logo

مهندس أم آلة؟

تقول الرواية القديمة "مهنة الهندسة في الأصل مهنة غير نبيلة، هدفها أولاً وأخيراً كسب المال" تطورت الهندسة فيما بعد وتدخلت مع دخول التكنولوجيا بصحة الإنسان والحيوان وتنقية البيئة. نعم، تماماً كلّ ما حولنا يلقي بنا باتجاه العمل الروتيني والقالب الواحد بالتالي حصرنا في جزء من الدائرة الوجودية الصغيرة التي تعمل فيها آلة.
 

مهندس البُعد الواحد أو كما يقول العلّامة محمود شاكر: "المهندس بعرف شوية هندسة أو ديزاين وبعرف شوية حاجات ومنعزل عن العالم تماماً، هو نفسيته ماتت من الداخل، لا هو إنسان ولا هو قارئ مالوش علاقة إلا بعمله". لو حاولنا أن نُلخص الحضارة بالتكنولوجيا تحديداً بالحاسوب المستخدم غالباً، الحاسوب نتاج عقولنا وعقولنا صُنع الله سبحانه له المثل الأعلى، ننبهر غالباً بالآلة بدلَ أن نتجه للإبداع ونطلق لعقلنا العنان، التكنولوجيا هي نتاج، لكنّ الحضارة ثقافة وروح وانتماء.
 

ندرك تماماً أنّ الدنيا لن تعطينا ما نريد ولا حتى بعضه ومع ذلك نحن مكلفون بالسعي حتى آخر نفس، يقول الصادق الرَّافعيّ "إنّ المؤمن في لذات الدنيا كالرجل يضعُ قدميه في الطين ليمشي، أكبرُ همه ألا يجاوز الطين قدميه".

حين تدركُ أن ما تدرس لن يعطيك القدرةَ أن تغير وأنّ كل ما تصنعه الهندسة لا ينتج سوى إنسان يعمل في إطار ضيق

حريٌ بنا أن نميز هُنا بين "الذكاء والفكر" فـ داروين مثلاً وصل بذكائه للنظرية الداروينية لكن ذكاؤه لن يساعده للوصول لفكرة إنسانية سامية فأتى بعده من علماء الرياضيات والإحتمال من ادحضوا نظريته، فالذكاء مادةٌ تقاس، لهذا نقول جهازٌ ذكي ولا نقول جهازٌ فكري أو عقلي أو حتى حضاري وترى هناك من يقوم بعمليات الحساب والمنطق وقد رُفع عنه القلم لمرضٍ أصاب عقله.
 

قس على ذلك الجامعات في بلادنا، كأحد أدوات البُعد الواحد فهي حين تقدّر العلم بعلامات على الورق وشهادات تُقلل منه، تقلله لدرجة حصره في مسمى وظيفي ومظهر اجتماعي أو مرتب شهري ثمّ تضييق الخناق عليه بمرتبة لا تعزز سوى شعور الاستعلاء على الآخرين وتخريج أعداد أكبر من أشخاص البعد الواحد المدربون على كذا وكذا.

إنّ محاولة حفظ كمية من المعلومات دون ربطها بتصورات هو عبثٌ ليس إلا، لا شيء يعطي للعلم حقه سواه. للعقل سمو، وللروح غذاء، نتعلم لنسعد لنرقى عن حيوانيتنا، لنزيد من تلافيف الدماغ ونمرّن المخ فنستخدم كل الحواس ونُفني كلَّ الأعصاب وجميع العضلات والشعيرات قبل أن نفنى وتفنى بنا، لننافس العالم في حريتنا وحقنا الذي يملكون بحضارتهم.
 

نعود مرة أخرى بالقول "مهندس أم آلة؟" معظم القادة ورواد التغيير والإصلاح والمؤثرين في العالم كانوا بتخصصات علومٍ إنسانية، بعودة في الزمن نستطيع أن ننظرالمشكلة بحقيقتها لحظة اختيار تخصصك ووقوفك عند مفترق طرقٍ محاولاً أن تحقق ذاتك من خلال أمور كثيرة ومتشعبة مثلاً: تريد أن تصبح مايريد الآخرون أو ما تريده حالة اجتماعية أو أخرى مادية ومعايير مجتمعية تشرّبت أفكار البُعد الواحد والقالب الواحد وتكلست حوله السنون.
 

بالنسبة لي بدأت المشكلة بعد سنتان ونصف كان الانسحاب صعباً بعد إنجازي ثلثي التخصص، المعظم يمرّ في تلك المرحلة التي تمتلئ فيها ذاتك تريدكَ أنت تريد أن تكون ما تريده أنت (أنت فقط) غالباً يكون التغيير حينها قراراً غير عمليّ، حين تدركُ كلياً أن ما تدرس لن يعطيك القدرةَ أن تغير أو تتركَ أثراً وأنّ كل ما تصنعه الهندسة لا ينتج سوى إنسان يعمل في إطار ضيق المطلوب أن يكون لديه شيء مختلف.
 

كي لا نخرج عن السرب كثيراً، ابقَ حيثُ أنت، حتماً سيصبح حديثك أكثر جاذبية أمام جموع الناس حين تُعرّف بالمهندس، أليسوا هم من أضافوا هذه الترهات وتلك الألقاب (منهم وإليهم)، لعلّ هذا الادعاء يجعلك تستمر بنُبلٍ أكثر لكن بخضوعٍ للواقع يحدده آلية عملك؟
 

هل تعمل كآلة، وماذا تصنع هل تصنع فرقاً؟ لم نصل للمشكلة بعد، المشكلة في فصل اللغة عن التخصص لا توجد لغة تجمع إهتمامك كلّه، في الأصل يجب عدم فصل العقل عن العمل والجهد عن الواقع والشعور عن التغيير، وأن يكونوا كلهم وحدة واحدة متكاملة، السبب أنه هذه الأمة بلا لغة يقول مصطغى صادق الرافعي "وليس في العالم أمة عزيزة الجانب تقدم لغة غيرها على لغة نفسها".



حول هذه القصة

يلقي الكتاب الضوء على المستجدات التي شهدتها أنظمة التعليم، ويتناول أوضاع القطاع بالوطن العربي ومدى تأثره بالمناخ العالمي. ويقول إن الغرب يدرك أن ما لا تستطيع السياسة أو القوة تغييره، يمكن أن يتغير من خلال القوة الناعمة، وعلى رأسها التعليم.

خرّجت الجامعات الصومالية مئات الأطباء خلال السنوات الماضية، لكن ذلك لم يسد الفجوة بين الزيادة المطردة في عدد السكان والحاجة للأطباء، خاصة في المناطق النائية التي تفتقر لأبسط الخدمات الصحية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة