شعار قسم مدونات

تطور أسلوب الكتابة بلغتنا العربية

blogs - books
لطالما راودني سؤال يطرح نفسه بكثرة، وهو عن كيفية تطور لغتنا العربية من كتابتها الكلاسيكية، ذات السجع والمحسنات البديعية، إلى لغة ذات مفردات بسيطة وتراكيب سهلة. فوجدت بعد بحث حثيث أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، بدأت بالتدرج كتابة لغتنا العربية تنسلخ من أنماطها الكلاسيكية إلى لغة أقرب ما تكون للغة الصحفية، وجاء ذلك التطور مصاحباً لتطور الكتابة النثرية، بعد دخول أجناس أدبية جديدة لم تكن معروفة في الأدب العربي، كالمقال والمسرحية والرواية، وجاء هذا التأثير بسبب انفتاح المعاجم اللغوية والأساليب التعبيرية، واحتكاكها عن طريق الترجمة بلغات أجنبية كالفرنسية والانجليزية.

إن المحترف في قلمه، والبارع في انتقاء كلماته، يجب عليه بين الفينة والأخرى أن لا يهجر اللغة الكلاسيكية، ويطعم كتاباته بحلاوة ألفاظها وطلاوة عجائبها

وقد شجع هذا التطور والمنحى الكثير من الأدباء في ذلك العصر وما بعده، ومنهم سليم البستاني، وجرجي زيدان، ولا شك أن الانتاج الروائي من جهة، والمجال الصحفي من جهة ثانية، ومحفل التلقي المتمثل في قراء تلك الصحافة ثالثا، قد ساهم في جعل اللغة تتخذ التبسيط والتدريج مطية لنقل خطاباتها. وهذا ما حذا بإبراهيم اليازجي (1847 ـ 1908) إلى الإشارة للأخطاء التي تهدد اللغة الفصحى في كتابه "لغة الجرائد"، غير أن ما اعتبره إبراهيم اليازجي انزياحاً عن الأصول اللغوية كان في واقع الأمر إحدى قواعد الكتابة الجديدة، كما ينبه إلى ذلك أحمد فارس الشدياق (1855) في كتابه "الساق على الساق فيما هو الفارياق" حيث ربط بين المستويات التعبيرية والسياقات المصاحبة لها، منتقداً الاتجاه السائد الذي يحفل بالتسجيع والترصيع، وأنماط الاستعارات والكنايات في مختلف المواقف.
 
إن الفترة الانتقالية للغة العربية من نمطها الكلاسيكي إلى التبسيط، والتي يمكن حصرها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، هي التي جعلت اليازجي يذهب إلى أن هنالك "ضعفاً" أصاب اللغة، بينما يتعلق الأمر في نظرنا إلى ظاهرة (التفاعل اللغوي) أي بالنمو الداخلي للعربية، في تعالق مع المؤثرات اللغوية الخارجية.

وسنورد هنا مثالين للكتابة الكلاسيكية والمبسطة، حتى يكون مقالنا أقرب لفهم المتلقي، وسنبدأ بالأولى فنقول: وكأنني نجوت من فتنة الأحلاس حتى ارتقيت بخلوتي في جبال شمهورش لمرتبة الباهر، فلما أتممت وردي جعلوني في مقام القاطر، فتعلمت أسرار الطوالع وصفة الطلاسم، واستدللت على العلوم المكتومة والأسماء الجليلة المخزونة، وصحبت النواميس الجليلة، فأقسمت عليهم بالذي جعل السماء ذات أبراج، والأرض ذات أدراج، والريح ذات عجاج، والبحار ذات أمواج، والجبال ذات فجاج، فحركت الإمراج للارتجاج فكان أمر ذو نتاج. أما الثانية وهي المبسطة، فهي أشهر من أن نذكرها؛ لأنها اللغة المكتوبة في مختلف قنوات الإعلام اليوم، بالأضافة إلى أنها الكتابة الأدبية السائدة في عصرنا.

وختاماً أقول أن المحترف في قلمه، والبارع في انتقاء كلماته، يجب عليه بين الفينة والأخرى أن لا يهجر اللغة الكلاسيكية، ويطعم كتاباته بحلاوة ألفاظها وطلاوة عجائبها؛ فإن لها من زخرف القول ما يجعل البديع منها له سحر البيان، وأن لا يقتصد في اللغة المبسطة لقربها إلى الأفهام، ويغترف من الاثنين سبيلا لأدبه ومدعاة لتوصيل خطابه، ومن الله التوفيق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.