النزعة الأموية عند السلفية المعاصرة (2)

blogs - salafi
نواصل في الجزء الثاني السبْر والتحليل لأسباب النزعة الأموية الكامنة في القراءة التاريخية للسلفية المعاصرة. وكنا قد تناولنا في الجزء الأول من هذا الموضوع بعض ملامح تلك النزعة وتجلياتها.

(1)
هناك برأينا عديد من الأسباب لتلك الظاهرة، بعضها خاص يتعلق بهذا الموضوع نفسه، وسائرها عام، وسنبدأ في هذا الجزء في تحليل السببين الخاصين بشيء من التفصيل.
 

الأول: العامل المذهبي: هناك حالة من الرعب من التشيع تدفع كثيرًا من المختصين، فضلًا عن الجمهور السلفي، للارتياب من أية قراءة نقدية لعصر الفتنة أو بعض المواقف منها، وبخاصة ما يسلط الضوء على الأخطاء والسلبيات التي قوبل بها أهل البيت في العصر الأموي وما بعده. وسرعان ما يعتبِر هذا الاتجاهُ تلك القراءاتِ، رغم احتفاظها بالثوابت الشرعية -بالمعيار السني نفسه- دعمًا للتشيع وصبًّا في مصلحته. من الواضح أن هذه نظرة أيديولوجية ضيقة ومتعصبة تعارض القيام بالحق والقسط والدوران معه حيث دار، وهذا من الأصول المنهجية الكبرى لدين الإسلام.

السجال السني الشيعي، الذي يمارس فيه الشيعي دور الهجوم، ويكافح السني في الدفاع؛ قد رسخ مع الوقت لدى بعض السنيين الاعتراف الضمني ببعض الاتهامات الجائرة.

هذا الموقف المتعصب تعمّق بعد بروز الدور السياسي للشيعة، بعد السطوة البويهية، ثم قيام الدولة الفاطمية كأكبر كيان شيعي عمومًا -وإن كان إسماعيلي المذهب- ولكن هذا الاحتقان قد اشتعل منذ الحروب الصليبية والتترية، وموقف بعض رؤوس الشيعة فيها مع الغزاة – على أنه ينبغي أن نقرر أن الخيانات لم تكن حصرًا على الرافضة -، وصولًا للصراع العثماني الصفوي، وحديثًا منذ ما تشهده المنطقة منذ الثورة الخمينية وإلى الآن من تجاذبات شيعية سنية وصلت إلى حد الصراع، تتحكم بشكل مباشر وغير مباشر في وتيرة الخطاب السجالي مع الشيعة.

الموقف الهجومي ضد التشيع قديم ومتفهم باعتباره بدعة، وبخاصة أنها بدعة تعلن الطعن في الخلفاء الراشدين المتفق على منزلتهم، والذين تدعي سائر الفرق الاعتقادية الانتساب إليهم، بخلاف غيرها من البدع العلمية التي تتسم بالدقة والخفاء، ومع ذلك فلم يكن هناك ذلك التعصب الشديد تجاه أي شيء يوافق ما يقوله الشيعة ولو كان حقًّا أو محتملًا، فنجد أن المحدثين أنفسهم قد قرر بعضهم دون حرج أو حسابات كالنسائي وإسحاق بن راهويه أنه لا يصح لمعاوية فضيلة، وصنف بعضهم في فضائل علي لمَّا لاحظ شيوع النصب في بعض المناطق، ولذلك كان الأوزاعي يقول "كانوا يستحبون أن يتحدثوا بأحاديث فضائل أهل البيت ليردوا أهل الشام عما كانوا يأخذون فيه"، ولم يسلم بعضهم جرّاء ذلك من الاتهام بالتشيع، لكن ظل المجتمع العلمي السني في عمومه متفهمًا لذلك لا يقابله بالتعصب. وهذا فضلًا عن التعاطي العلمي مع الشيعة -كغيرهم من المبتدعة- على صعيد الرواية مثلًا، مع اشتراطات مختلف فيها، لكن المقصود أن مجرد التشيع نفسه لم يكن يمنع الوثاقة والصدق والاعتبار. ففي المسائل العلمية لم يكن المحدد إلا ما يقتضيه النظر ويقوم على الأدلة، ما لم تترتب مفسدة أعظم من تلك المصلحة كبعض سياسات هجر المبتدع وهجر علمه، بشرط ألا يفوت بذلك حق، وألا يحرف حق إلى باطل، فهذه قيمة عليا، مصلحتها مقدمة على كل مصلحة.

وإذا كان الخطاب الشرعي السني قد نأى بنفسه عن تهمة مخالفة الأحكام الشرعية، التي تعتريها الملابسات الخارجية المغيِّرة للحكم؛ لمجرد موافقة الشيعة، كما نجد في فتاوى العز بن عبد السلام، وكما يقول ابن تيمية "الذي عليه أئمة الإسلام أن ما كان مشروعا لم يترك لمجرد فعل أهل البدع: لا الرافضة ولا غيرهم. وأصول الأئمة كلهم توافق هذا"؛ فإن مراعاة ذلك في التاريخ، وهو أمور واقعية ثابتة بنفسها في نفس الأمر؛ يبدو أولى بذلك الاعتبار.

السجال السني الشيعي، الذي يمارس فيه الشيعي دور الهجوم في غالب الأحيان، ويكافح السني في ممارسة الدفاع؛ قد رسخ مع الوقت لدى بعض السنيين الاعتراف الضمني ببعض الاتهامات الجائرة، والانطلاق من ما بعد ذلك. ما تقدم أدى إلى وجود شعور ما بالمسئولية من بعض السلفيين، كونهم أكثر المشتركين في ذلك السجال، عن الظِّلامات التي وقعت ضد أهل البيت، ومن ثم كان الرد في بعض الأحيان بتبرير تلك الجرائم، أو نفيها. في حين أنه ينبغي أن يكون الأصل، مع البحث في ثبوت تلك الوقائع ودوافعها، أنه مهما كان الأمر فإن أهل السنة لا يتحملون مسؤوليتها أصلًا، فليس الأمويون، ولا العباسيون، ولا غيرهم من الحكومات والسلطات هم سلف لأهل السنة بالمعنى الاحتجاجي القيمي، باستثناء الخلفاء الراشدين الذين عبّر علماء أهل السنة -وهم هنا السلطة العلمية التي ينبني على أحكامها- أن سياستهم راشدة.

(2)
الثاني: الخلل في فهم قاعدة الكف أو الإمساك عما شجر بين الصحابة. وهذه القاعدة قد اعتمدها كثير من علماء أهل السنة، وهي قاعدة مقررة تقوم على ثلاث مقدمات: الأولى: فضائل الصحابة وكونها ثابتة لا تعارض بالمحتمل، وهي الثانية: أن الأفعال المنقولة فيما شجر بين الصحابة كثير منها كذب ليس بثابت، ومنها ثابت وهو أقل، وكثير منها ظني محتمل الثبوت، وما ثبت وقوعه فإن كثيرًا منه مجمل محتمل الدلالة من جهة نية الفاعل وتأويله وظروف الفعل، ثم احتمال الرجوع والتوبة، أو التكفير بمفاضلة الحسنات أو التكفير بالمصائب، بما يعني أن ذلك غير مؤثر في المآل المبني على الحكم الإجمالي على الأشخاص، فلا يخلو المتكلم ساعتها من كذب أو ظلم، والثالثة: أنه لا ينبني على ذلك في غالبه فائدة عملية. فالأصل إذن إذا كانت هذه هي الحالة: التوقف في تلك المحاكمات بين آحاد الناس فكيف بمن هو أفضل منهم كالصحابة.

ويكمن خلل فهم الاشتغال السلفي التاريخي لتلك القاعدة وظنه أنه يطبقها: في أن المقصود من تلك القاعدة ليس التوقف في الحكم على أي الفريقين مصيب أو مخطئ، أو وصف فعل بالصواب أو الخطأ – فضلًا عن تصويب الخطأ أو تخطئة الصواب – وإنما المقصود الإعراض عن الكلام في ذلك الموضوع جملة. ولذلك استدرك ابن تيمية على القاضي أبي يعلى لما فهم من كلام الإمام أحمد في الإمساك عما شجر بين الصحابة أن (مقتضاه إما تصويبهما أو عدم تعيين المصيب)، فقال "أحمد لم يرد الوقف الحُكمي، وإنما أراد الإمساك عن النظر في هذا والكلام فيه، كما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التفضيل بين الأنبياء؛ وعن تفضيله على يونس، ونحو ذلك من الكلام الذي وإن كان حقا في نفس الأمر فقد يفضي إلى فتنة في القلب".

وهذا الذي يساعد عليه تصرف كثير من السلف، كما ورد أن عبد الله بن أحمد أراد أن يجمع حديث صفين ثم انتهى عن ذلك إِثر رؤيا منامية لوالده، وهذا نفسه من أسباب القلة النسبية للوارد عن تلك الأحداث من الأخبار بالأسانيد الصحيحة -الأسانيد الحديثية لا الأخبارية-، فقد كان كثير من السلف والمحدثين يكرهون الكلام في تلك الأحداث رأسًا لما فيها من إيغار الصدور وتشجيع الكلام بغير علم، فضلًا عن الملابسات السياسية أحيانًا بكل تأكيد.

وبناء على ذلك، فإن كل متكلم في تلك المسألة هو خارج عن منطوق تلك القاعدة، فكتاب كالعواصم، أو منهاج السنة، وكل بحث أو مناظرة، يستوي في ذلك أَنْ كانت للدفاع أو الطعن؛ هو خوض مناف للإمساك، وهذا أمر حسي لا يمارى فيه.

فأما إذا تكلم ولم يكفَّ أو يمسك: فلابد أن يحقّ حقًّا ويبطل باطلًا إن تبين سبيله، ويتوقف عما لا يعلم فحسب، أما التوقف الإجمالي في الحكم، مع ورود النصوص الشرعية المصوبة والمخطئة في بعض الأحيان -وليس الحوادث التاريخية فحسب- فهذا خطأ واضح. مطلق التوقف هو امتداد لموقف الإرجاء القديم في أحد استعمالاته، بمعنى التوقف في التصويب والتخطئة بين الصحابة، وهو ليس الموقف المختار لعموم أهل السنة، الذين يصوبون عليًّا في حرب صفين -بخاصة- تصويبًا مطلقًا كما لدى متقدمي العراقيين وأكثر المتأخرين من المذاهب الأربعة، أو إجماليا نسبيًّا كما هو الموقف الأقوى لدى أهل الحديث مدعمًا بالتنظير التيمي.

هناك فرقٌ بين الحكم على العموم، والأفعال، وبين تقرير الحكم على الأشخاص، فهذا الذي يحتاج من القرائن والبينات ما قد يشبه البينات القضائية.

وسبب التواطؤ العملي على تعاطي ذلك الخوض عند العلماء: أن تلك القاعدة ليست مطلقة أصلًا. وكذلك عامة القواعد. وإنما المراد بها الكف والإمساك إذ لم يوجد حاجة للخوض، وإذا لم يكن بعلم وعدل. ولذلك نلاحظ أن ابن تيمية في سياق بحثه لمسألة من مسائل الخلاف في عصر عثمان، بين ابن مسعود وعثمان في أمر المصاحف، قال "فليس جعل كلام المفضول قادحاً في الفاضل بأولى من العكس، بل إن أمكن الكلام بينهما بعلم وعدل، وإلا تكلم بما يعلم من فضلهما ودينهما، وكان ما شجر بينهما وتنازعا فيه أمره إلى الله. ولهذا أوصوا بالإمساك عما شجر بينهم؛ لأنا لا نسأل عن ذلك، كما قال عمر بن عبد العزيز "تلك دماء طهر الله منها يدي، فلا أحب أن أخضب بها لساني". وقال آخر: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون" [سورة البقرة: 134] . لكن إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل، فلا بد من الذب عنهم، وذكر ما يبطل حجته بعلم وعدل".

ففي هذا النص: أن نفس الكلام ليس ممنوعًا مادام بعلم، ومادام بعدل، يرد المحكم إلى المتشابه، ويثبت الفضل لصاحب الفضل، ويثبت الواقع كما وقع، ويبحث فيما يعتريه من مناسبات وقرائن، ويتوقف عما لا يعلم ويتورع فيه ويكله إلى الله.

وفي تنبيهه الأخير أنه إذا ظهر مبتدع يقدح بالباطل فلابد من الذب عنهم: مخصص واضح لتلك القاعدة، وهو ليس مقتصرًا على تلك الحالة، بل إن المعنى المقصود بذلك أن من أضاف إلى واحد من هؤلاء ما ليس بصحيح، أو دفع عنه ما هو صحيح، كان داخلًا في نفس المعنى، وكذا إذا وقع الحيف على بعض الصحابة، أو بعض أهل البيت، أو وقع تزوير للتاريخ من أي طرف، فدفع الثابت، أو قيل بما ليس بثابت؛ كان ذلك باطلًا، ينبغي دفعه بما يبطله بالعلم والعدل، وكان ذلك حاجة صحيحة مبيحة لتحقيق الحق والقيام بالقسط، ولا يقال ساعتها هذا خوض فيما شجر بين الصحابة.

وهذا فضلًا عن أن تلك القاعدة متعلقة بصورة أساسية بالآحاد والأشخاص. فالحكم على الأنواع والأفعال غير الأشخاص، وهذا منزع آخر دقيق. ولذا نهى عليّ عن لعن أهل الشام بالعموم، وقال إن فيهم الأبدال، وأنهم من الكفر فروا، وأنهم يظنون أننا بغينا عليهم كما نظن أنهم بغوا علينا = رغم أن الدعاء على معاوية وجماعة من كبار قواده ثابت عن علي. وبقطع النظر عن تقييمنا لذلك، ولكن المقصود أن هناك فرقًا بين الحكم على العموم، والأفعال، وبين تقرير الحكم على الأشخاص، فهذا الذي يحتاج من القرائن والبينات ما قد يشبه البينات القضائية.

ولذلك يقول ابن تيمية "وإذا كان الأموات على الإطلاق لا ينبغي لنا ألا نخير بينهم إلا لحاجة؛ فالصحابة الذين أمرنا بالاستغفار لهم وبمسألة ألا تجعل في قلوبنا غلا لهم أولى. والكلام فيما شجر بينهم يفضي إلى الغل المذموم، ..، ونحن وإن علمنا بالنوع أن أحد المختلفين مخطئ فليس علينا أن نعلمه بالشخص، إلا في مسألة تتعلق بنا. فأما اثنان اختلفا في مسألة تختص بأعيانهما فلا حاجة بنا إلى الكلام في عين المخطئ"، ولذلك احتج الشافعي بسيرة علي في الجمل وصفين على أحكام قتال أهل البغي، وصوّب أحمد فعله رغم تحفظ ابن معين، وذلك لقيام الحاجة إلى ذلك الاستدلال مع تعيين مقاتلي علي بالبغي.

وهذا يوصلنا إلى نكتة أخرى، وهي أن تلك الحاجة التي بعثت الشافعي إلى ذلك البحث؛ مازالت قائمة، ويمكن أن يتجدد قيامها، كالبحث السياسي الشرعي في الفروق الدقيقة الإجرائية بين الملك والخلافة كتحقيق لمناط النصوص الواردة في ذلك، فهذا يمكن استكناهه من بداية خلافة الأمويين وكيف صارت الخلافة إلى الملك، كي يعلم المناطات المؤثرة في ذلك، لضبط نموذج شرعي قيمي أوضح للخلافة. وكما استعمل شيخ الإسلام الإجراءات والسياسيات التي حصلت في عصري عثمان وعلي في تقرير أن السياسات التي لم يتفق عليها الخلفاء الراشدون، وما سوى سياسات الشيخين: أن السياسيات التي كانت في عصر عثمان وعلي، وقام جراءها خلاف: فإنها ليست من السنن الراشدية الملزمة. وعلى ذلك: فكما ينظر في السياسات الراشدية لمعرفة أجناس المسنون، فكذا ينبغي أن ينظر في السياسات الناقصة، لمعرفة أضدادها.

وإذا انتقلنا إلى نظرة أعلى، فإن تلك القاعدة ليست اتفاقية، فالأصل في كل أبواب الدين هو الكلام بالعلم والعدل، سواء في ذلك باب الصحابة، أو باب القدر، أو نحوها من الأبواب التي فيها غموض. ولذلك فقد كان بعض السلف يتكلم في ذلك، قبل عمر بن عبد العزيز وبعده، كالحسن البصري وابن سيرين والأعمش وغيرهم، ولكن تلك القاعدة التي دشنها عمر بن عبد العزيز، ثم عمقها أهل الحديث، وبخاصة الإمام أحمد ويحيى بن معين في القرن الثالث؛ لاقت قبولًا نظرًا لكثرة الأهواء وضعف السبيل إلى الحق والعدل فيها.

وعلى ذلك فهي قاعدة مآلية مَوْقفية، وليست قاعدة أصلية، هي كقاعدة ترك منازعة الحكام الجورة التي عُرف بها أهل الحديث. والحق أنه لا تجعل القاعدة التذريعية؛ قاعدةً أصلية، فهي قاعدة احتياطية نظرًا لكثرة الصعوبات المتعلقة بها، كتحقيق الكلام في القدر، وكقاعدة التقليد والاحتياط في اتباع الأئمة الأربعة حصرًا لصعوبة الاجتهاد وبراءة الذمة بهم يقينًا عند المتأخرين، فهذا لا ينافي الأصل، وهو جواز الكلام بالعلم والعدل، وإنما يخاف على المتقحم من غير آلة، أو بالهوى، ولكن من ظهر منه مع القدرة السداد، وقصد الحق، والتمسيك بالمحكم، ورد المتشابه إليه، وترك الحيف، والاحتياط والمبالغة فيه = فما عليه من سبيل.

الموقف غير الحكم. فتلك القاعدة مبتناة على اختيارات مبدأية، من عمر بن عبد العزيز، وأحمد وغيرهما، مشتقة من اختيارات مثل: لا أقول شيئا، ولا أقول إلا بالحسنى، وتلك دماء عصم الله منها سيوفنا، وتلك أمة قد خلت. فهذه ليست أحكاما فيها نسبة بالثبوت أو النفي أصلًا لمن تأمل، إنما هو موقف بالإعراض. مثل تلك المواقف ليس من الصحيح اتخاذها أحكامًا عامة بغض النظر عن ملابساتها، ثم جعلها شعارًا لأهل السنة في كل عصر ومصر. هي قواعد أغلبية، ومتعلقة بسياقها وملابساتها، بالإضافة لاشتراطاتها الموضوعية. هناك من أرسل يسألني لمدة سنة عن قول أحمد عن أهل البدع "بيننا وبينهم الجنائز"،-باعتبارها في ظنه من قواعد أهل السنة-، فأرسل يسألني: وما المخرج من جنازة جمال عبد الناصر؟!

مخاطبة العوام إلا بقواعد الدين الكلية، وبألفاظ الوحي لا غير، حتى لا يقال لهم القرآن غير مخلوق، بل يقال القرآن كلام الله.

ثم على كل تقدير: هي نظر فقهي، يمكن أن يقابل بتأصيل آخر، دون شهر سيف أن هذا إجماع أهل السنة، أو من قواعدهم الكلية، أو من طرق التلقي ومناهج الاستدلال، فكل ذلك مخاتلة لا تغني حين البحث والنقد المجرد. التنظير التيمي نفسه لقتال الفتنة، هل يمكن أن يقرأ قراءة نقدية؟ هل يمكن توليد قراءة مغايرة له لا تخالف المحكمات العامة وتستند إلى بحث تاريخي جاد ومنصف؟ هل هو القراءة السنية الوحيدة، أم أن هناك غيرها من قراءات أهل السنة باعتراف شيخ الإسلام نفسه؟ دائما السؤال في الإمكان، يسبق السؤال في الكيف، لأن من يعتقد وهو يتكلم في مسألة ظنية أنه قد حاز الحق بتمامه فإنه يدفع مجرد الإمكان. لا نقلل من أهمية الكيف، لكن ينبغي أن يكون مرتبًا على الإمكان، وإلا فلا معنى للمطالبة بالكيف وأنت تمنع الإمكان وتتعصب عليه. نحن سنتعرض لهذا فيما بعد.

وأخيرًا فإن توسيع تلك القاعدة على غير حروب الصحابة: الجمل وصفين، إلى من بعد ذلك، وبخاصة إلى حكم يزيد، وموقف الامويين من أهل البيت؛ باطل، لم يقله العلماء، ولا دلت عليه تصرفاتهم. فلماذا نجد شغف بعض الباحثين لتبرئة يزيد من جرائمه، وتبرئة غالب ولاة بني أمية من جرائهم ومن حقيقة اتصافهم بالنصب وبغض علي والدعاء عليه على المنابر، حتى أبطل ذلك عمر بن عبد العزيز، رغم تتابع العلماء النقاد على قبول ذلك؟

(3)
ومن ناحية أخرى أخيرة، فإنه ينبغي أن نقرر دون مواربة أن إعمال تلك القاعدة وفق منطوقها، بالإمساك والكف = ليس له مجال في عصرنا. لابد أن نعترف بمدخلية للزمان في الأحكام، وهذا لا خلاف فيه من حيث العموم، فكيف بمثل تلك القواعد التي ليست أحكامًا. ففي عصر كعصرنا، تصبُّ فيه الشبهات والقراءات المبتسرة والمحرفة ضد ثوابت الدين، فضلًا عن التاريخ، لابد من فتح مجالات الدرس والنقد والتمحيص، مادامت من المتخصصين، دون وضع خطوط حمراء، تستقوي بالعزل والتحيز والشعبوية والتجيير العاطفي.

نعم يبقى أن العوام غير المطلعين على الشبهات لا يخاطبون بمثل هذا المستوى من التفصيل، ولكن هذا التقرير ليس خاصًّا بمسألة الصحابة، بل هو عام في جميع الجزئيات، ولكن الخطاب الشرعي بتحيزاته يفعّل ذلك نحو بعض الجزئيات ويقصيه عن أخرى. وإلا فإنه لا ينبغي مخاطبة العوام إلا بقواعد الدين الكلية، وبألفاظ الوحي لا غير، حتى لا يقال لهم القرآن غير مخلوق، بل يقال القرآن كلام الله، كما جاء الوحي، وهذا كله تنظير ابن تيمية نفسه، لكن الخطاب السلفي على سبيل المثال لا يجد حرجًا من حشو خطابه العامي بدقائق مسائل الاعتقاد، ويفعّل بإقصاء بالغ قاعدة الكف والإمساك في مسائل أخرى كمسألة الصحابة ولو كانت بعلم وعدل. هذا مع الاعتبار أننا بحاجة حقيقية إلى إعادة النظر في مفهوم العامي، وهل ما زال منطبقًا على الجماهير في عصر الفضاء المفتوح ذلك، أم ينبغي أن يعامل الجماهير معاملة متوسطة، تقدم معرفة مسيلة موضحة مؤصلة، تلبي احتياجات هذا الواقع السائل.



حول هذه القصة

مئات السلفيين يحاكمون على خلفية اقتحام سفارة أمريكا

قالت صحيفة الأوبزيرفر البريطانية إن العنف السياسي الذي يمارسه السلفيون أصبح يشكل مصدر القلق الرئيسي بدول الربيع العربي. وأضافت أنه بالرغم من أن السلفيين مجموعة قليلة العدد فإنهم يتسببون في اضطرابات ويزرعون بذور عدم الثقة وسط العلمانيين والإسلاميين المعتدلين على حد سواء.

Published On 10/2/2013
السلفيون والربيع العربي

يحاول هذا الكتاب ولوج أعماق الحركات السلفية في العالم العربي بشكل عام وفي مصر بشكل خاص، عبر متابعة تاريخ تطورها الحديث في مرحلة ما قبل الربيع العربي وما بعده، مع الوقوف على التغيرات الفكرية التي طرأت على الحركات السلفية.

Published On 29/4/2013
اتفاق الهدنة في اليمن

تضاربت مواقف ضيوف حلقة 12/1/2014 من برنامج “ما وراء الخبر” بشأن اتفاق الهدنة الذي تم توقيعه بين السلفيين والحوثيين برعاية اللجنة الرئاسية اليمنية، وينص على أن ينقل السلفيون مقرهم من بلدة دماج إلى محافظة الحديدة غربي البلاد.

Published On 12/1/2014
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة