شعار قسم مدونات

جوقة "الحَجّي"

A Palestinian man reads the Koran, Islam's holy book, as he sits in front of his shop in the old part of the West Bank city of Hebron, 22 June 2016. Muslims around the world celebrate the holy month of Ramadan by praying during the night time and abstaining from eating and drinking during the period between sunrise and sunset. Ramadan is the ninth month in the Islamic calendar and it is believed that the Koran's first verse was revealed during its last 10 nights.
في تدوينة "مؤسسة الحَجّي" السابقة، كان مصطلح الحَجّي ظريفاً للبعض، وقريباً من الواقع عند البعض الآخر، بينما نكأ الجروح وحرّك المشاعر عند الكثيرين!
 

اليوم سأدخل إلى "مؤسسة الحَجّي" أكثر، وأتحدث عن الجماعة التي تحيط بالحَجّي، أو الجوقة التي حوله، هذه الجوقة التي يشكلها ويحافظ عليها وتحافظ عليه طوال فترة ولايته، إلى أن يطاح به أو يأخذ الله أمانته. تربط مصالحها مع مصالحه، وتجيّر ما تستطيع تجييره لصالحه وفي خدمته، كل هذا لأجل البقاء حوله والانتفاع ممن يقع تحت يديه من خيرات وليرات!
 

في الحقيقة وحسب الخبرة المكتسبة لدى الحَجّي، فهو يعلم بأنه لا يمكن له الاستمرار في السيطرة على المؤسسة، والاستحواذ على سلطتها بدون دعم جماعته، أو على الأقل مجموعة ليست بالقليلة من الأتباع والمؤيدين في السراء والضراء، حيث الصح والخطأ، وقت مدّ الدعم وجزره، دون النظر إلى الموقف أو تبعاته، وإنما الاهتمام برأي الحَجّي وما سيرسى عليه أولاً وآخراً.
 

غالب هذه المؤسسات لديها أحد هذين الهيكلين التنظيميين: إما هيكل أفقي يتبع فيه الجميع للحَجّي، بدون تبعية أو تراتبية عامودية، وإما هيكل مميز فيه كل التوزيعات الأفقية والعامودية، وما يحب أن يراه الداعم والمموّل، ولكنه هيكل غير مفعل وغير حقيقي، وقد تم انشاؤه لأغراض الزينة والدعاية والتسويق، والحقيقة المرّة أنه لا يختلف عن الهيكل الأول الفارغ من كل ما يمت للتنظيم بصلة!
 

مع مرور الأيام تصبح هذه الجوقة جزءاً لا يتجزأ من كيان المؤسسة، بل وكيان الحَجّي أيضاً، لا يرى المؤسسة من غيرهم، ولا يستطيع تخيل حجم الضرر الذي سيأتي على المؤسسة من خروجهم

"جوقة الحَجّي" تعرف كل شئ عن الحَجّي، ما يحب ويكره، ما يشتهي ويتمنى، تحفظ أمثاله وحكاياته، وتحب الاستماع لها مراراً وتكراراً، بدون ملل أو كلل، ولا تنبه الحَجّي على أنه يعيد قصّ الحكاية للمرة المئة حتى لا تكسر خاطره! هي تعرف كيف يبدأ اجتماعاته، وكيف يحب لها أن تسير، وكيف يحب لهم أن يتحدثوا، وأن يناقشوا، يعرفون مسار رحلاته، وخط جولاته، متى يذهب، ومتى يعود، ويجدولون كل ذلك حتى لا ينسوه.. حتى الحفلات التي يفاجؤونه بها فهي مجدولة وضمن الخطة!
 

في جماعة الحَجّي، تكون الأهمية بالدرجة الأولى للبلاغة اللسانية والولاء العملي، فهنا تتمثل قدرة الشخص على المحافظة على المسافة الصحيحة بينه وبين الحَجّي، فلا يخرج من دائرة الانتفاع، ولا يخسر طيب قرب الجلوس من الحَجّي. أما المستوى العلمي أو المهني فلا يهم كثيراً، فإن حصل وكان أحدهم مميزاً في تعليمه فهو خير وبركة، وإن لم يحصل فلا مشكلة، فالأيام التي سيقضيها عند الحَجّي كفيلة بتعليمه ونقل خبرة الحَجّي وجماعته إليه، وذلك بعد التأكد من أهليته الكاملة لدخول هذه الجوقة.
 

في الأعياد والمناسبات الرسمية، تفتتح الجوقة يومها بتهنئة الحَجّي معايدته، والتأكد من وصول رسائلها إليه، فهذه الرسائل كفيلة بتذكير الحَجّي بهم حتى خارج أجواء العمل، فلربما أنسته لحظات الصفاء بعضا من نفاقهم! هذه الجماعة تحترف الحديث عن المهنية والاحترافية، بينما يعشعش الفساد بينها، وتفلسف الكلام وتزوقه ليرضي أذن الداعم وقلبه، بينما جوارحها تتلف العمل ولا تتقنه، وتختار الرجل غير المناسب ليكون في المنصب المناسب لها لا للمستفيد.
 

مع مرور الأيام تصبح هذه الجوقة جزءاً لا يتجزأ من كيان المؤسسة، بل وكيان الحَجّي أيضاً، لا يرى المؤسسة من غيرهم، ولا يستطيع تخيل حجم الضرر الذي سيأتي على المؤسسة من خروجهم، وهذا جزء منه حقيقي عملت عليه الجوقة خلال عملها الرسمي حيث حوّلت كل الملفات الهامة لتجعلها بيدها، وجزء كبير منه متوهم وغير حقيقي، تمت صناعته ذهنياً وبشكل تخيلي في عقل الحَجّي للحفاظ على مكتسباتها وما "حوّشته" تحت يدها طوال تلك السنين والأيام.
 

هذه الجماعة تذكرني بمجلس العار واللاشعب، الذي صفق للسفاح يوم توليته، وغيّر الدستور ليصبح مناسباً حسب المقاس، وحسب عمره الذي لم يؤهله للرئاسة يومها، وإن كان ذلك مخالفاً للدستور والقانون وكل الأعراف، ولكن هذا لا يهم ما دامت الأمور تسير حسب مصالحها، فهي تسير مع من سار، وتغيّر وتبدّل حسب ما يشتهي الحَجّي الأكبر، حتى وإن كان أصغر!