شعار قسم مدونات

في النقد (1)

blogs - book

يضرب تيري إيجلتون مثالاً طريفاً على الدوغمائيين اليساريين حين يقول: "إن سألناهم عن ثلاثة أخطاء وقع بها اليسار سيعجزون عن بيانها، وهذا سيكون كافياً لبيان انغلاق هؤلاء فكرياً مع طول التجربة التي خاضوها، إنهم خاضوا تجربة لا يكفي في الحديث عنها بعض الشعارات الغامضة التي تستر وضوحية نظرتهم إلى الواقع المتغير، وللأخطاء المتراكمة الملازمة للعمل البشري".
 

هناك نقد مقبول وآخر مرفوض، فإن بنى فهو مقبول وإن هدم فهو مرفوض، وإلا فكون الشيء صحيحاً لا يرتبط بهدمه ولا بنائه

مصطلح وضوحية تحدث عنه كارل بوبر، ومفاده تلك النظرة الساذجة التي تتجاوز تعقيد الواقع، بحجة أنه واضح، فيرى بوبر أن النظرة العلمية تقتضي كون اليقين الجامد يزداد كلما ابتعدنا عن الواقع، في حين كلما اقتربنا منه كلما استرعى ذلك نظراً أبعد ما يكون عن الصيغ الجاهزة التي تختزل الواقع بحركته وتعقيداته بمصطلحات جامدة، كأنها قيلت مرة واحدة وإلى الأبد.
 

التعقيدات الواقعية وتغيراتها وما يستتبع ذلك من تفنيد للعديد من الكلمات العامة الجامدة، لا يعني هنا الوصول إلى حالة التشظي التي تدفع إلى اللامبالاة، والاستهتار والعدمية التي تجد الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا قد عبر عنها بجدارة وكأنه يدخل في صراع لمحاربة الثقة بعقل سوي، فارّاً إلى المشاعر فحسب، بحجة أن الواقع متشظٍ، إنما تعني على وجه أدق هنا كلمة سلافوي جيجيك وهو يقول تعليقاً على كلمة ماركس: "لقد سعى الفلاسفة لفهم العالم ومهمتنا هي تغييره"، يعلق سلافوي: "لعلنا تسرعنا في تغيير العالم، ويفترض بنا العودة إلى فهمه".

الحاجة إلى فهم العالم يقتضي دوماً المراجعة، والنقد، تلك الكلمة التي تعني التمييز، وقد يقصد بها اصطلاحاً بيان الخطأ والباطل، لتجاوزه، كانت الحاجة إلى فهم العالم بطريقة مختلفة عن تلك النظرة إليه أيام أرسطو تستدعي تغييراً في الأسس الفلسفية التي أقام عليها منطقه، ومن هنا كان فرانسيس بيكون رائد النقد في أوروبا للمنطق الأرسطي في كتابه (الأورجانون الجديد)، كان النقص في رصد حركة الواقع كذلك هو ما دفع هيجل لرؤية العالم كوحدة مترابطة، بدل عملية التجزيء الكلاسيكي الذي يعجز عن رصد تلك الحركة الواقعية للأفكار والأحداث. ومن هنا كان منهج هيجل الجدلي في وجه المنهج الميتافيزيقي، والذي يعني هنا تحديداً تلك النظرة التي تفصل الشيء عن حركته الواقعية وتجرده، وتتعامل معه لتحديد ماهيته وجوهره، مفترضة وجودها بقطع النظر عن أي شيء غيره.

إلا أن النقد ليس منفرداً في الساحة، بل يجابه بسيل من العبارات المحاربة له، والتي تخفي في باطنها مصالح تدافع عنها، فليس لازماً لكون الشيء صحيحاً أن يتم الاعتراف به، فهذا قدر زائد عليه، ويتوقف على أمور كثيرة، ومن تلك العبارات ما تحاول أن تكون عقبة أمام النقد لنفيه تارة ولتحجيم دوره تارة، لحربه تارة وللمصالحة معه تارة أخرى. من تلك العبارات: تقسيم النقد إلى نقد بناء وآخر هدام. وهذه العبارة لو جردناها من سلطة الكلمات البراقة ستكون: هناك نقد مقبول وآخر مرفوض، بناء على نتيجة النقد فإن بنى فهو مقبول وإن هدم فهو مرفوض، وهذه نظرة براغماتية بالنظر إلى الكلمة بصيغتها المبتذلة، وإلا فكون الشيء صحيحاً لا يرتبط بهدمه ولا بنائه، و يلزم من المنصف قبوله بقطع النظر عن هذا، فكيف إن علمنا أن النقد بمعناه بيان الباطل بحد ذاته سيهدم الباطل.

ولعل من هذا أيضاً تقزيم النقد بحجة أنه لا ينبني عليه عمل. وهذه حتى على الصيغ البراغماتية قد لا يستقيم الأمر فيها تماماً، فكون الشيء مرتبطاً بالعمل لا يلزم من هذا أن يكون العمل مباشراً، بل قد يكون على الأمد الأبعد، فمثلاً الصعود إلى الفضاء تأخر عن معرفة القوانين التي مهدت له، فكونها صحيحة ولو نسبياً في ذلك العصر، وكانت سترتبط بالعمل، ولكن بعد حين، ومن هنا يسلم جون ديوي وهو براغماتي أصيل بالعمل كقوة ولا يشترط له الفعل، أما جون ستيورات مل فيرى أن المنفعة قد تكون للأكثر ولو على الأمد الأبعد.

هناك مغالطة تسمى الاستدلال بالجهل، وصورتها إما أن تسلم بكلامي أو تأتي بخير منه، وهذا لا يلزم أبداً للناقد.

ومن هنا أيضاً رفض النقد بناءً على الأسلوب. فكون الأسلوب مرفوضاً لا يجعل بالضرورة من معناه -لو حذفنا الأسلوب- باطلاً، والاستبشاع لا يلزم منه البطلان، كلايف بل يقول على سبيل المثال: "لو رفضنا عمليات التشريح للتقزز من منظر الجثة الميتة، ولفظاعة تقطيع أجزائها بالمبضع، لكنا اليوم نعيش جهلاً بيلوجياً مطبقاً"، ومن هنا فإن تقييم رد ابن تيمية مثلاً على ابن المطهر الحلي لوجود حدة في بعض العبارات، هو نظر للغلاف دون المحتوى، وهب أن أسلوبه لم يكن صحيحاً، فالخطأ في وضع كلمة حليب على إناء فيه سم لا يجعل منه سائغاً للشرب، وكذلك الخطأ في تسمية الحليب سماً لا يبرر أن تسكبه ليذهب في الأرض! قصارى الأمر أن تعدل الأسلوب، وهذا يجرنا إلى مسألة تجزيء النقد.

فالنقد ليس كلاً لا يتجزأ، بل قد تنقد منه الأسلوب فهذا شيء، والمضمون شيء آخر، على أن تجزيء نظرتنا إلى النقد، لا يفترض أن يجعلنا نغفل عن المحتوى الكلي، أو حكمه كمجموع، فالجبل من ذرات، ولا يعني هذا أن كل ما تكون من ذرات سيشكل بالضرورة جبلاً، فالحكم الكلي مهم لفهم المنهج والقانون العام للأطروحة والنقد، وقد يتم نقد النقد فيتحول وقتها إلى أطروحة منتقدة وهكذا.

من محاولات التقزيم والعقبات: ما البديل لرفض النقد! هناك مغالطة تسمى الاستدلال بالجهل، وصورتها إما أن تسلم بكلامي أو تأتي بخير منه، وهذا لا يلزم أبداً للناقد، فإبطال خرافة كالعنقاء مثلاً، ليس لازماً له الانتقال إلى إثبات أنواع الديناصورات، كذا إبطال علاج زائف للإيدز لا يلزم منه إثبات العلاج له، على أن كل نقد يحمل في طياته كما يقول هايدجر تأسيساً، فالنقد بإبطال الخرافة، يدفع نحو منهج علمي لإثبات الصحيح، كتمهيد وإيجاد لشروط رؤيتنا له.