيء، نصبوا جداراً ضخماً ما بين الزمان واللازمان، وطالت غربتي حتى مضى عامي السادس عشر بعيداً عن الضفة والقدس، لكني إلى اليوم مازلت أفتش في دفاتر الزمان عن وجوه العاشقين في باحات الأقصى.

 
كان الفقيه المهندس رجاء بن حيوة جالساً على مصطبة من مصاطب الساحة يتحدث بقلق مع مساعده في بناء مسجد قبة الصخرة يزيد بن سلام عن أصوات قرع غريبة يسمعها تحت أساسات المسجد القبلي، فسلمت عليهم وسألتهم عن الأم وإبنها وزوجته، فتأملني رجاء ملياً قبل أن يقول بشجن: "هناك ما بين الباب الأوسط وكأس المتوضأ سألني رجل عنك قبل عشرة أعوام ولم أره بعدها أبداً".

 
ثم إبتسم رجاء كنجم زينه الليل وقال بصوت خافت لم أكن أدري إن كان يحدثني أم يحدث نفسه
"يا ولدي لا تعجز فمدينة هدمت ستة عشرة مرة لن تغلق أبواب التاريخ وتستسلم" .

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.