logo

حضور الله في روايات الملحدين الجدد

قد يكُونُ السُّؤال عَمّا إذا كان الله موجوداً أم لا، أحَدَ أهمّ الأسئلة على الإطلاق، إن لم يكُن الأهم. فقد بزَغ نورُهُ مع إشعاع فجر التاريخ الأول ونشوء الإنسان، وما يميّز هذا السؤال عن غيرهِ أنَّه ذو طبيعةٍ مفارقةٍ لهذا العالم المادّي المحكوم بالفناء، فهُو سؤالٌ خالدٌ لا يموت. ولرُبّما أتفق في هذه الجزئية مع ما كتَبَهُ ميشيل أونفري في نفي اللاهوت: "الله ليس ميتاً، ولا هُو في طور الاندثار. لأنهُ ببساطة ليس فانياً مِثلنا". ثُمّ استتلى مُساوياً بين الله والوهم.

وإنَّهُ لمِن المحيّر حقاً أن نقِفَ أثناء بحثِنا في هذه المسألة على كثيرٍ من العقول الضخمة التي أتحَفَت البشريّة بإبداعات شتّى، ولكنَّها لسببٍ أو لآخر أشاحَت بوجهها عن الله وأنكرتهُ ورفَضت أن تُقِرّ بحضورِهِ الميتافيزيقي في عُمق النفس البشرية.
 

حالة الضعف التي جُبِلَ عليها الإنسان، إن هيَ استولَت عليه، قد تودي بهِ إلى طريقٍ نائيةٍ، فيتخلّى عن الله ويُبصِرَ الشرّ فقط في هذا العالم بعد عدّة ضربات موجِع.

في رواية "الطريق"، حاوَل كورماك مكّارثي أن يُصوِّر لنا عالَماً بارِداً مُظلِماً خالياً من الله، حيثُ يأكُل فيه البَشَر، أو ما تبقّى من البشَر، بعضهُم بعضاً دون رحمة. ولكنّني رغم ظلاميّة الرواية وعدميّتها أرى أنّ بصمة الله في النفس كانت أقوى من مكّارثي نفسِهِ، ففرضَت نفسها وتسللت خفيةً إلى قلمِهِ لتترُكَ أثَرها في روايتِهِ، حتّى إذا ما انتهينا من قراءتِها اجتاحَنا إحساس علويٌّ بأنّ الله كانَ حاضِراً في كُلّ زاويةٍ من زوايا الطريق.

وقد كانت الشخصيتان الرئيستان في الرواية: الأب والطِّفل، من دلائل هذا الحضور الخفيّ. حيثُ يقدّمهُما مكّارثي على أنهُما شخصيَّتان منفصِلتان، بينما يشعُرُ المتمعّنُ فيهِما أنهُما، في الحقيقة، تجسيدٌ مجازيّ لصراع الإثبات والنَّفي داخل النفس. بمعنى أنَّ هاتان الشخصيتان هُما شخصٌ واحِد، لا اثنان. فالطّفل يُمثّل الجانِب الإلهي المُفارِق للعالَم، والأب يُمثِّل الجانب العقليّ الشَّكاك والمضطرِب دائماً. ولرُبَّما كان الأبُ تجسيداً لنا جميعاً في وقت المِحنة والمعاناة، وهو يُشكّل مع الطّفل أنموذجاً واقعياً للإنسان الحقيقي بشِقَّيه المادي والروحي.

يقول مكّارثي: "إنَّهُ لمِن الجيِّد أن يلجأ الإنسانُ إلى الدُّعاء. رغم أنني لا أعتقدُ بوجوب أن يُكَوِّنَ المرءُ صورةً واضحةً عن كُنه الله كي يدعوه. بل يُمكنهُ أن يدعو وهوَ شاكٌّ في وجود الله أصلاً".

وقد كان هذا جُزءً ممّا صرَّح بهِ في إحدى مقابلاتِهِ. وأعتقِدُ أنَّ ما يحاولُ إقرارَهُ هُنا هو حقيقة أن الله غريزة، أو ربَّما طوق نجاة. ويبدو لي أنَّ الطفل في رواية "الطريق" كان ذلك الطَّوق، أو تلك القشَّة المُقدَّسة التي تمسَّكَ بها الأب خوفاً من الغَرَق. فمِنَ الواضِح تماماً بالنسبة لي أنَّ الإنسان بشكل عامّ يحمِلُ الله داخِلهُ، ولكنَّهُ مجبولٌ في ذات الوقت على شيءٍ من الضَّعف. فعِندما تُحطِّمهُ المآسي أو تكَاد، يبدأ الله في داخلهِ بالتقلُّص شيئاً فشيئاً، ولكنَّه لا يزول. وهذا ما أثبتَهُ قلمُ مكارثي في رسمِهِ لشخصيَّة الأب وتجلّيات الطفل فيه.

ولكنَّ حالة الضعف التي جُبِلَ عليها الإنسان، إن هيَ استولَت عليه، قد تودي بهِ إلى طريقٍ نائيةٍ، فيتخلّى عن الله ويُبصِرَ الشرّ فقط في هذا العالم بعد عدّة ضربات موجِعة. بذلِك، تُحجَبُ أشعة النور عن قلبِهِ المفرط في الإنسانية.

الإفراط في الإنسانية، حسبما أرى، يعدِلُ التّفريط في الإنسانية سوءاً.
وهذا الإفراط هو بالضّبط ما حَدثَ مع الكاتِب إيلي ويزِل، وهو أحدُ النّاجين من معتقلات الحرق النازية. حيثُ كتَبَ في رواية "الليل" وصفاً مُبكياً ومؤثراً جداً للموقف الأليم الذي قادَهُ لإنكار الله والتخلي عنه. إذ أعدَم النازيون طفلاً صغيراً أمام عينيه، فأيقَن حينها أن الله ذاتَهُ أعدِمَ أمام عينيه إلى جانِبِ الطِّفل.

طِفلان: طفل مكارثي، وطفل ويزل. كِلاهُما كان تجسيداً لله -عز وجّل-.
ويزِل تخلَّى عن الله لنفسِ الأسباب التي قد تدفعُ أيّ أحدٍ مِنا للتخلّي عن الله أيضاً: ظلامُ المعاناة، وبردُ اللاإنسانية الذي يملأ العالم.
 

هذا التحليل البسيط للرواية يقودني إلى الاعتراف بأنَّ هذا العمَل الذي ربَّما أرادهُ مكارثي موغِلاً في التشاؤم والسوداويَّة، انقلبَ دون قصدٍ إلى أيقونةِ تفاؤلٍ وأمل.

كُلُّ هذا يقودني إلى اعتقادٍ جازم بأنَّ الأب في رواية مكارثي هو التجسيد الحقيقي لنا. هُو نحن كما يجب أن نكون: شكّاكين، باحثين، متعلّقين بظلّ الله الخفيّ في الظلام، مجاهدين بكلّ ما أوتينا من علمٍ وقوة كي نحافظ عليه ونبقيه حيّاً نابضاً فينا. ولا بُدّ أن يُظهِر اللهُ نورهُ لنا في النهاية بعد هذا الكفاح الطويل.

ذلك، على ما يبدو، هو ما حدَث مع الأب ساعة وفاتِهِ. فإنَّهُ لا يخفى عن القارئ أنَّ ميتةَ الأب كانت وادِعةً مطمئنَّة. لقد كانَ سعيداً بعد صراعِهِ الطويل لحماية الطفل. لذلك، في اللحظة التي سبقت موتَهُ مباشرةً، رأى الله وتجلّى نورُهُ أمام عينيهِ، ولرُبَّما كان ذلك سبب حديثِهِ الغامِض على فراشِ الموت، حيثُ وصف الطّفل بأنهُ نور، وأنَّ النور يرافقهُ أينما ذهب.

من الواضِح أنَّ الأب اختبر ساعةَ موتهِ إحساساً علوياً وتجلياً إلهياً من نوع ما. هُو منذ البداية لم يفقد الأمل تماماً ولم يُفارق جادَة البحث والسؤال. رُبَّما لذلك واساهُ الله لحظة موتهِ وكشف عنه غطاءهُ ليُبصِر النور والسلام بِجَلاء. كما أنَّ وصول الطّفل إلى برّ الأمان في المشهد الأخير من الرواية، حينَ ضمَّتهُ عائلةٌ أخرى إلى حِضنها، ملأني بهاجِس الخلود. فإنَّ فكرة الله لا بُد وأن تكون صادقة، ذلك أنها لا تنفكُّ تنتقل من جيل إلى جيل. هي، بالفعل، فكرةٌ لا تموت ولن تموت.

هذا التحليل البسيط للرواية يقودني إلى الاعتراف بأنَّ هذا العمَل الذي ربَّما أرادهُ مكارثي موغِلاً في التشاؤم والسوداويَّة، انقلبَ دون قصدٍ إلى أيقونةِ تفاؤلٍ وأمل. فقد منحَت الخاتمةٌ القارئ جُرعةً جيّدةً من الإيمان، وإحساساً خفياً بالتفرّد والحرية.
 

فالروايةُ في الحقيقة لم تنتهِ، بل أعادت القارئ لنقطة البداية وأعطتهُ قلماً تكوينياً يخطُّ به قصَّتهُ ويخلق من خلالهِ قدرهُ المستقلّ والمتفرّد. فإنَّ الخيار مُتاحٌ لكُل أحد أن يؤمِنَ أو لا يؤمن. أن يتمسَّك بالله أو يتخلى عنه. أن يقاتِلَ أو يستسلم. إما أن تلك العائلة الجديدة التي احتضنت الطفل قد آمنَت بهِ حقاً، أو أنها اختدعتهُ عن نفسه فقط كي تحقق مأرباً أو منفعةً ثمّ بعد ذلك تقتلهُ أو تأكله! القلم بيَد القارئ والخيار له.

هذا هو سرُّ قوّة هذه الرواية وجدراتها. ليس فقط لأنها تؤكد حضور الله في أكثر الظروف شِدّةً وأكثر الأماكِن ظُلمةً، بل أيضاً لأنها تستثير فطرةَ القارئ وتدفعُهُ إلى أن يستمرّ في جهاد نفسهِ حتّى يجِد في قلبِهِ من نور الله طيفاً رغم حُلكةِ الظُّلمِ والظلام.



حول هذه القصة

ظهرت جماعة “حفظة الإسلام” في بنغلاديش عام 2010، وانخرطت في تنظيم المظاهرات الميدانية معلنة رفضها لتوجهات الحكومة العلمانية، وهي تشتبك مع الشرطة وتحول شوارع العاصمة إلى ساحات اشتباك خلفت عشرات القتلى، والمطلب الواحد سن قانون يعاقب بالإعدام من يدان بالإلحاد والتجديف.

مليكة بيك أديبة بوسنية تحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون، نشطت بقوة في صفوف الحزب الشيوعي اليوغسلافي، لكنها تمردت عليه لاحقا وتحولت لداعية إسلامية مما قادها للسجون والاغتراب.

نفذت ولاية تكساس أمس حكم الإعدام في السجينة كمبرلي مكارثي، لتحقق الولاية رقما قياسيا في تنفيذ هذه العقوبة بالولايات المتحدة مع وصول عدد السجناء المعدمين فيها إلى 500 منذ استئناف تنفيذ الإعدام عام 1982، مما أثار حفيظة بعض السكان على هذه العقوبة.

تأتي رواية “فهرنهايت 451” لراي برادبوري تحت تأثير ما عرفت بالحقبة المكارثية بأميركا في بداية خمسينيات القرن الماضي والمطاردات التي شملت عددا كبيرا من المثقفين والمفكرين والفنانين بتهمة الشيوعية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة