logo

الوعي في توظيف الطاقات

إن من أكبر الأخطاء التي ارتكبناها خلال السنوات الثلاثة الماضية، وتحديداً بعد تحرير الغوطة الشرقية، والمناطق المحررة في سوريا عموماً؛ هو انشغالنا ببناء المؤسسات وتنظيمها وتطوير الحياة المدنية، التي وصلت اليوم لحد الترف في بعض النواحي، -لا أقصد الترف المطلق بل الترف في وقت الحروب- مما جعلنا ننحرف عن المسار الصحيح من العمل الثوري الساعي لإسقاط نظام الأسد وتحرير سوريا، إلى بناء المؤسسات المدنية، والعمل على تنظيم الحياة اليومية، وتطوير سبل العيش المترف.

وانعكس هذا السلوك إلى تقسيم أبناء الغوطة الشرقية -نموذجاً للبحث- إلى عسكريين ومدنيين، وبدأ الصراع غير المبرر، واتسعت الهوة بينهم حتى وصلت قناعة كل طرف أنه الأحق بالسلطة من الآخر، واتجهت الحوارات والنقاشات بين النخبة – للأسف – إلى تحديد من الذي يتبع للآخر ومن يحكم من؟ وكأننا قد انتهينا من سلطة الأسد وسطوته وانتقالنا لبناء الدولة المنشودة ووضع دستورها، علماً أن مساحة هذه الدولة المزعومة لا تتجاوز 15كم2.
 
ومما أضعف المسار الثوري والجهادي هو إضاعة المقدرات المادية والبشرية؛ من خلال توظيف الكوادر والنخب -النادرة بالأصل- في هذه المؤسسات المدنية وتحويلها لموظفين حكوميين منشغلين بالروتين القاتل والتنظيم الذي يعيد صناعة العجلة لا تطويرها للأسف والخوض في اقناع كل واحدٍ للآخر بوجهة نظره أو رأيه محدود الخبرة.
 

نحن اليوم بأمس الحاجة لإعادة حساباتنا من جديد وتصحيح المسار وتوجيه جميع الطاقات والقدرات المادية والبشرية نحو هدف إسقاط نظام الأسد وتحرير الإنسان.

وأيضاً سحب هذه الكوادر من العمل الثوري العسكري إلى العمل المدني ضمن مؤسسات وجمعيات ومنظمات بسبب الرواتب المالية المغرية هناك وإفراغ الساحة العسكرية من هذه النخب، ليتولى الأمر شبابٌ -نحسبهم صادقين مخلصين- لا يملكون القدر الكافي من الخبرة العلمية اللازمة لتطوير العسكرة وقوتها.
 
حيث رأينا انتشار الجمعيات والمنظمات الإغاثية والمؤسسات التعليمية والدعم النفسي والترفيهي ومراكز التدريب وبناء القدرات ومنظمات المجتمع المدني المتعددة والتي -للأسف- تحمل عناوين كبيرة برّاقة لكنها فارغة المحتوى في أغلب الأحيان بسبب غياب أهل الأختصاص.

وكذلك استخدام المال والدعم الخارجي في بناء الكماليات والترفيه وتطوير البنية الداخلية المعرضة في كل لحظة للدمار جراء القصف المستمر، وتوظيف هذا المال في أمور تشابه ما جرى في فلسطين؛ حيث كانت المنظمات الدولية تدعم الفلسطينيين لبناء المؤسسات والطرق والعقارات وتنظيم المؤسسات المدنية، ومن ثم يأتي دور الاحتلال لقصفها وتدميرها وسحقها من جديد، وسرعان ما تبادر المنظمات للدعم مرة أخرى وشغل الفلسطينيين عن هدفهم في القضاء على الاحتلال واستعادة الأراضي المغتصبة من اليهود، وهذا مايمارسه نظام الأسد في تدمير بنيتنا الداخلية ومرافقنا العامة ومؤسساتنا لنتحول إلى بنائها لا إلى حرب العدو وإسقاطه.
 
نحن اليوم بأمس الحاجة لإعادة حساباتنا من جديد وتصحيح المسار وتوجيه جميع الطاقات والقدرات المادية والبشرية نحو هدف إسقاط نظام الأسد وتحرير الإنسان، وبمجرد الوصول لهذا الهدف يبدأ العمل لبناء الدولة المنشودة.
 
لابد لنا من الوعي في توظيف طاقاتنا وقدراتنا في زمن الحرب، لتتوجه جميعها باتجاه واحد سعياً لتحقيق الهدف الرئيسي لهذه الثورة التي بذلت لأجلها الدماء.



حول هذه القصة

أشارت مجلة ناشيونال إنترست إلى الحرب المستعرة في سوريا منذ سنوات والقصف الذي تتعرض له حلب من جانب روسيا والنظام السوري منذ أسابيع، وتساءلت هل الحرب بسوريا من صالح أميركا؟

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة