logo

الحداثة والهولوكوست.. أو ما الدولة؟

قدَّمت الحداثة الغربية نفسها للعالم من خلال مقولاتٍ أساسيَّة ثلاث(1):
أولاً: أنَّ كافة الأسئلة الحقيقية يمكن الإجابة عليها، وإذا كان هناك سؤال لا يمكن الإجابة عليه فهو ليس بسؤال.
ثانيًا: كافة الأجوبة يمكن اكتشافها بوسائل يمكن تَعَلُّمُها وتعليمها للآخرين؛ إنَّ هناك وسائل يمكن تَعَلُّمُها وتعليمها تُمَكِّنُنا من معرفة ما يتألفُ العالم منه، وما موقعنا منه، وما علاقتنا بالبشر، وما علاقتنا بالأشياء، وما هي القيم الحقيقية.
ثالثًا: ينبغي لكافة تلك الأجوبة أن تكون متسقة مع بعضها البعض، لأنها إذا لم تكن متسقة، فإن النتيجة ستكون الفوضى.
 

ومن نافلة القول هنا التأكيد على أنَّ الحداثة بحثت في هذه المقولات بكُلِّ الأدوات الممكنة عدا الوحي، إذ أنَّ الوحي -في سياق القرنين السابع والثامن عشر الأوروبيين، ومع تطور دراسات التأويل ونقد النصوص- لم يكن يعني سوى تجربة روحية شخصية لا يمكن إثباتها "علميًّا"، بالإضافة إلى التاريخ المؤلم للكنيسة الكاثوليكية، وعدائها المطلق لأنبياء التنوير.

المشكلة اليهودية" لم تكن هي المشكلة الوحيدة التي واجهت الدول الأوروبية الحديثة في إطار سعيها لتنظيم العالم واستغلاله بأقصى قدرٍ ممكن.

يشير إيزايا برلين في نفس السياق لانتباه آباء التنوير إلى "النظام" الذي أضفاه نيوتن على "فوضى" الطبيعة من خلال عددٍ من القوانين الفيزيائية التي ابتكرها للتعبير عن "نظام الكون" كما تخيله، وبالتالي فقد ضُبطت الطبيعة أخيرًا، فذهبوا إلى أنَّ تطبيق نظام المعرفة الصورية الذي طبَّقه نيوتن على الطبيعة على مجالات الحياة الإنسانية غير الطبيعية، كالسياسة والأخلاق، سيؤدي لنفس الدرجة من المعرفة والانضباط التي حقَّقها نيوتن في مجال العلوم الطبيعية.
 

يمكن القول، باختصارٍ غير مُخِلْ، أنَّ هذا هو الأساس النظري الرئيس الذي قامت عليه السوسيولوچيا الحديثة قبل إميل دوركايم حتى استقراره النهائي على يديه.

يرى زيجمونت باومان أنَّ: "الخطاب السوسيولوچي -استجابةً لنموذج العلم "الطبيعي" وَضَعَ المبادىء الأخلاقية في مرتبة غامضة وغير قابلة للاستعمال. ولم يبذل الخطاب السوسيولوچي إلا النزر اليسير من الجهد في سبيل تحسين مكانة المبادىء الأخلاقية، بل جرى العرف على تهميش قضايا السلوك والاختيار الأخلاقيَّيْن."

ولا غَرو، فالطبيعة لا تعرف الأخلاق المتجاوزة -بتعبير عبد الوهَّاب المسيري-، وبالتالي فقد نُظِرَ إلى الأخلاق باعتبارها نتاجًا للحاجة البشرية الضرورية كالغذاء، والأمن، والحماية من تقلُّبات المَناخ. ويرتبط استمرار هذه الأخلاق أو اندثارها باستمرار قدرتها على تحقيق هذه الحاجات الأصلية من عدمها.

إذن، وضعت السوسيولوچيا الحديثة "الإنسان" في مركز الكون، وأنكرت وجود أية منظومة أخلاقية غائية متجاوزة لكينونته المتواضعة، وربطت الأخلاق بتطوُّرِ إشباع حاجاته الطبيعية، وكانت هذه، تحديدًا، استجابة السوسيولوچيا الحديثة للعالَم، باعتبارها جزءًا من معالجة الحداثة الغربية للمقولات الأساسية الثلاث المذكورة آنفًا.
 

