شعار قسم مدونات

تاريخ الإصلاح تأريخ الأخطاء

التعليم في تونس

عرف انشتاين الغباء بأنه "تكرار التجربة في نفس الظروف وبنفس الشروط وانتظار نتائج مختلفة" وهذا الغباء المستفحل في النخب السياسية العربية هو ما يقودنا للكتابة والتنبيه لعواقبه لأنه يمس الجميع، اقرأوا التاريخ وتمعنوا في العبر التي أشار إليها ابن خلدون لتجتنبوا أخطاء وقع فيها السابقون.

في سنة 1992 انطلق بن علي بتونس في "إصلاح تربوي" بعد أن استتب له الأمن وبسط سيطرته على المشهد السياسي فصار اللاعب والحكم الوحيد، إصلاح أراده على مقاسه يخدم نرجسيته ويديم عرشه.

الثابت أن العنوان الحقيقي لـ"الإصلاح التربوي" كان التمييع والتدجين والتطبيع مع عدو الأمس فقضى على أجيال كاملة لا تعرف لهويتها معنى ولا لامتدادها التاريخي

هذا الإصلاح ليس رغبة منه فقط بل تحت ظروف دولية وإقليمية حيث صار العالم "جديدا" وفق ما قاله بوش الأب في مؤتمر مدريد وصار الحكم الدولي وحيدا لا "شريك" له، وبرزت خفافيش أوسلو من جحورها فكان لزاما كان على الجميع اتباع النهج الأمريكي طوعا أو كرها، فبات عنوان الإصلاح المعلن التحديث والاستعداد للألفية الثالثة.

غير أن الثابت أن العنوان الحقيقي كان التمييع والتدجين والتطبيع مع عدو الأمس فقضى على أجيال كاملة لا تعرف لهويتها معنى ولا لامتدادها التاريخي، فظهرت مفردات ومصطلحات جيوسياسية وثقافية تكرس الاعتراف بـ"دولة إسرائيل" وجب تغليفها في المناج الجديدة أكمل الإعلام المتبقي من المهمة القذرة وما عجزت عنه المدرسة.

تواصل السبات حتى استيقظ العالم ذات ظهيرة على وقع أحداث 11سبتمبر واعتبر ذلك الزلزال منبه للعالم العربي والإسلامي أن الطوفان قادم، ومن ليس مع أمريكا فهو عدوها كما قال بوش الابن يوم 12/09/2001، فتداعى المثقفون والساسة وخبراء التربية يبحثون في المناهج التربوية ما يحث على الكراهية وما يفرّخ الإرهاب فكان لزاما من باب الولاء للكبير والحكم الدولي أن ننجز "إصلاحا شاملا وعميقا" لنقطع دابر الإرهاب.

وكان إصلاح 2002 الذي أنجز على عجل وعنوانه مقاومة الإرهاب والتطرّف وتكريس قيم التسامح والتعايش وقبول الآخر ، قيم لعمري لن تجد أنبل منها لكل من يتبنى المدنية محب للسلام والأمن، غير أن مسار توظيفها لم يكن بالبراءة والتسامح المنشود.

انطلقت الورشات والمقاولات وأحدثت مناهج واستبدلت مواد ومناهج ومفردات تربوية ، وانطلق القطار إلى وجهة غير معلومة حتى توقف بواد غير ذي زرع لا حياة فيه، نزل المسافرون وكانوا أعجز من أن يتدبروا أمرهم، كان الفشل سمتهم المشتركة بل إن شريحة منهم تبنت الفكر الذي كنا نروم مقاومته.

هرب الحكم الوحيد بعد نزول الجمهور للملعب وعمت الفوضى سنة 2011 وظهر من تحت ركام "ثورة الكرامة" دبابير الروحية وقبلّاط والقيروان وووو أحداث هزت المواطن البسيط هزا عنيفا ، كيف يقدر التونسي الشاب التلميذ والطالب أن يذبح أخيه الأمني أو العسكري بكل تلك القسوة والبشاعة هل هذه مخرجات إصلاح 2002 التي كنا نرومها وننتظرها؟

نوازع الإيديولوجيا زاغت بالإصلاح عن مساره وجعلت منه مطية لتحييد الخصوم فاستعارت مصطلحات الإقصاء النوفمبري واستحوذت أطراف لا شأن لها بالتربية بالقرار

كان لابد من "إصلاح جديد" وبات الإصلاح مطلبا شعبيا ونخبويا لأول مرة بعد إجماع على ترهل المدرسة وفساد مخرجاتها، ومع ظهور التنظيم "الداعشي" في دول الجوار العربية صار الأمر مستعجلا والمطلب ملحا كي نقطع الطريق عليه في المناهج.

غير أن نوازع الإيديولوجيا زاغت به عن مساره وجعلت من الإصلاح مطية لتحييد الخصوم فاستعارت مصطلحات الإقصاء النوفمبري، واستحوذت أطراف لا شأن لها بالتربية بالقرار وصارت كلمتها الفيصل رغم ما يشاع على التشاركية والانفتاح في مسار الإصلاح التربوي، مسار انطلق باستشارة نوفمبرية شكلية شملت الأولياء والتلاميذ والمدرسين والمتفقدين، ومن هناك غيبوا إلى هذا اليوم ووكلت الأعمال التقريرية إلى لجان يزداد كل يوم تضييقها.

وهي لجان تعمل في الظلمة وتخشى النور والانفتاح وكأن شيئا سريا دقيقا يخشى… وحتى من يحظرها تقال له نصف الحقيقة. كل هذا المسار بات محل استهجان ومدعاة للشك والريبة، وبات يقينا عند الأكثرية وأهل الاختصاص أن لا شيء سيتغير وأن المقاربة ذاتها ستعتمد وأننا بتنا كمن يسير نحو حتفه وهو يعلمه أي من يقوم بعملية انتحارية وسيعتمد إصلاح 2002 سنة 2016 وبالتالي سنقع في الغباء الذي نبه إليه انشتاين .