logo

طرق صوفية أم حركات سياسية؟

من المَعلوم أن الحركات الإسلامية التي وَسمت المشهد العَربي، سَاهمت بشكل فعال في رسم الخَريطة السِيَاسية وتحديد القرَار السِّياسي لمَا بَعد فترَة الرَّبيع العَربي. رأينا أن الحَرَكات الإسلامية ذات التوجُّه السَّلفي الأصولي والمعتدل، شاركت بقوة في النزول إلى الشارع والمُطالبة بالكرامة والعدالة والحـقوق وأسلمَة الدولة.. إلخ. واستغلت هذا الاحتقان الشـَّعبي مِن أجل خَوض غمَار الاستحقاقات السيَاسية وتجريب اللعبة الديمقــرَاطية.

 

الحركات الصوفية كانت دائمـًا مرتبطة بالنظام الحاكم الذي يوفر لها الدعم المالي، ويُخول لها ممارسة المحاضرات، حلقات الذكر، والخلوات والشطحات دون مضايقـات أمنية.

غير أن الأمرَ الذِي لم ينتبه إليهِ الكثير من المُحللين السِّياسيين، أو لمْ يُعطوه الأهمية التي يَستحقها، وَهُو دَورُ الحَركات الصُّوفية في رسْم مَعَالم مَا بَعد الثورَات العَرَبيـــة. فإلى حَد قريب، كان الوَعيُ المجتمعي قائمـًا عَلى أن الحَرَكات الصٌّوفية تتبنى قاعدة أن السِّيَاسة تفسدُ الدِّين، وأنه لا انخرَاط لهَا فيما هُو سياسي وحزبي.. وإنمَا نشاطها ينحصرُ فقط فِي البُعد الرُوحي والإصلاحِي والتـَّـزكوي. غير أنه في الحقيقة، امتدَّ كمَا هُو الحال الذي كان عليه في مَحطاتٍ تاريخية من قبل إلى ما هُو سيَاسِي، لينخرطَ إلى جَانب السِّياسيين في صِناعَة القرار. لكن بعيدًا عن آلياتِ الديموقراطية ولوائح الانتخاب وفلسَفة الأحزَاب السِّياسية.
 

فنشاط الحَركات الصوفية اللامباشر الخفــي، والسري أحيانـًـا، كان سِياسيًا وسَيظل سياسيًا، مَهما ادعَى الصُّوفية زُهدَهُم في السِّيَاسة وعَدم اقتحامها، لعِدةِ دَواعِ تاريخية وتراثية ودينية وثقافية، نسردُ مِن بينــهَا:
 

أنَّ الحَركات الصوفية تأخذ بالحكم الفقهي لعَدَم جَواز الخُروج عَلى الحاكم وإن كان ظالمًا. ولنـَا فِي الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي مثالٌ على ذلك، حيث تم اغتياله لأنه اصطفَ إلى جَانب نظام بشار الأسد. فموقفه حسب مُعَارضِي نِظام بَشار، سِيَاسِــي ولم يكن مُحايدًا، لأن الحياد في اللعبَة السياسية يَعني لا يُدْعَمَ طرفٌ عَلى حساب طرفٍ آخر، وهو الشيء الذي لم يطقــه الشيخ البوطي فعَجـَّـل فمقتله من قبل ثوار سوريا ومعارضي النظام.

– أن الحَركات الصوفية كانت دائمـًا مُرتبطة بالنظـَام الحَاكم الذي يُوفر لها الدعم المَالي، ويُخول لها مُمَارسة المُحاضرَات حلقات الذكر والاجتمَاعَات والخلوات والشطحَات دُونَ مُضايقـَات أمنية، لأن الجهاز الأمني يَعلم مُسبقا أن نشاط الصوفية يَصبُّ فِي صَالح نظام الدَّولة. ونادرة هِي الزاويَا الصُّوفية التي تم توقيف أنشطتهَا، مثل الطريقة الصُوفية السنوسية في ليبيا، حيث ثم القضاء عليها بعد الانقلاب العَسكري الذي قام به القذافي في سَنة 1969، وذلك لأنها كانت حَركة سِياسِيَـة.

– أن أغلبَ كتب الترَاث والفكر الصُّوفي، التي ينتقي منهَا الصوفية فكرهم وفلسفتهم، مُجانبَة للسيَّاسية، وتنحصر فقط في التربيَة الأخلاقية والصَّفاء الروحي، والمَعرفة الربانية والأقطاب وقصص الصَالحين، والأحوَال والمقامَات، والأذواق الكشفيَـة والفتوحَات الرَّبَانية، ما يجعل المسألة السياسية تختص بتوجيهات الشيخ، فالشيخ هو الوَحيد عند الصوفية الذي يمكنه إصدار أوامر لمريديه تهم السِّيَاسَة والحَاكم.. وكثيرًا مَا نجدُ شيوخ التصوف يَأمرون أتباعَهُم بالخضوع لسُلطةِ الحَاكم، وعدم توجيه أي انتقادٍ لهُ أو توصيات، ما يُعتــبرُ دعمًا سياسيًا من طرف شيخ الطريقة للنظام الحَاكم.

الطرق الصوفية لا يمكن فصلهَا عَمَّا هُو سِيَاسِي؛ لأن الأنظمة العَربيَّة في استغلال دائم للطرق الصُّوفية، من أجل مُجابهة الخصُوم السِّياسيين، ومُحَاربة نفوذ الحَركات الإسلامية.

– تحالف الصوفيين والعلمانيين من أجل الإطاحة بالحركات الإسلامية المطالبة بالسُّلطة، ولنا في فتح الله غولن الصُّوفي خيرُ مثال على ذلك، حيث تحَالف مع العلمانيين التركيين فِي تأسِيس جَمَاعته في السَّبعينيات من القرن الماضي، فالعَلمَانيون في نظر الصُّوفيين أقرب إليهم من الإسلاميين أو السلفيين، وبالتالي فالصوفية أقرب إلى العَلمانيين مِن غيرهم.

– خوف الحَركات الصُّوفية من الإسلاميين الذين يُطالبونَ بالسُّلطة، لأن وُصُول الإسلاميين إلى سُدة السلطة، يعني مُحاربة الطرق الصُّوفية وتقليص دائرة أنشطتها وإشعَاعهَا، وهُو مَا يُفسِّر انضمَام جُل الزَّوَايا الصُّوفية إلى جانب النظـَـام الحَاكم، ولنا في مصر مثال على ذلك، فالزوايا إبان ثورة(25 يناير) لاذت بالصَمت لأن كثيرا منها كان مؤيدا لنظام مبارك، ولم تخرج علنـا إلى سَاحة رابعة العدوية، أو ساحة الحرية، لكنها مُبَاشرة بعدما تمت الإطاحَة بمُرسي الرئيس المنتخب، خرجَت إلى الشارع لتؤيد السِّيسي، ومن بين أبزر الوُجُوه الصوفية، مفتي الديار المصرية سابقا (الشيخ علي جمعة الصوفي) الذي دَعَم السيسي على حِسَاب الإخوان المسلمين، وأصدر فتوى خطيرة أجَاز فيها قتــلَ من يُعارض السِّيسِي، أي الإخوان المسلمين.
 

هذا إلى جانب أسباب أخرى تأكد بما لا يدع مَجالا للشك، بأن الطرق الصوفية لا يمكن فصلهَا عَمَّا هُو سِيَاسِي، وذلك بناء على الأسباب التي ذكرناها، والتي على رأسها أن الأنظمة العَربيَّة في استغلال دائم للطرق الصُّوفية، من أجل مُجابهة الخصُوم السِّياسيين، ومُحَاربة نفوذ الحَركات الإسلامية، التي أثبتت قدرتها واستراتيجيتها الفعَّالة في استقطاب الأتباع، أكثر مما هُو الحَال عليه مَع الطرُق الصُّوفيــة، الأمر الذين يُعيدُنا إلى إعَادة طرح السُّؤال الذي عَنوَنـَّا بهِ هذا المَقال المُقتضَب: هَل الطرُقُ الصُوفية هِيَ حَقا حَرَكاتٌ دَعَوية إصلاحيّة، أم أنها حركاتٌ دينية سِيَاسيَة؟



حول هذه القصة

قالت صحيفة وول ستريت جورنال إن المستثمرين الأجانب بإثيوبيا ينظرون بقلق للمحاولة الأخيرة للحكومة الإثيوبية لتهدئة الاحتجاجات العنيفة التي استهدفت أعمالا أجنبية في ثانية كبرى الدول الأفريقية كثافة سكانية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة