ظلال جراي.. أو التفاهة العابرة للقارات!

blogs-رواية
مخطئ من يعتقد أننا بحديثنا عن تدني الذوق الأدبي وسيطرة قيم الاستهلاكية والابتذال وتعرض صورة الأدب لتشويه حقيقي، نقصد فقط القارئ العربي بشكل عام، فحتى الغرب لم يسلم من هذا الأمر وربما كان هو مصدره الأول ونحن لم نكن سوى مقلدين أو تابعين له.

مشكلتي الرئيسية مع ظاهرة "الكتب الاكثر مبيعا" هي أنني فضولي، فغالبا ما يدفعني الفضول لمعرفة السر وراء نجاحها، فيخيب ظني كل مرة، والأسباب معروفة.

هذه الرواية حققت نجاحا ساحقا وغير مألوف على مستوى المبيعات، ربما لم تكن تتوقعه الكاتبة نفسها.

أبرز دليل على كلامي هو كتابنا لهذا اليوم، والذي صدر عام 2011، وتربع على عرش قوائم الكتب الأكثر مبيعا، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وحطم رقما قياسيا في بريطانيا كأسرع كتاب جيب يباع على الإطلاق، وبيعت منه هو والأجزاء اللاحقة أزيد من 100 مليون نسخة حول العالم، وترجم ل 52 لغة، مع أنه يستحق في الواقع أن نعتبره أي شيء، إلا أن يكون "رواية"!

كتابنا لهذا اليوم هو "رواية" خمسون ظلا لجراي أو Fifty Shades of Grey للكاتبة البريطانية إي أل جيمس أو E.L. James، صدر لأول عام 2011، وكان الأول ضمن ثلاثية حملت عناوينها اللاحقة اسم خمسون درجة أكثر قتامة Fifty Shades Darker وخمسون درجة طليقا Fifty Shades Freed وتحكي عن علاقة عاطفية معقدة تجري أطوارها بين طالبة جامعية حديثة التخرج تدعى أناستازيا ستيل، وملياردير ورجل أعمال شاب يدعى كريستيان غراي، علاقة تتداخل فيها ثنائية السيطرة والخضوع مع الميولات السادية والانحرافات المازوشية الغريبة.

نعم، وكما هو واضح، فهي رواية تندرج في إطار الصنف الإغرائي الإباحي، الذي يلقى قبولا ورواجا لدى فئة من القراء، وربما يصنف "كصنف" أدبي مستقل بذاته في الدول الغربية، ولكن هذه الرواية حققت نجاحا ساحقا وغير مألوف على مستوى المبيعات، ربما لم تكن تتوقعه الكاتبة نفسها، واعذروني إن كنت متحاملا عليها قليلا ولكنني أعتقد أنها كانت تعاني من خلل نفسي ما، أو أنها كانت تتعاطى المخدرات عند كتابتها لهذا العمل، والمدهش هنا أن تصنفها مجلة تايمز البريطانية كواحدة من ال 100 شخصية الأكثر تأثيرا في العالم عام 2012.

المشكلة هنا ليست في الوصف الدقيق والصريح لتفاصيل العلاقة الجنسية الغريبة التي تجمع البطلة (الراوية) بالبطل، فتوظيف مثل هذه المشاهد في الأعمال الأدبية معروفة أهدافه و مألوف منذ زمن بعيد، وربما لم يعد حاليا يقدم أي جديد بعدما تجاوزنا (في نظري الشخصي على الأقل) أسلوب الصدمة وكسر التابوهات الذي تميز به الأدب في حقبة معينة، لكن العجيب هو أن هذه "الرواية" لا شيء فيها يستحق هذا الاسم، فالحبكة ضعيفة ومهلهلة ولا تترك لك مجالا لمتابعة الأحداث (لا يلتصق بذهنك سوى عض البطلة لشفتها السفلى أكثر من مرة في الصفحة الواحدة)، والأسلوب بالغ الركاكة (صحيح أنني قرأتها مترجمة بالفرنسية ولكن الركاكة واضحة في بناء النص وليس الترجمة).

"التفاهة الأدبية" لم تكن في يوم من الأيام ماركة مسجلة باسمنا نحن فقط، فهي عالمية وعابرة للقارات.

حتى الموضوع الذي يفترض بهذه "الرواية" أن تعالجه وتصدم به القارئ، وهو موضوع الانحرافات السادية والمازوشية المرتبطة باختلالات نفسية، والذي يعتبر شقا أساسيا في دراسات علم النفس المرضي الرصينة، لم يتطرق إليه العمل بشكل واضح يجعلنا نخرج على الأقل باستفادة ما من هذه "الرواية"، هذا إذا تجاوزنا ثيمة سندريلا الفقيرة والأمير الغني التي أعادت هذه الرواية تقديمها بشكل حديث ومناسب "للحلم الأمريكي"، وأنا الذي اعتقدت أن مثل هذه الثيمات أكل عليها الدهر وشرب ولم تعد تغري أحدا.

امتعاضي من هذه "الرواية" لم يكن مجرد رأي شخصي، فقد استقبل النقاد المتخصصون أيضا هذا العمل بالكثير من الاستهجان والرفض، لكن من يهتم؟ ما دام العمل يحقق هدفه الرئيسي وهو النجاح التجاري! فكان طبيعيا أن تدخل هوليوود على الخط وتحوله إلى فيلم سينمائي من إنتاج عام 2015 حقق هو أيضا نجاحا كبيرا في شباك التذاكر.

ولأن قريحة الكاتبة جفت ولم تعد قادرة على تقديم أي جديد، لم تجد بدا من إصدار رواية جديدة اسمها "جراي" ليست سوى إعادة كتابة للرواية الأولى، لكن من منظور "البطل" هذه المرة!

ولا داعي للقول في النهاية بأنني لا أنصحكم بتبديد سويعات ثمينة من وقتكم مع هذه الرواية، فتناولها بالتحليل اليوم لم يكن بغرض التشجيع على القراءة وإنما للقول بأن "التفاهة الأدبية" لم تكن في يوم من الأيام ماركة مسجلة باسمنا نحن فقط، فهي عالمية وعابرة للقارات.



حول هذه القصة

السوريون في درعا يحولون منازلهم لفصول دراسية

دفع تردي الوضع التعليمي في مناطق سيطرة المعارضة السورية سكان مدينة درعا (جنوبي البلاد) لتحويل بعض المنازل إلى فصول دراسية رغم الخطر المحدق.

Published On 16/10/2016
قوات البيشمركة تسيطر على سبعة قرى شرق الموصل بعد ساعات من بدء عملية استعادة المدينة

سيطرت قوات البشمركة على سبع قرى بشرق الموصل خلال ساعات من بدء عملية عسكرية لاستعادة المدينة. يأتي ذلك عقب إعلان الحكومة العراقية فجر اليوم عملية جرى التحضير لها مطولا.

Published On 17/10/2016
خسائر بالعشرات لحزب الله خلال أيام بريف حلب الجنوبي

أفاد مراسل الجزيرة في لبنان بمقتل القائد العسكري في حزب الله اللبناني حاتم حمادة وجرح قيادي ثان يلقب بأبي ساجد كفرملكي جراء انفجار عبوة ناسفة استهدفت موكبهم في مدينة حلب.

Published On 17/10/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة