شعار قسم مدونات

"الشعب يريد": هل كان الربيع العربي انتفاضة اقتصادية؟

blogs - revolution
لا تتأتى أهمية كتاب "الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية" (الساقي، 2013) للمفكر اللبناني جلبير الأشقر، فحسب، من مادته الوفيرة بالبيانات والإحصاءات والتقارير المحكمة؛ تلك التي لم يعتدها القارئ العربي في الأعمال الرائجة لديه، التي يهيمن عليها الطابع الأدبي والفرضيات التأملية المحضة غير الخاضعة للاختبار.
 

بل تتأتى أهمية هذا العمل الرائد كذلك، من كونه يقدم القراءة اليسارية الأوفى للربيع العربي. فالمؤلف ماركسي وفي، ليس فحسب للتقليد اليساري الجديد الذي ينتمي إليه، بل كذلك للأدبيات الماركسية الكلاسيكية، التي يجعل منها أرضية لأطروحاته، ويقتبسها بكثافة حد الفيتشية في التعامل معها.
 

النظرية الاقتصادية للثورة تتحرك في عالم من الشروط الموضوعية المتعالية على الفعالية الإنسانية التي قد تتمثل في تيار أو حزب أو كيان أو حتى شخص

على غرار أدبيات اليسار، التزم الكتاب بمعايير موضوعية وعلمية عالية، التزاما دعمته براعة المؤلف الأكاديمية، إذ تمرّس طويلا في الحياة الأكاديمية، وهو يدرس حاليا قضايا التنمية والعلاقات الدولية في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن.
 

ينطلق المؤلف في قراءته من نظرية ماركس في الثورة، التي يقتبسها في الصفحة الأولى، باعتبار الثورة تعبيرا عن التناقض بين قوى الإنتاج (تشمل كلا من القوى البشرية والأدوات/التقنية) وبين نمط الإنتاج/علاقات الإنتاج، مما يدفع الأولى إلى تدمير الثانية، التي تعطل تطورها.
 

تتحرك تلك النظرية إذن في إطار الشأن الاقتصادي، ولا تتقاطع مع السياسي أو الثقافي إلا عندما يتعلق الأمر بكونهما التجلي الأخير لعلاقات الإنتاج. وإذ يمثل تطور قوى الإنتاج كل ما يهم في الاجتماع من ذلك المنظور، فإن السياسي والثقافي يبقيان هامشا على تلك المسألة الاقتصادية برمتها.
 

يهيمن هذا الطابع الاقتصادي -لن نقول الاختزالية الاقتصادية، ليس فحسب لياقة مع المؤلف، بل إنصافا لأسباب نذكرها في ثنايا المقالة- على أطروحة الكتاب. فبينما يذهب المؤلف إلى أن الربيع العربي غير قابل للتفسير في ضوء إفلاس النيوليبرالية (نمط الإنتاج الرأسمالي المهيمن اليوم)، إذ أن اقتصادات نامية تطبق الوصفات النيوليبرالية لا زالت تحقق أداءات جيدة كما في الهند وتركيا وتشيلي، يصر في الوقت نفسه على أنه نتاج تنويعة خاصة من الرأسمالية (ص71).
 

تظهر السياسة فجأة عندما يتجه الأشقر إلى تحليل تلك التنويعة الخاصة من الرأسمالية التي يعزو إليها إنتاج الربيع العربي (الانتفاضة العربية باعتبارها سيرورة ثورية طويلة الأمد، بتعبير الأشقر نفسه)، وهي التنويعة التي تتحدد في نظره بعاملين؛ هما: ريعية الدولة، ورأسمالية العائلة الحاكمة أو المحاسيب، تلك التي يطلق عليها المؤلف "الرأسمالية المحددة سياسيا".
 

يعترف المؤلف إذن في الأخير بالبعد السياسي، بل يذهب في الفصل الرابع إلى اعتبار الأبعاد الإقليمية والدولية؛ وهي أبعاد سياسية بالأساس، بما فيها النفط، الذي يشرح المؤلف نفسه كيف كان حضوره سياسيا قبل أن يكون اقتصاديا.
 

لكن هذا الخلط في الأولوية بين السياسي والاقتصادي، يستشعره باحث رصين ومتمكن كجلبير الأشقر، فيحاول علاجه عبر الاستعانة بصديق ماركسي أيضا، هو الرائد الفرنسي لوِي ألتوسيير، الذي يصرح بأن التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج ليس كافيا لإفراز الحالة الثورية، التي يسهم في تحديدها عوامل مختلفة (ص148). وفي الحقيقة، فإن ألتوسيير هنا يقوم بتفكيك نظرية الثورة الماركسية الكلاسيكية ويعيد للمركب السياسي والاجتماعي فيها مكانته التي أعطيت للاقتصاد حصرا.
 

لم تكن تلك النزعة الاقتصادوية الماركسية لتكون موضوعا للنقد لو أنها بقيت محدودة بالرطانة التي يحتاجها المؤلف لصياغة أفكاره حول الربيع، حتى وإن كانت رطانة التفافية لا تتوجه مباشرة إلى بيت الداء، خاصة وأن المؤلف يؤديه تحليله الرصين في الأخير إلى خلاصات سياسية كما شرحنا.
 

لكن تلك النزعة تمتد لتؤثر على الخلاصة السياسية (العملية) التي يطرحها المؤلف. فالأشقر يُضمِّن المطالب الديمقراطية والقومية كعناصر جزئية ضمن إطار كلي يتحدد بالتناقضات الرأسمالية التي تتعالى على تلك المطالب. أي أن المسألة العربية -إذا ما استعرنا تعبير عزمي بشارة- هي بالنسبة للأشقر، ويمكن أن نقول هنا: هي بالنسبة لليسار، مسألة اقتصادية قبل أن تكون مسألة سياسية.
 

إن تلك النظرية الاقتصادية للثورة تتحرك في عالم من الشروط الموضوعية المتعالية على الفعالية الإنسانية التي قد تتمثل في تيار أو حزب أو كيان أو حتى شخص -إذا ما فكّرنا في الاستثناءات الرومانسية الممكنة نظريا، بغض النظر عن مدى احتماليتها واقعية- يدفع باتجاه الثورة دون أن تكتمل تلك العوامل الموضوعية بالضرورة.
 

وعلى الرغم من أن لينين قد أعاد الاعتبار جزئيا لتلك الفعالية ودورها في استكمال الثورة، وهو ما يقتبسه الأشقر أيضا منه بالفعل، إلا أنه يظل في انتقائه للفواعل الحقيقية المحتملة والمأمولة في الثورة، يتحرك بشكل آلي.
 

فعمليا، يتصوب الأمل السياسي وفقا لتلك الخلاصة تجاه الحركة العمالية ونضالاتها الاجتماعية، وتجاه الفواعل الجدد، ومن بينها مثلا الحركات النسوية، التي يشيد بها الأشقر بشدة، وهو أحد المنتمين بصدق إلى التقليد اليساري الجديد الملتحم بالنسوية؛ هذا دون أن يتخلى عن عباءته الماركسية الكلاسيكية كذلك.

لكن الأشقر لا يضع في الاعتبار كثيرا من العوامل التي تقوض ذلك الأمل، وهي التي أدت بالفعل إلى عقم تلك الرؤية اليسارية عمليا رغم ثرائها على مستوى الوعي.

فأولا، لا يضع الأشقر في اعتباره حجم الطبقة العمالية في العالم العربي، على الرغم من أنه يوضح في كتابه تواضع حجمها، خاصة في الصناعات التحويلية على الأقل، حيث الطبقة من العمال التي يفترض امتلاكها الوعي والقدرة على التأثير المرجوة.
 

ففي مصر، ووفقا لبيانات منظمة العمل الدولية عام 2008، يعمل 2.6 مليون عامل في الصناعات التحويلية، و2.3 مليون في البناء. أما في تركيا، فالنسبة تنقلب إلى: 4.2 مليون في الصناعات التحويلية ، و1.2 مليون في البناء (ص88) (يجب الأخذ في الاعتبار أن حجم الطبقة العاملة في مصر أكبر منه في معظم البلدان العربية).
 

أما الحقيقة التاريخية الأخرى التي يغفلها الأشقر، فهي تدجين الطبقة العمالية؛ تلك الصدمة التي عصفت بالوعي اليساري منذ فشل انتفاضة سبارتاكوس في ألمانيا. فالعمال جرت رشوتهم بطريقة مقنعة، ولم يعد يمكن اعتبارهم وقودا لثورة اجتماعية، بحسب هربرت ماركوز. (تظاهر عمال أوراسكوم ضد الرئيس المعزول محمد مرسي عندما طالب الأخير الرأسماليين الذين يوظفونهم بدفع ضرائبهم؛ وهو حدث هام قلما يشار إليه).
 

أما الفواعل الأخرى من منظمات المجتمع المدني، فهي تعاني ذات القصور الكمي والكيفي الذي تعانيه الحركة العمالية. فعمليا، لا تمتلك تلك المنظمات قواعد اجتماعية واسعة أو شبكات مصالح ضخمة تمكنها من الحشد والتأثير. أما نظريا، فإن تلك المنظمات تفتقد الخطاب القادر على الالتحام بقطاعات عريضة من المجتمع (وهي أقرب في تكوينها واهتماماتها إلى البرجوازية)، ومن ثم تكوين تيار سياسي فاعل.
 

لقد تحدد الربيع العربي سياسيا قبل أن يتحدد اقتصاديا أو ثقافيا، والتعاطي مع تلك الحقيقة هو ما سمح باجتماع القوى المختلفة لبناء نظام سياسي ديمقراطي

ثمة تناقض أيضا أو غموض لم يحسمه الأشقر بخصوص تصوره للفاعلية التي يمكن أن تلعبها تلك الحركات، هل هي فاعلية قاعدية غير منتظمة في تيار سياسي ضخم، أم أن التنظيم الثوري لا زال ضروريا.
 

هكذا تنتج تلك الرواية اليسارية للربيع العربي العديد من التناقضات النظرية والعملية أدت إلى فشل يساري بنيوي محبط، في الإفادة أو الاستفادة من الحدث، على الرغم من ثراء الرؤية النظرية وممكنات الحركة.
 

فالربيع العربي لم يكن انتفاضة اقتصادية على غرار الاضطرابات الاقتصادية في مصر 77، المغرب 81، تونس 84، الأردن 89 (ص96)، وكل ما حدث هو أن شروطا موضوعية ظرفية تضافرت فأفرزت الحالة الثورية للربيع.
 

لقد تحدد الربيع العربي سياسيا قبل أن يتحدد اقتصاديا أو ثقافيا، والتعاطي مع تلك الحقيقة هو ما سمح باجتماع القوى المختلفة لبناء نظام سياسي ديمقراطي يسمح بطرح الرؤى المحافظة واليسارية المختلفة وتطبيقها في مناخ ديمقراطي على حد سواء؛ فلم تجتمع تلك القوى لمحاربة النيوليبرالية، ولا لتطبيق الشريعة، ولا لتحقيق ممانعة مزعومة على جثث شعب مقهور.