القراءات المأسورة والانطباعية

blogs - books
بعض "الظلاميين" الجدد من دعاة التنوير المقلوب، يمارسون التعمية على القارئ، فيوهمونه بأنهم يقرؤون التراث الإسلامي وأنهم يتابعون كتابات المفكرين المسلمين الجدد، كما يقرؤون التراث الغربي قراءة نقدية. ولكن الحقيقة أن هذه لا تعدو أن تكون دعاوى لا أساس لها من الصحة، وفي أحسن الأحوال أنها دعاوى حالمة سرعان ما نكتشف أنها غير معبرة عن مضمونها.
 

وقد يبدو للوهلة الأولى أن صاحب هذا المقال متحامل على "التنويريين"، ولم ير فيهم ما يجعلهم فعلا تنويريين يحاولون إخراجنا من ظلام التخلف. ولكن دعونا نتأمل قليلا في دعاواهم، وسنجد أن غالبيتهم الساحقة واقعون في أسر قراءات من درجة ثانية للفكر الغربي، وقراءات انطباعية من درجة ثالثة إذا صح التعبير للتراث والفكر الإسلامي، فكيف ذلك؟!
 

أسر القراءة من الدرجة الثانية للفكر الغربي:

لعل أخطر ما عاناه تراثنا الفكري، قديما وحديثا هو ذلك التزوير والتزييف الفكري الذي حاوله أشخاص تختلف ميولهم وغاياتهم

المقصود بأن تنويريينا أسرى للقراءة من الدرجة الثانية للفكر الغربي، أن معظمهم يقرأ التراث الغربي مترجما وليس في مصادره الأصلية، كما أن معظمهم مازال حبيس قراءات غربية للفكر الغربي الأول، فهم يقرؤون القراءات، ويقرؤون ذلك بطريقة انتقائية وغير تاريخية، حيث أنهم لا يقومون بقراءة استقرائية للفكر الغربي تشمل مختلف مدارسه وتياراته الكبرى، ثم ممارسة النقد الذي يجعل المعطى الفكري الغربي موضوعا للمدارسة والتفكر والنقد والاستفادة، بل ينظرون إلى الفكر الغربي نظرة تقديسية استاتيكية لا تاريخية.
 

فهي قراءة تقديسية للفكر الغربي تقف أمامه خاشعة مسلمة، لا مسائلة متعلمة، وتأخذ بمقولات هذا الفكر كأنه الحقيقة النهائية المطلقة، التي ليس بعدها حقيقة. فتجد التنويري من أبنائنا يجعل من مقولات الفكر الغربي مرجعية نهائية غير قابلة للتجاوز أو المساءلة. ولعل هذا ما أشار إليه أبو يعرب المرزوقي في مقدمة كتابه (السببية عند الغزالي) حيث أشار إلى أن المقلدة من المتفلسفة والتنويريين يتهمون الفكر الإسلامي بأنه نقلي، ونسوا أنه فكرهم هم أيضا نقلي رغم ادعائهم المعقولية، حيث أنهم يرجعون إلى منقول فلسفي يقفون أمامه مقدسين، في مقابل رجوع الفكر الإسلامي إلى منقول ديني بدعواهم. وهم بهذا يشنعون على غيرهم ما يقعون فيه هم. مع العلم أن أساس الدين النقل وأساس الفكر العقل، ولكن أي عقل مع من يقف مقدسا لنص فلسفي الأصل فيه المساءلة والنقد والجدل.
 

وهي قراءة استاتيكية لا تؤمن بالسياق التاريخي والحضاري للفكر، ولذا فإنها تنظر إلى مقولات الفكر الغربي كأنه حقائق متجاوزة للتاريخ، وأنها قابلة للتعميم دون نقد وتمحيص، مادامت صادرة من اساطين الفكر الغربي. وهم هنا يقفون أمام افكار هيجل وماركس وكانط ونيتشه وغيرهم موقفا لا تاريخي. وكأن أفكار هؤلاء المفكرين الغربيين لم يكن لها خلفية اجتماعية، وسياق حضاري وثقافي وفكري وديني ما، بل وكأنها افكار عالمية مبتدأ ومنتهى، دون حاجة إلى برهان.
 

ويحضرني هنا قول لحسن حنفي يؤكد فيه أن الفلسفة "ليست مجرد فكر بلا زمان ولا مكان، بلا زمان وبلا حضارة، إنما هي نظام فكري ينشأ في عصر، ويقوم به جيل، ويخدم مجتمعاً، ويعبر عن حضارة.. هذا الوضع هو الذي دعانا في حقيقة الأمر إلى التفكير في علاقة الفلسفة بالموقف الحضاري لجيل محدد هو جيلنا… هناك أبنية ذهنية ونفسية واجتماعية تظهر في كل عصر ولا يمكن تعميمها إلا بقدر عموم النفس الإنسانية وإطلاق العقل البشري. وهو في الحقيقة عموم لا يأتي إلا بعد خصوص". (حسن حنفي، "موقفنا الحضاري"، الفلسفة في الوطن العربي المعاصر، بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الأول، ص13-14).
 

القراءة الانطباعية للتراث الإسلامي من الدرجة الثالثة:
أما فيما يتعلق بالتراث الإسلامي والفكر الإسلامي، فإن "التنويريين" الذين أدخلونا في ظلام فقدان المنهج، فإنهم لا يكادون يطلعون على التراث في مصادره ولا الفكر الإسلامي في حركيته، وذلك إما جهلا به وعدم إحاطة بثرائه، وتنوعه، وكثافته، وآليات إنتاجه، ومضامينه الدينية والفكرية والحضارية، وإما تتم قراءته من خلال القراءة الاستشراقية له، فيأخذ "التنويريون" المنتج الاستشراقي المتعلق بتراثنا ثم يبنون عليه وجهات نظرهم؛ معرفيا ومنهجيا، فتتحول قراءتهم لهم من درجة ثالثة.
 

ولعل أخطر ما عاناه تراثنا الفكري، قديما وحديثا هو ذلك التزوير والتزييف الفكري -كما يقول الأعسم- الذي حاوله أشخاص تختلف ميولهم وغاياتهم وطرائق وسائلهم، وتتباين مواردهم ومصادرهم، أسهم في تكريسه وتثبيته المستشرقون الذين تنادوا إلى تقديم رؤية تقليدية ساذجة، تدّعي أن الفكر الفلسفي في حضارتنا ما هو إلا صورة ظلّية محنطة المعالم للفكر اليوناني ومدارسه المختلفة.
 

وأضاف "التنويريون" الجدد غربتهم عن هذا التراث، بأن توسلوا على قرائته من خلال المنهج والمقولات والامنتج الاستشراقي، فكان قراء قراءة انطباعية من درجة ثالثة لهذا التراث، لم يكلفوا أنفسهم فحص ونقد مقولات الاستشراق ولا النظر في مدى معرفة المستشرقين بآليات إنتاج التراث والفكر الإسلامي ولا بمنطلقاته التصورية وغاياته الحضارية.
 

النظرة إلى الماضي يجب أن تكون وسيلة لبناء الحاضر، لا سبيلا غائيا

وليس المقصود -كما يقول الأعسم- هو الاندفاع نحو التراث والفكر الإسلامي بروح عصبية تحاول أن تضع الحواجز التاريخية لسد منظور الحاضر بغية إظهار الماضي كأنه الدرة المكنونة التي تحمل كل المقومات الطبيعية منذ وجدت البشرية على وجه الأرض. فإن تلك نظرة الفاشلين في فهم التراث، لأن النظرة إلى الماضي يجب أن تكون وسيلة لبناء الحاضر، لا سبيلا غائيا.
 

ويجب أن تكون قراءة ابستيمولوجية من الدرجة الأولى لا قراءة واقعة في أسر ولا ناتجة عن انطباعات، لا من درجة ثانية ولا ثالثة، وهذا مطلب صعب على "التنويريين" الذين ينطلقون من اللحظة الحادثية، معممين لها كأنها امتداد أزلي وسرمدي، في تجاهل عمدي أو عن غفلة للأزمنة الحضارية المختلفة والأعمار المختلفة للحضارات، التي تأبى التخلي عن خصوصيتها بدعوى العالمية، بل لا عالمية ولا كونية إلا من خلال خصوصية قوية منفتحة.