بدَّلَت الحداثة وسوسيولوچيتها مَوقِعَيْ الإنسان والأخلاق داخل نظام المعرفة الكونية، وبالتالي فقد انتزعت الإنسان من التاريخ ونصَّبته إلهًا زائفًا خارجَه، وأسقطت الأخلاق داخل التاريخ ففقدت فاعليتها، وقطعت الطريق تمامًا على أيِّ تفاعلٍ حقيقي بين الذات الإنسانية الفاعلة، والموضوع التاريخي؛ إذ أنَّ ضمان تحقُّق الحاجات الإنسانية مسألة نسبية خاضعة لتصورات كلِّ مجتمعٍ عن نفسه، وعن البيئة الطبيعية والإنسانية المحيطة به، وأصبح بقاءُ المجتمع مبررًا وحيدًا لاستخدام الأخلاق. ويوجِزُ باومان أطروحة دوركايم عن الأخلاق في جملةٍ واحدة: "كل مجتمعٍ له أخلاقيَّاتٌ يحتاجُها."
 

بعدما أُنجِزَت مهمة وضع الإنسان فوق التاريخ، والأخلاق داخله، دونَ أدنى اتصالٍ بينهما سوى مصلحة المجتمع المُتصوَّرة، لم تبقَ سوى القوة مُعرِّفًا للحقيقة والأخلاق، ولم يُفلِح الهجوم الرومانتيكي الكاسح في القرن التاسع عشر على هذا التصوُّرِ المادي للعالم في صدِّ تقدُّمه، بل وتم استيعابه تمامًا داخل نفس التصوُّرِ المادي عن العالم، ربما لأنه لا يستند إلى أساسٍ واضحٍ من وحيٍ أو "عقل".

ويذهبُ عبد الوهَّاب المسيري إلى أن النازية والصُهيونية نتاجٌ واضح لاستيعاب الرومانتيكية داخل نسق هذا التصوُّرِ المادي للعالم(2).

يتتبَّعُ باومان، في سردٍ سوسيولوچي بديع، آثار هذه الرؤية على المجتمعات الأوروبية أثناء وبعد فترة التحوِّل الكبير وانتصار الحداثة على البُنَى الاجتماعية التقليدية، ويكتشف التحوُّل التدريجي للمركز الأرضي الذي يتولى مهمةَ تعريف الأخلاق والمصلحة من الكنيسة إلى الدولة، ثم يُبيِّن طبيعة هذا التحوُّل من خلال استخدام صورة "البَسْتَنَة" المجازية، وهي الصورة التي تُظهر الدولة باعتبارها بستانيًا يتولى تشذيب حديقته (المجتمع) وزرعها بأنواع الزراعات المفيدة -حسب تصوُّرهِ- ويُطَهِّرُها من الأعشاب الضارة.
 

نُظِرَ إلى القومية الحديثة باعتبارها "ثالوثًا علمانيًا"، بديلاً للثالوث المسيحي القديم، تكوَّنَ هذا الثالوث من الأرض والعرق والدولة، وكانت الدولة هي الممثل الحصري لهذا الثالوث ومركزه الفاعل. وعمليًا، أصبحت الدولة القومية الحديثة جسدًا بيروقراطيًا ضخمًا يجمع الضرائب بِيَدٍ، ويُجهِّزُ الجيوش بِاليَدِ الأخرى. وتحدَّدَ مستوى تقدُّمِ الدولة الأوروبية الحديثة من خلال قياس مدى كفاءة جهازها البيروقراطي على تحقيق هاتين المهمتين؛ تطوير وتطهير وتشذيبُ الداخل، وإرسال الجنود إلى الخارج في مهام إمبريالية تستخدم الأيديولوچيات الرومانتيكية كمُسوِّغٍ أخلاقي لها.
 

وقد نُظِرَ إلى اليهود الأوروبيين في هذا السياق باعتبارهم تحديًا لهذا "النظام الطبيعي للعالم"، فهم لا ينتمون إلى قومية معينة يمكن تعريفهم من خلالها، ولا ينتمون إلى أرضٍ واحدة يمكن نسبتهم إليها، كما أنهم يُشكِّلون عبئًا على المجتمع لانتشارهم في جميع طبقاته، فالبرجوازية الجديدة ترى فيهم خدمًا للإقطاع القديم، والإقطاع يرى فيهم صورة البرجوازية الجديدة التي تهدمُ أساس بنيانه الاقتصادي والاجتماعي العتيق. وهكذا عُهِدَ إلى الدولة الحديثة، مُمثّلةً في بيروقراطيتها، بمهمة حلِّ هذه المشكلة. ولم تجد الدولة الحديثة خيرًا من الإمبريالية كحلٍّ لهذه المشكلة.

ومن الجدير بالذِّكر أنَّ "المشكلة اليهودية" لم تكن هي المشكلة الوحيدة التي واجهت الدول الأوروبية الحديثة في إطار سعيها لتنظيم العالم واستغلاله بأقصى قدرٍ ممكن، بل يلمح دارس تاريخ القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بروز مشكلات مشابهة تعاملت معها الإمبريالية الغربية بنفس المنطق. فقد برزت "المشكلة العربية"، وهي مشكلة شبيهة إلى حدٍ كبير ٍ بالمشكلة اليهودية، فالعرب لا يمكن تمثيلُهُم من خلال قومية علمانية محدَّدة كالقوميات الأوروبية الحديثة، كما أن الإسلام يقف عائقًا أمام تمثيلهم بهذه الطريقة، وحُلَّت عن طريق اختراع القوميات القطرية العربية الحديثة -استجابةً للطريقة الغربية في تنظيم العالم، وخدمةً لمصالحها- وأُسِّست دويلات كاملةً على هذا الأساس عقب الحرب العالمية الأولى، وفي أغلب هذه الحالات اختُرعت هذه القوميات عقب تأسيس هذه الدويلات، تبريرًا لها وخدمةً لمصالح النخب الجديدة التي وُضِعَت على رأسِ أجهزتها البيروقراطية.

وفي البلقان بعد الإجهاز على الدولة العثمانية حُلَّت المشاكل العرقية والإثنية باختراع دويلاتٍ جديدة تنفيذًا لاتفاقات زعماء القوميات المُحدثة مع الإمبريالية الغربية، وقُسِّمت إفريقيا على أسُسٍ أوهى من ذلك، ثم اصطنعت الإمبريالية باكستان وإسرائيل طبقًا لنفس الرؤية وخدمةً لنفس المصالح. ومن نافلة القول أنَّ تدخُّل الإمبريالية الغربية بهذا الشكل الفاضح لم يُثمِر هدوءًا في المناطق التي تدخَّلت فيها، بل مازالت شلاَّلات الدماء تسيل فيها حتى الآن(3).
 

لكن ما يُثير الاهتمام حقًا هو: لماذا حظيت الهولوكوست بهذا الاهتمام الكاسح خلافًا لكل الجرائم التي اقترفتها الإمبريالية الغربية؟

فقبل ظهور النازية بقرنٍ كاملٍ تقريبًا، قدَّم البريطانيون الأنجلو ساكسون أنفسهم للعالم على أنهم "العِرقْ السيد"، ونظرت إنجلترا إلى نفسها باعتبارها الأرض الموعودة وإسرائيل الجديدة، ونظر الإنجليز إلى أنفسهم باعتبارهم شعبُ الله المختار، وهي الرؤية التي تتكرَّرُ بوضوح في أدبيات الآباء المؤسِّسِين للولايات المتحدة الأمريكية. وضع الأنجلو ساكسون جدولاً رأسيًا لتقسيم الأجناس البشرية شبيه بجدول كارلوس لينيوس لتقسيم الأجناس الطبيعية(4). واستخدموا الإمبريالية كآداة لتحقيق هذه الرؤية على العالم كله، وارتُكِبَت في سبيل ذلك من الجرائم ما تتضائل الهولوكوست بجواره.
 

يلاحظُ باومان أنَّ جريمة الهولوكوست، وغيرها من جرائم النازية، ارتُكبت بتعاونٍ كامل بين مؤسسات "العلم" الألمانية، وبيروقراطية الدولة النازية.

يجيب عبد الوهَّاب المسيري -مُذكِّرًا إيَّانا- بأن الهولوكوست هي أول مذبحة غربية تقوم بها الإمبريالية داخل أوروبا، وضد أوروبيين.

وتضيف چانينا باومان -زوجة زجمونت باومان- في مذكراتها سببًا آخر يتعلَّقُ بقدرات الصهاينة المالية والإعلامية الضخمة التي تُجيد استثمار الهولوكوست في ابتزاز الغرب، لشرعنة وجود إسرائيل، وتناسِي ما يقرُب من خمسة عشر مليونًا آخرين ذبحتهم النازية أيضًا.

انتهت النازية التي مثَّلت لحظة نماذجية نادرة -بتعبير عبد الوهَّاب المسيري- لتحقًّق الرؤية الغربية في تنظيم العالم. لكنَّ المذابح التي تسبَّبَت فيها نفس الرؤية لم تنتهِ؛ فقُبيل إسقاط النازية، قُصفت اليابان بقنبلتين ذريتين لأول مرةٍ في التاريخ رغم تأكُّدِ هزيمتها واستسلامها، وبعد سقوط النازية بسنوات معدودة ارتكب الصهاينة جرائم أبشع ضد العرب في فلسطين، ثم ارتكبت الإمبريالية الأمريكية جرائم عديدة أثناء غزو ڤييتنام، وأثناء الغزو الإسرائيلي للبنان، وأخيرًا وليس آخرًا الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان.

ويلاحظُ باومان أنَّ جريمة الهولوكوست، وغيرها من جرائم النازية، ارتُكبت بتعاونٍ كامل بين مؤسسات "العلم" الألمانية، وبيروقراطية الدولة النازية، وهي ملاحظة يمكن اكتشاف صحتها بسهولة في جميع تجارب الإمبريالية الأخرى خارج أوروبا. ويُفسِّرُ باومان ذلك من خلال بنية السوسيولوچيا الحديثة التي همَّشَت الإنسان الفرد، ومنظومته الأخلاقية المتجاوزة، لصالح مجموعة من الأوامر التي يُصدرها مركزُ النظامِ، مُمثَّلاً في الدولة الحديثة وبيروقراطيتها.
 

فهدف هذا الكتاب هو تنبيهنا إلى أنَّ المهمة السياسيَّة والأخلاقيَّة الحقيقيَّة هي نقد عمل المؤسَّسَاتِ التي تبدو محايدة ومستقلَّة، بطريقةٍ ترفعُ النقاب عن العنفِ والقهرِ اللذين مورِسا دوماً عبرها.
 

_______________________________________________

[1] ايزايا برلين، جذور الرومانتيكية، نقله إلى العربية: سعود السويدا، جداول للنشر والتوزيع، بيروت 2013.

[2] عبد الوهَّاب المسيري، الصُهيونية والحضارة الغربية، دار الهلال، القاهرة 2003.

[3] داڤيد فرومكين، سلامٌ ما بعده سلام؛ ولادة الشرق الأوسط 1914-1922، ترجمة: أسعد كامل إلياس، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2001.

[4]  چون إم. هوبسون، الجذور الشرقية للحضارة الغربية، ترجمة: منال قابيل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2007.



حول هذه القصة

يبرز المكوّن العلماني في تململ الشاب الإسلامي من الالتزام بالأوقات والأماكن التي تقتضيها إقامة الصلاة مثلا، وميله نوعا ما إلى التحرّر من القيد الغيبي الذي يقيّد حركته في الوجود.

عندما نأخذ مفاهيم وقيَم ومنتجات الحداثة المعاصرة فهذا يجب أن يكون لأننا منحناها مشروعية أن تكون جزءاً منا. وكذلك عندما نتعاطى مع التُراث، نحن الذين نقيِّم ونحكُم ونختار.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة