شعار قسم مدونات

نعم للإسلام.. لا للإسلاميات!

blogs - islam

تعتقد ُغالبيةُ المسلمين وربّما غير المسلمين أيضاً أنّ كلّ ما ورد على لسانِ العلماء أو الدّعاة أو الوعَّاظ أو أساتذة الجامعات أو المُفسرين أو المفكّرين، قديماً وحديثاً، مما يحسبُ على الإسلامِ الدَّعوي والعلميّ وذلك في قضايا فقهيةٍ أو أصولية أو تفسيرٍ أو منهج أو فكرٍ، هو من الدّين، وتقديسه واجبٌ والعمل به فريضةٌ وإنكاره يُعدُّ كبيرة أوخطيئة، وفي كثيرٍ من الأحايين، قد يعتبروه جزءً لا يتجزأ من المِعمار الدّيني للإسلام، فغيابُه أو إنكارُه أو نقده أو تصحيحُه هو هَدْمٌ صريحٌ لهذا المعمار، وتخريبٌ واضحٌ لما جاء به اللهُ ورسولُه، وتمزيقٌ لبنيةِ المجتمع الإسلاميّ وتقويض أساسهِ.

وهذا بلا شكٍّ، جعل كلّ مُسلِم -تقريباً- يتعصَّبُ تَعَصُّبَ الغافلِ الجاهِل لمذهبه ولطائفته ولفكره ولمنهجه ولشيوخه ولعلمائه ولدعاةِ مذهبه وطائفتِه، وأنْ ينظرَ إليهم نظرةً قدسيّة يرى بها الإسلام الحقيقيّ. وفي ظل هذه النّظرة اللاسديدة، والفَهْمِ المشوّه، والتّعصبِ المَقيت، انطلقتْ شرارةُ الإقصاء والازدراءِ والتّهميشِ وإنكارِ الآخر "المسلم" إنكاراً يخرجه من دائرةِ الإسْلام ويُكفِّره، استناداً إلى أقوالِ علمائِه وشيوخِه ودعاته؛ أيْ: إلى أقوال بشرٍ يُخطئون ويُصيبون ويَسهون.. فضلاً عن أنَّهم قابلون، بأي لحظة، أنْ يخضعوا للسلطة أو للمال أو للجاه، ميلاً لشهواتهم ورغباتهم ونزواتهم.
 

إنّما هي اجتهادات بشرية جاءت عبر تراكمات الزمن من تأويلاتٍ وأفكار تعكس الحالَ والموقفَ والثقافة والبيئةَ، من أجل تحقيق المراد من الدين والتخفيف على الناس.

إنَّ غيابَ هذا الوعي بحقيقةِ هؤلاء النَّفر من الأجلاءِ وغيرِ الأجلاء، هو ما حدا بمُريديهم إلى تقديسِهم، والنّظر إليهم على أنّهم أشبهُ بالأنبياء المَعصومين، وقد يَصلُ الأمرُ عند أتباعِهم، وذلك في لاوعيهم وعقلِهم الباطن، إلى عبادتهم لِيقربوهم إلى الله زُلفة، وذلك جليٌّ في سلوكهم وأخلاقهم ودفاعهم المُستميت عنهم، أمام الآخر "المسلم" و"غير المسلم".

فنجدهم في كثير من المواقف يَستميتون من أجل عالمٍ أو داعيةٍ أو فتوةٍ خرجت من مجتهد، أو حديث أو تفسير آية متشابهة مختلف في فهمها ومقصدها لعدم قطعيتها الدّلالية، استماتةً تبيح له أنْ يرتكب أبشع الجرائم الّلفظية والأخلاقية والسّلوكية من سبّ وشتمٍ وتحقير واتهامٍ بالزندقة والتكفير إلى اقتتال وقتل وتدمير.

ويُرتكب هذا باسم الدفاع عن الإسلام؛ أي إسلام؟! إسلام المذهب، إسلام العالم، إسلام الفَقيه، إسلام الشيخ، إسلام الطريقة. بالنتيجة، إسلام الفهم البشريّ واجتهادهم في فهم النَّص الدّينيّ المتمثل بالنّص القرآني وما تواتر من السُّنة الصحيحة تواتراً لا خلاف فيه عقلاً ونقلاً، يصلُ إلى مرتبة التّواتر القرآني.

ومن ثمَّ، بتنا نراهم يقدسون النَّصَّ التّاريخيّ والأحاديثَ على اختلاف صحتها وضعفها وموضوعها، وأقوالَ العلماء قديماً وحديثاً، تقديساً يعلو تقديسَهم للقرآن ذاتِهِ، كيف لا، وأنت عندما تحاجج أحدَهم بالقرآن فيما يخالفُ نصوصَهم المقدّسة المزيّفة، يلجؤون إلى التأويل الفاسد والتفسير البعيد والنّظر العقيم؛ أجلَ الدّفاع عن تلك النّصوص العلمية البشريّة الّتي لا تَمت للدّين من حيث هو دينٌ مقدسٌ موحى به من الله -عز وجل- لا من قريب ولا من بعيد، إنّما هي اجتهادات بشرية جاءت عبر تراكمات الزمن من تأويلاتٍ وآراءٍ وأفكار تعكس الحالَ والموقفَ والثقافة والبيئةَ، من أجل تحقيق المراد من الدين والتخفيف على الناس وتسهيل حياتهم انطلاقاً من العمل بقاعدة القرآن الكبرى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

وتحتَ رايةِ الدّفاع عن الإسلامِ، وفي ظلِّ تلك النّظرة القدسيّة للنَصوص البشريّة، تمزَّق الإسلامُ الواحدُ الجامعُ إلى إسلامياتٍ، فثمة إسلامٌ سنيّ وإسلامي شيعيّ، وتمزق كلُّ إسلام من ذينك الإسلامين أيضاً إلى إسلاميّات، فهناك إسلام سلفي وإسلام أشعري وإسلام ماتروديّ، وإسلام حنفيّ وإسلام مالكي.. وإسلام جعفريّ وإسلام زيديّ وإسلام إباضيّ إلى غير ذلك من الإسلاميات.

نعم، هي إسلاميات لأنّ كلّ واحدٍ فيها يرى مذهبَه أو طائفته هي الإسلامُ الحقيقيّ الذي أُنزلَ على رسول الله -صل الله عليه وسلم- وغيره باطلٌ زائفٌ، وهذا، بالضّرورة، سيجعل أتباع كلّ مذهبٍ أو طائفةٍ أنْ يتعاملوا مع أتباع الطائفة الأخرى لا بوصفهم مسلمين صحيحي الإسلامِ، بل بوصفهم فسّاقاً أو زنادقةً أو غيرَ مسلمين أوكفاراً.
 

الأصلُ، أنْ يخلو الإسلامُ من شيءٍ اسمه طائفة أو مذهب، وذلك في حالِ إذا سلّمنا بأنَّ ما نُطلق عليه طائفةً أو مذهبا هو نتيجة تأويلات علميةٍ للنّصّ التأسيسيّ "القرآن".

وفي الحقّ، فإنّ اللّوم كلّ اللّوم -بدرجة أولى- واقعٌ على العلماءِ والمُفكرين من أتباعِ كلّ طائفةٍ من تلكَ الطوائفِ، وليسَ على عَوام النّاس وجهّالهم، وذلك ببساطةٍ واضحةٍ، هو أنَّهم أيْ: العلماء، يُقدمون آراءَهم وأفهامَهم وأفكارَهم وفتاواهم بوصفها القولَ الفَصْل والحقَّ المُطلقَ، وهذا برأيي، هو السببُ الرّئيس في جرِّ العَوام إلى الاعتقاد بأنّ ما يصدرُ عن هؤلاء هو حقّ كلّه، وأدّى بِهم إلى التّعصبِ الأعمى وإنكارِ الآخر "لمسلم".

ومن هنا، فإنَّ الواجبَ الواقعَ على هؤلاء العلماء هو أنْ يضعوا النّاسَ على حقيقة الأمرِ، ويصرحوا لهم بأنّ ما جاؤوا به ليس مقدساً وأنّ ثمة أقوالاً كثيرة لهذه المَسألة أو تلك فهي عند فلان كذا وعند آخر كذا وهكذا، بهذه الطريقة، يغلقون على النّاسِ بابَ التّعصب والانغلاق، ويُبيِّنُون لهم أنّه علم بشريّ اجتهاديّ قابل للصواب والخطأ والنّقد والنّقض، فليس هو بالوحي المقدس.

وعليه، فإذا كانتْ العلوم الشرعية كالفِقه وأصوله، وأصول الحَديثِ وعلومه، وعلومِ القُرآنِ، والسِّيرة، والتَّاريخ بِكلّ ما فِيه مِنْ أحْداثٍ وشَخصياتٍ ومَسائلَ متفق على أنَّها علمٌ كأيّ علمٍ؛ أي:أنّها صناعة بشريةٌ، فيجب أنْ تُقدَّم تلك العلوم لِلنّاس بجميعِ زواياها العلميةِ، وجميعِ مقارباتِها المعرفيّة، في المدارسِ أو الجامعات أو على المَنابرِ أو في الدُّروس الوعظيّة والفتاوى.

وهذا حتما سيقودُ المتلقي المُسلم إلى التّصالح مع نفسِه ومع الآخر "المسلم" في إطارٍ يجمعهم كلّهم، وثوابت لا يَختلفون عليها، ومبادئ لا نقاشَ فيها، كالنّص القرآني المُقدس، وما اسْتنبط من ظاهرِ آياته كأركان الإيمان وأركان الإسلام والحلال والحرام والحدود والقيم والأخلاق وغير ذلك.

وبناءً على ذلك، فالأصلُ، إذن، أنْ يخلو الإسلامُ من شيءٍ اسمه طائفة أو مذهب، وذلك في حالِ إذا سلّمنا بأنَّ ما نُطلق عليه طائفةً أو مذهبا هو نتيجة تأويلات علميةٍ للنّصّ التأسيسيّ "القرآن"، خاضعةً للمنهج العلميّ المُتعارف عليه في جميعِ العلومِ والمَعارفِ، وبغيرِ هذا الفَهمِ لا يمكنُ أنْ نَعي وجودَ هذه الفِرق إلا بِوصفها إسلاميات، الغرضُ منها تمزيقُ الإسلامِ وأهْلهِ.