logo

لم تقع القيامة ولم يغلق القوس

المنتشون بالنصر والمكلومون بالهزيمة كلهم قالوا إن انتخابات سابع أكتوبر التشريعية كانت نجاحا للديمقراطية الناشئة بالمغرب.
 

لم يكونوا بهذا القدر من الاحتفاء قبل يوم الموعد مع صناديق الاقتراع، الأحزاب التي في الحكومة دخلت الانتخابات متوجسة من غياب شروط النزاهة، وأخواتها في المعارضة قالت مسبقا إن أجواء التحضير لا ترضي ما تطلبه من ضمانات لحياد السلطة والمال.
 

حتى المتنافسون الكبار لم يكونوا مرتاحي البال. حزب العدالة والتنمية اتهم أطرافا في الدولة بدعم حزب الأصالة والمعاصرة، وهذا الأخير اتهم بدوره جزءا من الدولة بالتحالف مع الإسلاميين ضد نجاحاته.
 

وقبلها قالها الملك في خطاب العرش "وكأنها القيامة".

اختار الملك أن ينتصر للدستور وليس لدسائس صالونات العاصمة الرباط. ومرة أخرى تفخر بالانتماء لهذا المغرب ولهذه الديمقراطية الناشئة بين المتوسط والمحيط.

دخل الإسلاميون الانتخابات وهم يهابون مصير إخوانهم في مصر وتونس، أي أن يتم إغلاق قوس الديمقراطية التي سمحت لهم بالوصول إلى كراسي الحكومة والأغلبية في البرلمان، ودخل خصمهم الأصالة والمعاصرة يوم الاقتراع بهاجس إسقاطهم بضربة قاضية مدوية، ولو كان ذلك فوق أسرة الجنس والغواية.
 

وظلت البقية الباقية من الأحزاب الخمسة والعشرين أرانب سباق في حلبة مشتعلة. وكاد الجميع يعتقد أن صفحة الإسلاميين طويت، والحزب الحاكم الجديد القادم من أناشيد اليسار وبقاياه سيتوج عريسا ليلة السابع من أكتوبر. الكثيرون شدوا الرحال نحو الأصالة والمعاصرة كما لو كان موسم هجرة إلى بر الأمان، أما عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية فقد تبخر من حوله الكثير من الأصدقاء والمتملقين في انتظار أن يثبت ما إن كان قادرا على العودة إلى كرسي رئاسة الحكومة أم أنه سيطوى مع صفحات النسيان التي حصدت قبله عبد الله إبراهيم وعبد الرحمان اليوسفي وغيرهم ليس بالكثير.

لكن لا شيء في المغرب يحدث كما تتوقعه، قالها يوما عالم الاجتماعي الأمريكي جون واتربوري قبل أربعين سنة، وما زالت المقولة تصلح لفهم مفاجآت المغرب والمغاربة.
 

لم تقع القيامة. لم تشتعل حرب أهلية انتخابية. في هذه الدائرة أو تلك تبادل المرشحون بعض الغارات العنيفة لكنها ظلت محدودة، وبقي ذلك دون مستوى المخاوف والتوقعات، قبل انطلاق الحملة الانتخابية اعتقد الناس أننا ندخل حربا وليس انتخابات عادية، كل شيء كان يوحي بأننا ذاهبون إلى حفلة ضرب وجرح واقتتال.
 

ومع ذلك لم تحدث القيامة، وبقيت السيوف في أغمادها. ولم ينغلق قوس الانتقال الذي قاد الإسلاميين من الدعوة إلي الدولة.
 

عاد حزب العدالة والتنمية إلى أغلبية مقاعد البرلمان بزيادة ثمانية عشر مقعدا مقارنة بانتخابات "الربيع العربي" قبل خمس سنوات، وخسر حزب الأصالة والمعاصرة رهان إسقاط الإسلاميين ثم هنأهم على الفوز، وزاد ألا تحالف بينهما في تشكيل الحكومة.
 

وفي رد فوري قال عبد الإله بن كيران، الذي عينه الملك رئيسا للحكومة وكلفه بتشكيلها، إنه لن يلتقي إلياس العماري أبدا خلال مشاورات تشكيل الحكومة لو من باب البروتوكول. في الواقع هو رقي سياسي، وفي المغرب يقول مثل شعبي "العداوة ثابتة والصواب (الأدب) يكون".

وطوينا هواجس الخوف من الانقلاب الانتخابي على الديمقراطية وبدأت مخاوف الانقلاب على المنهجية الديمقراطية، في المغرب يلزم الدستور الملك بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز في الانتخابات، وحتى إن لم يكن هناك إلزام دستوري، يكون الأمين العام بقوة الأشياء هو رئيس الحكومة.
 

لكن كثيرين نجحوا في تسميم أجواء هذا الانتظار الديمقراطي، في صالونات السياسيين الفاشلين والمناورين المهزومين، كان نفس الحديث والسيناريو تلوكه الألسن، الملك غاضب من بن كيران وسيعين شخصية أخرى غيره في منصب رئيس الحكومة.
 

وكأن من خسر معركة صناديق الاقتراع، يريد انتقاما يقترفه القصر بعدما انشلت قدرات الأحزاب.
 

لكن الملك يخذلهم من جديد، القصر يختار تأويلا ديمقراطيا لنتائج الانتخابات وتأويلا أكثر ديمقراطية لنص الدستور، وفي أقل من يومين عن تاريخ إعلان النتائج استدعي ابن كيران إلى قصر الدار البيضاء ليكلف بتشكيل الحكومة.

هذه وحدها تغيير سياسي ودستوري كبير في المغرب. لكن بعض مناضلي الساعات الأخيرة من البناء الديمقراطي يحتاجون لإنعاش الذاكرة.

قبل 2011 كان يحق للملك أن يغير رؤساء حكومته كيفما شاء ووقتما شاء، ووحده له الحق في أن يختار من يراه جديرا بالجلوس إلى يمينه في المجلس الوزاري، لكن الحرية الملكية لم تعد مطلقة، صارت صناديق الاقتراع شريكه في التعيين، وغدا الدستور رقيبا على حركاته وسكناته.

واختار الملك أن ينتصر للدستور وليس لدسائس صالونات العاصمة الرباط. ومرة أخرى تفخر بالانتماء لهذا المغرب ولهذه الديمقراطية الناشئة بين المتوسط والمحيط. وتجدك وكأنك إسلامي ينتشي بالنصر في كؤوس اليسار.

الديمقراطية تعلو فوق رؤوس الجميع، إسلاميين ويساريين، حداثيين ومحافظين، وفوق الملك والمخزن.

في كل مرة كان علي أن أجيب عن نفس السؤال: هل صرت إسلاميا، كل مواقفك توحي بأنك متعاطف مع حزب العدالة والتنمية بعد أن بعث قيم الحداثة واليسار في سوق حكومة تريدها أن تكون ملتحية؟.
ولا أذكر أني صرت أعرف طريق المسجد وصيام أيام الإثنين والخميس. مازال في القلب هوى اليسار وفي الوجدان عشق الحداثة.
 

لكن الديمقراطية تعلو فوق رؤوس الجميع، إسلاميين ويساريين، حداثيين ومحافظين، وفوق الملك والمخزن.
 

كنت في صف الإسلاميين دفاعا عن الديمقراطية وعن تحصين الخيار الديمقراطي وتحرير اللعبة السياسية. لم أعتقد يوما أنهم يشربون معنا نبيذ قيم فلسفة الأنوار، لكنهم كانوا بمثابة مرارة اختبرت إيماننا الديمقراطي.

وسأظل أقولها دائما منتشيا بهذا النصر الديمقراطي للوطن: الإسلاميون يقايضون الدستور بثقة القصر، وخصومهم يقايضون الديمقراطية بصفقة إسقاطهم من عرش الحكومة، أما أنا فلن أقايض الديمقراطية والحداثة بأوهام مخاطر "أخونة الدولة" أو هواجس "التماسيح والعفاريت".

سأظل كما أنا.. منتشيا بنصر الديمقراطية وشساعة قوس لم يغلق.



حول هذه القصة

توجد أوجه شبه كثيرة بين الحزبين المغاربيين (العدالة المغربي، والنهضة التونسية) فكلاهما سليل المدرسة العصرية، وتأثر بالمناهج الحديثة، ولكن توجد فوارق مهمة بينهما، أثرت في علاقتهما بالدولة، وطريقة إدارتهما للحكم.

بينما يسابق رئيس الوزراء المغربي المكلف عبد الإله بنكيران الزمن لتشكيل ائتلاف حكومي جديد، تكبر تطلعات المغاربة من الحكومة التي يُنتَظر أن يتم إعلان عنها قريبا، وتتصدرها قضايا التعليم والصحة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة