الأم.. الغيمة التي تلد نفسها

blogs - mother
الكتابة عن الأم من أكثر أشكال الكتابة صعوبة وإشكالية، لأسباب كثيرة، بعضها يعود للحقيقة الوجودية لطبيعة الأم ومكانتها في الحياة، وصورتها الأنطولوجية والبيولوجية والجمالية، ولأسباب أخرى كثيرة متعلقة بطبيعة تجليات هذه الصورة ابيستومولوجيا ومجازيا ودينيا وعاطفيا. بدأت الحكاية بسقوط آدم وحواء من رحم الجنة إلى صحراء الأرض، وعناء السؤال الوجودي الأكثر تمظهرا في تفاصيل الإنسان: كيف تتجلى صورة الإنسان بعد السقوط الأخير من الجنة؟

أمي ترى أن أسوأ كلمة ممكن أن ينطقها المرء هي كلمة "يهودي"، وأنا أرى أن اليهود ليسوا كالصهاينة، وكلما فكرت في الأمر داهمتني صورة نعوم تشومسكي، وجوديث بتلر، وثيودر أدورنو.

وربما يكمن لغز الكتابة عن الأم في جوهر شعرية هذه الكتابة، كلما تذكرنا مجاز الحبل السري الذي يقطع مرة واحدة في الحياة، ثم نصبح جميعا رهن هذه القطيعة المجازية، محاولين بكل ما أوتينا من أسباب الحياة مجابهة هذه القطيعة السرية من خلال مقاومة صورة اليتم المجازي والحقيقي، والتي تجعل من الفتى صورة متوترة تحاور أمه، بل وتتوسل بكل ما هو "أمومي" كي يبقى على قيد الأمل والحياة!

لابد لنا هنا من وقفة تأملية وفلسفية، لمحاورة فصول التواصل والقطيعة الوجودية مع صورة الأم، وتجليات الحياة والموت والخصب، التي تجعل الإنسان قادرا على فهم ولادته المتكررة. ربما هذا ما دفع الفيلسوف نيتشه أن يكتب لأمه رسالة متوترة جدا، يحاور أمه، ولا يحاورها: إذ يقول "أماه! لا حاجة لي للكلام مع أي مخلوق، فلا أحد يعرفني في هذا المكان، أنا وحيد تماما، وأستطيع أن أبقى هنا لوقت أطول، أقترف الوقت بين الجلوس والتسكع بين الزقاق.. هنا في غرفتي اليتيمة، أعيد اختراع حماستي الكامنة في قاع روحي.. هنا وحدي أستمرىء وحدتي بصحبة قلمي وحبري وورقي". وكأن نيتشه أراد أن يقول لأمه، ولو من قبيل المواربة العاطفية "أماه لا تذهبي! فأنا يتيم بك وبدونك! ربما علي أن أستمر في الكتابة واقتراف الوحدة، لمقاومة كل هذا اليتم المعرفي والأخلاقي الذي يحاصر البشرية ويحاصر خاصرتي منذ عصور".

وما يجعل الكتابة عن الأم أمرا صعب المنال، هو حمولة المعنى المجازي الذي تحمله صورة الأم الحقيقية والمتخيلة، بين واقعها المدجج بالحب والعاطفة والدفء والملجأ والوطن، وبين صورتها المتخيلة كلما حاصرنا يتم المنفى والمهجر! هي السهل الممتنع في كلام العرب وغيرهم، وهذا ما دفع ابن دريد أن يقول: "كل شيء انضمت إليه أشياء فهو أم لها، وأم الكتاب أصله". ظل الهنود الحمر ينعتون الأرض بالأم، ومثلهم فعل الشعراء الرومنتيكيين أمثال شيلي وكيتس وغيرهم، حتى بدت صورة الأرض هي الأم، وصورة الأم هي الأرض، بينهما مشترك إنساني وطبيعي في الوقت ذاته: والمطلع على أدبيات التاريخ والأنثروبولوجيا وأدب الهامش، يلمح بسهولة مجاز الأم الأرض والأرض الأم، وحتى في عصور ما قبل التاريخ، ظلت صورة الأم والأرض مرتبطة ارتباطا عضويا بمجاز الخصوبة، والعطاء، وتعاقب الفصول، وسقوط الأمطار، وهذا جليّ في تاريخ الآشوريين والبابليين واليونان والهند، وغيرها من الحضارات.

الكتابة عن الأم تشبه الحديث عن الأشجار والطبيعة، تحتاج إلى طاقة الرسام والمصوّر والسينمائي، لتجعل من عمق الروح والنفس وجها معجونا بالماء المقدّس والعطر والوفاء، ربما لأن طفلها الذي تجاوز الثلاثين لم يستطع أن يبلغ العشرة أعوام وهي تنتظر غيابه، الذي صار عجلة قطار تدور وتدور كما يفعل الصوفي وهو يبحث عن ربه الذي أخبره عن قلبه، وقلبه الذي أخبره عن ربه، كما يفعل الدراويش في حلقاتهم الصاخبة. المسبحة التي صارت عنقود عنب في يديها، والمشكاة التي صارت مصباح علاء الدين تعرفان ماذا يعني أن تنتظر أما ابنها الذي صار نهبا للريح وخمرة الطريق. تعرفان ماذا يعني أن تحترق تلك الروح في محراب الحنين والشوق المغمّس بعطش الواقفين بباب القيامة.

الغيمة التي تلد نفسها من شوق احتراقها، هي صورة الحب الذي تجلّى في دموع الأمهات ونحيبهن وعطرهن. ومن يقرأ رواية نورالدين فرح "الخرائط" يدرك تماما هذا المركب المدهش لكيمياء الأم، مصرا في علاقتها مع ابنها الصومالي "عسكر" الذي تبنّته في زمن الحرب:

"قال لنفسه، المهم الآن أنني شببت عن الطوق، لقد صرت رجلا كاملا، لقد انفصل تماما عن عالم أمه- مصرا وفطم أخيرا. وفي خضم بحثه العبثي عن أم بديلة، عثر على الصومال، وطنه الأم. كانت تشبه طقوس الألم التي تنتهي بمتعة اكتشاف لذات أكبر، هو ذاك الشيء الذي يتعلق بثدي الأم الكبرى المليء بالحليب. هو الحليب الذي يلبي حاجته وحاجة الآخرين كلما شعروا بالجوع والعطش. هي أم مدججة بالكرم، أم ذات أثداء عديدة، ذات حلمات كثيرة، أم تعطي الكثير من تلقاء نفسها، وتطلب ولاء واحدا، ولاء للفكرة، فكرة الوطنية- لا أكثر ولا أقل. لقد هدأت روحه المعذبة في اللحظة التي اجترح فيها الخطى ذاتها، مع الآخرين، لمقابلة أم الجميع، كي تعانقه في توحد يبعث البهجة كي ترضعه مرات ومرات وتمد له يد العون في إعادة اكتشاف غريزة الحاجة في نفسه لأم مطلقة."

أمي معجزة لا نظير لها في بساطتها الفلسطينية المركبة، وفي مسلماتها اليقينية، وفي قدرتها على تحويل أكثر الأشياء تعقيدا لمعادلة بسيطة، كالخبز، أو ابتسامة جارتنا الطاعنة في السن.

أما أنا، فلن أصنع من أمي معجزة أو أسطورة كما يفعل الفيسبيكيون، ولن أصادر مشاعر أحد تجاه أمه أو من ربته وأرضعته لبان الحياة، ولكن أمي لا تعرف القراءة ولا الكتابة، وكثيرا ما أجدها تمسك بالقرآن وتقلبه صفحة صفحة، طلبا للأجر وحبا في الله. أمي تعرف اسم من يهاتفها على الموبايل من خلال صور مجازية، كصورة القلب والسيارة والوردة.. تعلمت المجاز أول مرة على يديها، وأنا أنصت لأمثالها الشعبية الفلسطنية وحكمتها البسيطة في الحياة، تعلمت من أمي معجزة الاختلاف والحب معا: كلانا مختلف تماما، ولكن كلانا متصالح جدا مع هذا الاختلاف، الحب يصنع المعجزات.

هي ترى أن أسوأ كلمة ممكن أن ينطقها المرء هي كلمة "يهودي"، خصوصا في وصفها للظلم والاستبداد، وأنا أرى أن اليهود ليسوا كالصهاينة، وكلما فكرت في الأمر داهمتني صورة نعوم تشومسكي، وجوديث بتلر، وثيودر أدورنو، ودانييل بيرين بويم، وألين بابي، وإريك أورباخ. هي ترى أن النية مطية على رأيها، وأنا أرى أن النية لا علاقة لها بالنجاح أو الفشل. هي ترى أن القسمة والنصيب مفتاح الحياة، وأنا أرى أن قراري وإرادتي هما بوصلة الحياة، هي بنت اليقين وأنا حفيد الشك.

والسنون التي مرت بحلوها ومرها لم تغير نظرتها لي، هي تراني طفلا مشاكسا لا يمكن ترويضه، ولا يمكن التأثير عليه إلا بوردة طاعنة في الياسمين، أو كلمة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، ما زالت تراني طفلا لا يريد أن يكبر، ولا تريده أن يكبر. أنا شخصيا أراها معجزة لا نظير لها في بساطتها الفلسطينية المركبة، وفي مسلماتها اليقينية، وفي قدرتها على الصبر على عنادي وطيشي في باكورة حياتي، وفي قدرتها السحرية على تحويل أكثر الأشياء تعقيدا لمعادلة بسيطة جدا، كالخبز أو ابتسامة جارتنا الطاعنة في السن.

ولأني لا أراها ملاكا، بل أُمّا تجيد صنعة الحياة والحب والعطاء بلا مقابل، وأرى أخطاءها وهفواتها بسيطة جدا أمام عقوقي غير المقصود، أرى في عطائها كل الأشياء التي أخشى أن أفقدها، وأرى في حبها المعجزة خوفا يهزّني كلما أبصرت وجع الحياة في منفاي الشخصي.



حول هذه القصة

أعلنت قيادة العمليات المشتركة لتحرير نينوى اليوم الثلاثاء وصول تعزيزات عسكرية ضمن اللواء 76 بالفرقة 16 جنوب شرق الموصل، استعدادا للمشاركة في معركة تحرير الموصل من تنظيم الدولة الإسلامية.

11/10/2016

أكد الرئيس السوداني عمر البشير على رفع خانة القبيلة من الوثائق الرسمية، واعدا بـ”سودان جديد بلا قبلية”، مجددا دعوة معارضيه للتوقيع على توصيات الحوار الوطني التي تمت المصادقة عليها.

11/10/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة