أنا جزء من المؤامرة

blogs-المؤامرة

ولدت في مدينة عربية بسيطة، كانت في يوم من الأيام رمزاً للمدنية والسلام، وفي شارعنا الإسفلتي لعبت ألعاب الطفولة وركضت مع أقراني، ثم كبرنا وصرنا نلاحق الكرة الجلدية ونركلها بأقدامنا ونتفنن حتى نمررها بقوة أو بخدعة من خلال الحجرتين اللتان وضعناهما رمزاً للمرمى.
 

تلك كانت مدينة تعز، في الجمهورية اليمنية، ولكل منا مدينته وقصته وكرته أو دُميته أو سيارته وربما لعبته الأخرى التي أحبها، بالنسبة لي مع لعب الكرة قرأت قصص ميكي، وأيوب وسوبرمان وسندباد ثم جاءت مجلة ماجد، وفي فترة لاحقة قرأت القصص القصيرة، المغامرون الخمسة والشياطين الثلاثة عشر.. وغيرها من القصص والحكايات التي كانت تقع عليها يداي وتستهويني في ذلك الوقت.
 

كان عالمي بسيطاً في تلك الطفولة، وكانت المؤامرات التي أعرفها تسكن بين سطور القصص التي قرأتها أو في مجتمعي الصغير شخصية وأحياناً ساذجة. ترتبط تلك المؤامرات أحياناً ببطل الرواية أو في واقعي برفيق أو زميل وربما تتعلق بسر ساذج يعتبر إخفاؤه مؤامرة بحد ذاته، وربما حول عراك بسيط أو حتى إخفاء قطعة حلوى أو بسكويت مفضل.
 

لن أقول أن المؤامرات لا تحدث في هذه الحياة، لكن ما الذي نستفيد فعلاً من وضع كل شيء في قالب المؤامرة غير التسليم بأن الأمور خارج أيدينا وأن المتآمرين أقوى وأذكى وأمكر.

لم أعر المؤامرات في حياتي حينها كثيراً من الإهتمام، ثم جاءت كتب التاريخ لتوضح لنا أن التأريخ ما هو إلا سلسلة من المؤامرات نحن ضحيتها، فقرأت عن الاتفاق السري بين بريطانيا وفرنسا وروسيا لتقسيم المنطقة والمعروف باتفاقية سايكس بيكو والتي كانت بالفعل مؤامرة، ثم جاء بعض المؤرخون العرب ليصفوا ما حدث في فلسطين كنتيجة لمؤامرة بل لمجموعة من المؤامرات بين البريطانيين واليهود والعرب أنفسهم.
 

ثم بدأت أقرأ كيف أن الغرب تآمر على العرب والمسلمين في كل شيء حتى في نوعية السلاح الذي باعوه للعرب في 1948 واستخدمه المصريون في حربهم ضد اليهود آنذاك. سمعت من أحد المعلمين حينها وهو يوضح ما جرى بأن الجندي المصري في تلك الحرب كان يمسك بالبندقية ليصوب فترتد الرصاصة إليه فترديه قتيلاً، وهو أمر اكتشفت أن فيه من المبالغة ما يعزز من نظرية "المؤامرة" في هذه القضية، بالطبع لم يذكر أحد لنا كيف وصلت تلك الأسلحة الفاسدة للجيش المصري، ومن الذي كان وراءها من سماسرة السلاح وحاشية الملك المصري حينها،ليكون من السهل التمسك بنظرية المؤامرة وتحميل "الآخر" فقط مسؤوليتها.
 

على مدى هذه السنوات الماضية من عمري ظللت أقرأ عن تآمر الحكام العرب على شعوبهم وعلى الشعوب الأخرى في المنطقة، فهم يتآمرون جميعاً على قضية فلسطين، كما تآمروا أيضاً على العراق، ويتآمرون اليوم على اليمن وسوريا، بل إنهم في بعض الأحيان يتآمرون على شعوبهم ليبقوه فقيراً أو ليضربوا جزء منه بجزء آخر، أو حزب بحزب آخر أو شخص بشخص آخر، أو ليغتالوا أو يفجروا هنا أو هناك.

وكثيراً ما تتحول المفردات التي أسمعها إلى مؤامرات، فداعش مؤامرة، والقاعدة مؤامرة وكل جبهة وكل اسم مؤامرة. والمؤامرات لا تقتصر على بلداننا فأحداث الحادي عشر من سبتمبر هي أيضاً مؤامرة. في أمريكا أيضاً من يؤمنون بنظرية المؤامرة فاغتيال الرئيس الأمريكي جون كنيدي مؤامرة، والمراكب الفضائية والكائنات الفضائية التي تعيش في المنطقة 51 في جنوب ولاية نيفادا الأمريكية مؤامرة. في أمريكا لهم مؤامراتهم ، وللعرب مؤامراتهم الخاصة لكن فرق شاسع بين عدد ونوع المؤامرات في حياة العربي مقارنة بالأمريكي.
 

أصبح حولي كعربي أمريكي ألف مؤامرة ومؤامرة، مؤامرات صغيرة شخصية وكبيرة بحجم الأوطان العربية، منها ما يدلل على التخطيط والتآمر مثل اغتيال السيد عمر الحريري رئيس الوزراء اللبناني السابق أو غيره لقلب موازين الأمور أو ما حدث في اليمن من التفاف على مخرجات الحوار الوطني أو في مصر وما حدث بعد ثورة يناير ومنها ما نحاول أن نفسره نحن بالمؤامرة لأنها الفرضية الوحيدة القائمة.

بعضها مؤامرات يرى الواحد منا أطراف خيوطها وربما تفضحها الأيام والمكالمات الصوتية المسربة وبعضها يظل تخمينا لا أساس له من الصحة خاصة عندما يتناقض بين اليوم والآخر، فقد تسمع أن هذه الدولة متآمرة مع الطرف هذا وفي اليوم التالي أسمع أنها متآمرة مع الطرف النقيض.
 

أنا لا أنكر وجود بعض المؤامرات لكني أرفض أن ننظر إلى كل شيء على أنه مؤامرة. لا أخفيكم أن راسي متعب من السماع بعشرات المؤامرات من حولي ومن الشعور بالتبلد والعجز واليأس وأنا أسمع عن هذا الكم من المؤامرات والمتآمرين حولي. كيف وصل بنا الحال إلى أن يصبح كل حدث من تأخير الراتب، وانخفاض سعر البترول، وارتفاع سعر الطماطم وظهور حتى هذا المغني أو ذاك أو هذه المذيعة أو تلك أو ذلك البرنامج الكوري أو التركي مؤامرة؟ مؤامرات بداخل مؤامرات، يلد بعضها بعضا، تتكاثر وتأكل من حولها إرادتنا وقدرتنا على التحكم بمصائرنا.

أصبحت المؤامرة عملاً داخلياً خالصاً يستدعي ردة فعل رافضة وتستدعي اتهاماً مماثلاً من الطرف الآخر لينتج عنه مجتمع من المتآمرين والمشاركين في المؤامرات والمشجعين عليها.

لا أدري ما إذا كان التفكير والقبول بنظريات المؤامرة يولد الشعور بالعجز واليأس والهزيمة أو أن العكس هو الصحيح، لكن ما أعرفه هو أن اعتقادنا بأن حياة الآخرين وتصرفاتهم هو في الأصل مؤامرة للنيل منا، ولتدمير ديننا وثقافتنا أمر مبالغ به. كان التلفزيون في الماضي أكبر مؤامرة إعلامية للغزو الثقافي ثم جاءت القنوات العربية فأصبحت هي أيضاً جزءًا من المؤامرة، ثم أتى الإنترنت فكانت هو المؤامرة الكبرى ثقافيا، ومؤخراً أتت المواقع العربية الإخبارية والدعائية على الإنترنت لنشر سمومها فكانت هي أكبر مؤامرة بل إن كل واحد منها مؤامرة بحد ذاته.

لن أقول أن المؤامرات لا تحدث في هذه الحياة، فحتى في القانون الأمريكي تعرف المؤامرة باتفاق شخصين على جرم معين، لكن ما الذي نستفيد فعلاً من وضع كل شيء في قالب المؤامرة غير التسليم بأن الأمور خارج أيدينا وأن المتآمرين أقوى وأذكى وأمكر.
 

لقد تم الترويج لفكرة المؤامرة في المجتمعات العربية في الماضي ليتم دفع الشعوب للثورة ضد المستعمر والمتآمر الخارجي، لكن بعد هذه العقود من شرب كأس التآمر والمؤامرات، أصبح كل شيء في مجتمعنا مؤامرة، وأصبحت المؤامرة عملاً داخلياً خالصاً يستدعي ردة فعل رافضة وتستدعي اتهاماً مماثلاً من الطرف الآخر لينتج عنه مجتمع من المتآمرين والمشاركين في المؤامرات والمشجعين عليها.
 

طريف جداً أن نقضي كل الوقت نجمع خيوط المؤامرات ونحدد المتآمرين علينا في خيالنا ونحن لا ندري أننا في خيال الآخرين جزء من مؤامرة، وربما أعضاء في شبكة متآمرين. قد يتآمر العالم كله علينا لكنه لن يستطيع أبداً أن يضرنا بقدر ما نضر نحن أنفسنا. ومن المفارقات أنه وبعد هذا الكلام كله ربما يصبح كاتب السطور في أذهان البعض متآمر وجزء من مؤامرة تستهدف النيل من نظرية المؤامرة.



حول هذه القصة

المرصد ١٩/٠٩/٢٠١٦

أشار برنامج “المرصد” لإحصائية نشرت 2013 بينت أن كل أميركي يؤمن بنظرية مؤامرة واحدة على الأقل. وبحسب إحصاءات حديثة لا يثق نصف الأميركيين بالرواية الحكومية حول هجمات 11 سبتمبر.

Published On 19/9/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة