logo

النظام العالمى الجديد والقوى الفاعلة

استخدم مصطلح "النظام العالمى الجديد" منذ أربعة عقود واختلفت مفاهيمه بين فترة وأخرى حيث ظهرت في بداية الخمسينات من خلال مطالبة دول العالم الثالث ودول عدم الانحياز بنظام عالمي جديد لتطوير الوضع الدولى القائم في هذا الوقت مع توسيع قاعدة المشاركة الدولية ثم اختفى هذا المفهوم لعدم استجابة واقتناع الدول الكبرى به لتعارضه مع مصالحها.
 

وعاد هذا المصطلح للظهور مرة أخرى إبان "حرب الخليج الثانية" عام 1990، عند إعلان الرئيس الأمريكي الجمهوري بأن من أهداف الولايات المتحدة إقامة نظام عالمى جديد أعقب ذلك حدوث تحولات جذرية أبرزها سيطرة الولايات المتحدة على النفط بالخليج وانهيار الاتحاد السوفيتى؛ مما أدى لظهور نظام عالمى جديد تنفرد فيه الولايات المتحدة بالزعامة فى قيادة العالم وتحقيق الهيمنة عليه بما تملكه من قدرات في جميع المجالات وسعيها لتحقيق مصالحها خارج حدودها دون مراعاة للشرعية الدولية ومصالح الآخرين مع حرصها على منع أى قوى من منافستها.
 

نظرة عن كثب في المجال السياسي تحت غطاء "النظام العالمي الجديد":
إن انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط نظام الحكم الإشتراكي جعلا الأمر سهلا في تغيير طبيعة النظام العالمي من الثنائية القطبية إلى انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالزعامة وساعد في تنصيبها حارسا على الشرعية الدولية، بل وتراجعت القضايا السياسية بالصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب وسعي دول أوربا الشرقية للاندماج في النظام الرأسمالي؛ مما تصاعدت نشاطات القوميات على مختلف أشكالها لمواجهة أيديولوجية التعريف بصفة عامة والأمركة بصفة خاصة.
 

وازداد الموضوع عن ذلك بوجود حركات انفصالية جديدة تدعو إلى تقسيم البلدان لدويلات نتيجة لنمو الشعور الوطني للأقليات في ظل تهميش دور النظم والمنظمات الدولية والإقليمية مع ضعف فاعلية حركة عدم الانحياز، ومع زيادة وتيرة العصيان في عدم حل المشاكل وظهور اختلاف في توجهات القوى الكبرى؛ سعت بعض القوى الإقليمية لامتلاك أسلحة الدمار الشامل!
 

انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط نظام الحكم الإشتراكي جعلا الأمر سهلا في تغيير طبيعة النظام العالمي من الثنائية القطبية إلى انفراد الولايات المتحدة 

المجال الاقتصادي تحت غطاء "النظام العالمي الجديد":
تأثرت جميع الدول بالأزمات التي حدثت حينها في أي مكان بالعالم طبقا لقرب وبعد المسافات مع تطبيق سياسة الانفتاح وتحرير التجارة العالمية وإنشاء "منظمة التجارة العالمية" لتنظيم العلاقات التجارية وسن القوانين والتشريعات اللازمة في تنظيم أسس المعاملات التجارية المختلفة بين الدول.

وكذا عولمة الاقتصاد والانتقال من مرحلة رأسمالية الدول الاحتكارية إلى رأسمالية الاحتكارات الدولية وتحكم الدول السبع الكبرى الصناعية في الأسواق المالية في باديء الأمر مع الاتجاه لاقتصاديات السوق وزيادة التأثير للاقتصاد المتبادل بين المناطق الاقتصادية المختلفة، مع ازدياد هامشية العالم الثالث نتيجة للمتغيرات الاقتصادية وتراجع نصيب الفرد به من الدخل القومي ومعدلات النمو.
 

المجال العسكري:
وقعت حينها دول العالم والولايات المتحدة الأمريكية ورسيا الاتحادية على وجه الخصوص على عدة اتفاقيات لخفض التسليح سواء في مجال الأسلحة التقليدية أو فوق التقليدية، النووية أو الإستراتيجية مع خفض الإنفاق العسكري والاتجاه للتطوير النوعي مع تخفيض حجم قوات "حلف النيتو"؛ لكن لم تلتزم الهند وباكستان تبعيتهما لتلك الاتفاقيات وسارعت في كسب ثقتها بنفسها وخلق قوى نووية جديدة، مما جعل الضرورة في توسع شبح النيتو وترسيخ دعائمه بقواعد عسكرية جديدة شملت محيط العالم أجمع مع اتباع سياسة ردع الدول العدوانية وتعاظم دور الحملات الجوية والدفاعية الجوية في ظل استخدام قتال جديدة.

في واقع الأمر ومع تعاظم تلك الدول ببداية نشأة "النظام العالمي الجديد" والتي لايملك منافسيهم من وسائل وأدوات القوة والاتجاهات السبعة -اقتصادي،عسكري، دبلوماسي، تكنولوجي، ثقافي، نقدي وجغرافي- انبثقت دول ومنظمات دولية تقوم بدور فعال في النظام الدولي من خلال قدراتها الملموسة وغير الملموسة.. عرفت فيما بعد بـ"القوى الفاعلة".
 

قليل من الدول تستطيع حيازة تلك الشروط والاتجاهات السبعة مثل الولايات المتحدة؛ لذا رُشحت أربعة قوى لمواكبة الركب ومواجهة المد وهم:-

– الاتحاد الأوربي، وذلك لما تملكه دول الاتحاد من مكونات وقدرات بشرية وصناعية عظيمة.

– روسيا الاتحادية، لما تملكه من تراث تاريخي وإمكانيات مادية وبشرية وأسلحة نووية فضلا عن تميز واتساع رقعتها الجغرافية.

– الصين الشعبية، لما تملكه من قدرات اقتصادية وسياسية
وارتفاع معدلات النمو الاقتصادي بها وزيادة فائض الميزان التجاري لها مع استفحال النشاط الديموجرافي بها.

– اليابان، لكونها حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وثاني أعظم قوة اقتصادية في العالم.
 

انهارت كل إمبراطورية من سابق الأزل بعد وصولها للقمة بالرغم من محاولات الحفاظ عليها لأطول فترة ممكنة من أي هيمنة مستديمة لفترة محدودة

أيضا كانت هناك قوى فاعلة أخري مثل "اتحاد غرب أوربا"، "منظمة الأمن والتعاون الأوربي" والمنظمات الدولية وشركات متعددة الجنسيات، لكن لا أريد أن أنسى مصر من دائرة اهتمام حديثي هنا؛ فقد كانت مصر تحظى باهتمام خاص في إستراتيجيات تلك القوى خاصة في المجال السياسي بحكم موقعها الجيوبولتيكي واعتبارها أحد القوى الإقليمية الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها في الدوائر العربية والمتوسطية والإسلامية والأفريقية.
 

في نهاية أطروحتي أجد أن الدور الأمريكي سيظل يلعب دورا مهيمنا بالقوة الضاربة في العالم بأسره فضلا عن السعي للاحتفاظ بالصعود والزعامة والتفوق على الغير من خلال منع أي منافسين من الارتقاء لمستوى القوة العظمى، ولكن زيادة النفاقات مع غلو هيمنتها بشكل صارخ واعتمادها على استدامة أحوالها وتطلعاتها المكوكية المثيرة للاشمئزاز مع تنامي باقي القوى الفاعلة؛ يجعل انحطاطها اقتصاديا أو اجتماعيا أو قيميا سهلا للغاية، حيث انهارت كل إمبراطورية من سابق الأزل بعد وصولها للقمة بالرغم من محاولات الحفاظ عليها لأطول فترة ممكنة من أي هيمنة مستديمة لفترة محدودة.
 

أخيرا وليس آخرا؛ فإن امتلاك عناصر القوة لايضمن تحقيق تأثيرها على مستوى العالم، بل إن مواردها لاتضمن لها القدرة على الانتصار، فإمكانيات روسيا الاتحادية لم تضمن لها الانتصار على دويلة الشيشان ومثلها مثل الاتحاد السوفيتي من قبل الذي لم يستطع التوازن السليم بين الاستقرار الداخلي ومعطيات العمل الخارجي؛ مما أدى ذلك إلى انهياره.



حول هذه القصة

يزعم الكاتب منير العكش أن أميركا أعدت برنامجا لتعقيم ملايين الأميركيين ومن مواطني العالم الثالث كجزء من خطة للسيطرة على العالم. وفي كتاب عنوانه “أمريكا والإبادات الجنسية” يتحدث العكش عن وثائق تثبت هذه الخطة التي يؤكد أن تطبيقها بلغ أوجه بعهد أوباما.

قال مسؤولون أميركيون سابقون إن الولايات المتحدة قامت أثناء الحرب الباردة بعمليات سرية ضد الاتحاد السوفيتي السابق لاستغلال التوترات القومية وتحويل موارده نحو برامج للأسلحة البيولوجية رأت واشنطن أنها غير مفيدة.

وضعت الحرب الروسية الجورجية في أغسطس2008 على المحك, مستقبل رابطة الدول المستقلة بوصفها تجمعا للأمن والتعاون الإقليمي بادرت لإطلاقه الدول التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي سابقا. التغطية التالية تضم معلومات عن الرابطة وتاريخها وقراءات تحليلية.

يكشف الكاتبان أيمن يوسف ومهند مصطفى، الباحثان في مجال العلاقات الدولية، من خلال كتابهما “سياسية إسرائيل الخارجية تجاه القوى الصاعدة: تركيا، الهند، الصين، وروسيا” عن عمق الرؤية الإسرائيلية الإستراتيجية في مجال العلاقات الدولية، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومته الاشتراكية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة