الفلاح الفلسطيني الذي لم تهذبه السينما

blogs-مزارع
كان مخملياً ذلك السجاد الأحمر، في "كان" الأفلام، ما أن وطئت عليه، حتى تأكدت بنظرة ثانية أن حذائي لن يترك أثراً عليه، مسكوناً بتحذيرات أمي ذات مساء شتوي طيني في القرية.

وكانت "ببيونة التوكسيدو" تخنق الرقبة التي استعصت زماناً على ربطات العنق، وها هي اليوم توضع في قالب السجادة الحمراء، حتى نهاية العرض، داعياً المولى أن لا تصل الصورة المتناقلة، إلى وجوه أحد أركان التاريخ في القرية، فتلك "ببيونة" لا تليق بالفلاحين.

كان مضى على عملي في الأفلام بضع سنين، عندما سألني ذاك العجوز في بلدتي الوادعة شرقي طولكرم، وقد لاحظ استطالة شعري، ماذا تصنع في حياتك يا ابن الدكتور؟ فأجبت، الأفلام، فهز رأسه مؤمنا بقضاء الله وقدره فيّ، ومتأسفاً على مستقبلي الضائع هدراً، وعلى تفريطي في ورثة مهنة الطب، وأجاب، "ما يكون"، بكاف مكشكشة.

يحاكمني عمي كبير العائلة، على سفرياتي، التي لا يرى منها سوى الصورة الإعلامية، والبروباغندا المفرطة في الترويج لأفلام، لا تعيد المال الذي دفعت في إنتاجها.

تدفعني فلاحيتي إلى الدفاع المستميت أمام مئات الأسئلة، عن البيت والأرض والأموال والحسابات المقنطرة غير الموجودة، لأكتشف أن ابن فلانة، مِسْعَد وابن مِسْعَد بوظيفته الهادئة الوادعة المستقرة وأنا صاحب الافلام والشقاء.

ولا تصمد حِجّةُ "ابحث عني في جوجل" ولا تابعني على قناة مثل الجزيرة أمام "جَحرة" خالي ذي الستين عاماً، فهو لا يرى أمامه منجزاً مادياً ولا غراس زيتون ستثمر ذات موسم رغم أنه "أبو الريح" كان عنوان أحد الأفلام وزيتونه الصامد كان رمز الفيلم وتعويذته.

ويحاكمني عمي كبير العائلة، على سفرياتي، التي لا يرى منها طائلا مادياً حقيقياً، سوى الصورة الإعلامية، والبروباغندا المفرطة في الترويج لأفلام، لا تعيد المال الذي دفعت في إنتاجها، من يقنع ستي أن جري الوحوش، لن يزيد في الرزق، وأنني لن أَحوشْ إلا ما كتب لي، فاقعد واركن و"دشرك من اللي داير عليه".

بيد أن هذه البيئة الموغلة في التفاصيل، والتي لا ينجو منها شيء دون أن يطلق عليه اسم، ساهمت إلى حد كبير في دفعي إلى إخبار الجميع بما نمتلك مِن قصص، وما تعنيه لنا الجزئيات وما تشكله لدينا حكايات الأرض والصراع في الحفاظ عليها، وربما أيضا خرافات الحجات وأكاذيب العجوز الهرِم الذي مات عنه أجياله، وهيام ابن الجيران، بمن خطفت قلبه يوم رآها من فوق سُوَر البيت وهو يعتلي على عجلٍ حصانه، فاكتشف أن خلف ذلك الستر، جمال أخاذ.

أريد أن أسرد على العالم خراريفَ كثيرة، فماذا يطلق على قطعة القماش التي توضع بين حمل الزيتون وظهر الدابة؟ وهل يدري صانع الأفلام الذي يسير إلى جانبي على السجادة الحمراء، أن يدي التي صافحها عانت من "بقابيش" آثار الحفر، ذات صباح، لأن الأرض قد "أوفرت" بعد هطول المطر طول الشتاء، وأنني أتوق لجمع هذا كله في مشهد سينمائي.

هذه الفلاحية، المغرقة، والتي لا أختبئ منها حد الخجل، ولا أفاخر بها حد الجاهلية، تثقلني باتجاهات وتدفعني باتجاهات أخرى، خاصة في عالم كالسينما، المقتول بالادعاء والمثخن بالبرستيج والمليء بالخواء.

لا تملك في عالم كهذا إلا أن تكون حقيقيا، تعبر عن ذاتك، مقترباً ممن تعبر عنهم، نازلاً عن مقامك العاجي، جالساً على أرض القصص والإنسان، فيخرج فيلمك يشبهك ويشبههم.



حول هذه القصة

أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا أنهما تدرسان فرض عقوبات اقتصادية على روسيا والنظام السوري بسبب الأوضاع في حلب، بينما تعقد بلندن مباحثات أوروبية أميركية بشأن الأزمة السورية.

Published On 16/10/2016
British Foreign Secretary Boris Johnson (R) welcomes US Secretary of State John Kerry ahead of a meeting to discuss the situation in Syria, at Lancaster House in London, Britain, 16 October 2016. The meeting follows up on the previous day's round of talks on Syria in Vienna. EPA/JUSTIN TALLIS
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة