سأربيها على يديّ

في يوم ميلادي الثالث والعشرون أسقطت جنيني الأول، بعد أن عشتُ تفاصيل الحب معه لثلاثة أشهر، وأغدقتُ عليه من العشق وأمانيٍ من التفاصيل لا تعد، كنتُ أحاول خلالها أن أكبر مع كل يومٍ يكبرُ فيه الطفل بأحشائي، ودودة كنتُ حين الحديث معه، وكأني عدتُ طفلةً تحمل طفلة.

تعبتُ كثيراً لأن طفلي ذهب وهو أولُ الوافدين من أهل الدهشة والسعادة على روحي في حياتي الجديدة برفقة زوجي، حياتي التي كنتُ متيقنة فيها أني ما زلتُ صغيرة على كل مسؤوليات الحياة، ولكني بتُ أكبر في ظل زوجٍ يمدني بفيض من الصبر والتحمل، وعوناً لكل ظروف الحياة، كبرتُ لأني سأصبح أماً والحياة لن تنتظر صغري "كما كنتُ أعتقد" حتى أكبر، فأمنح واجباتي لعائلتي الصغيرة قبل أن أحظى بحقوقي، ولكن اتسعت الدنيا، فكان مضمار العطاء حاضراً بيننا، وكانت الحياة أيسر وأجمل. يبدو أني غصتُ في تفاصيلي، لكني لم أشأ، ولكن حينما أتذكر تلك الحادثة تجدني غارقة في المقارنات، كيف لطفلةٍ تُسرق طفولتها في المهد، وأنا التي في حقل العشرين لازلتُ أشعر نفسي كطفلة.

كانت الفتاة تبيت إلى جانب "حماتها" بغرفة منفصلة لعام كامل، حتى بلغت معالم الأنوثة وانتقلت إلى غرفة زوجها.

بجانبي تمددت "ضحى" بلباس المستشفى على سريرها الذي كان يكبرها بكثير، أنظر إليها فأبتسم وأداعبها قائلةً كيف حالك؟ ألف سلامة عليك، فترد عليّ بابتسامة خجولة، لأشعر بصغرها أكثر فأكثر. ولكني تساءلت في نفسي ما الذي يدفعها لأن تكون في ذاتِ القسم -قسم الولادة-، فسألتها بعد تردد عن سبب وجودها، فأجابتني "أسقطتُ جنيني"، أجل سقط الجواب كصاعقة تشق قلبي! "أنتِ متزوجة، كم عمرك؟" فأجابتني أنها تزوجت في عمر الرابعة عشر، ولم تُكن بالغة حينها، كيف، ومتى، ولماذا، شعرتُ وكأني في دوامة من الدوار لا تهدأ، حتى قصّت لي تفاصيل حياتها بهمسٍ حتى لا تسمعها أمها.

عادت من مدرستها بمريولها المدرسي، وبشعرها المتناثر، لتلعب في حارتها كما العادة، لتخبرها أمها أن ارتدي الحجاب وتعالي فهنالك عريس، لم تفهم الطفلة سوى أن هناك فستاناً أبيضاً سترتديه، فهي أقلُ من أن تدرك ما يكبُر عمرها الذي قضته في اللعب مع أطفال الجيران بحيَها، وأقل من أن تتجاوز لعبتها الصغيرة التي تتفنن في صنع ملابس لها، والاهتمام ببيتها وممارسة الأمومة الفطرية الصغيرة اتجاهها.

لم تترد العائلتين، فهم ليسوا بحاجة لاستشارة طفلة إذا نادت عليها أمها تركض هرولة، وإذا طلبت أطاعت، فهل سترفض حلماً بالفستان الأبيض! أقر موعد الزفاف على شاب يبلغ من العمر 17 عاماً، أراد أن يرتبط بفتاةٍ صغيرة كي يربيها على يديه ويد أمه كما أخبرته، وكي يُشكّلها كيفما شاء، وكأنها دمية يتقاذفها الزوج والآخرون، أي كيانٍ قد تبقى لطفلة سُرق العمر والحلم والجمال منها!

لأذكركم فقط، الطفلة لم تظهر عليها علامات الأنوثة، لكن إجراءات الزفاف سارية المفعول، وتم بالفعل عقد القران لها ولشقيقتها التي تكبرها بعام، تساءلتُ وغضبتُ في قرارة نفسي كيف يتم ذلك لطفلة، أجل كانت الفتاة تبيت إلى جانب "حماتها" بغرفة منفصلة لعامٍ كامل، حتى بلغت معالم الأنوثة وانتقلت إلى غرفة زوجها.

ها يَسعد الزوج بكائن أُلصق به، إن طُلب يطيع، وأن ضُرب صمَت! ألا يحتاج الإنسان الآدمي إلى شطر من الجمال والاختلاف يُكمل نقصه!

شعورٌ بالبكاء كان يراودني بين الحين والآخر، وحزنٌ يجتاح صدري كلما نقّلت نظراتي على جسدها الصغير الذي يتألم قسراً، فهي لم تكن الحادثة الأولى لها، بل تجاوزت 3 مرات، تُسقط طفلها، والأطباء يجيبونها بأنها صغيرة ولا يتحمل جسدها، وما زالت الطفلة كغريقةٍ في عالمٍ من الألم، سألت أمها أليس من الظلمُ أن يحدث هذا؟ فأجابتني: "لا عادي أنا تزوجت بعمرها، بكرة بتكبر"، هل أنتِ راضية عن حياتك؟ "لا بس بالآخر الواحد بيتعود". أجل ستعتاد على الظلم، على قتل الضمير، ودفن الطفولة في المهد، أي اعتياد يُرضى ذاك القلب المسكين الذي يخشى الحديث عن ألمه.

ومازلتُ كلما أتذكر الحادثة، أشعرٌ بغضبٍ على كل قلب أمٍ وأب، يجبرون أبناءهم على الكبر كي يتخلصوا من أعباء مسؤولياتهم، كيف لقلب أمٍ وأبٍ يرون طفلتهما التي لم تشبع من حنان صدرهما، ولا طفولتها، تتألم في كل لحظة من حياتها، أو هكذا يريحون ضميرهم الذي لم يشفق على عمرها حين الزواج، فكيف يشفق عليها الآن.

أولم يفكروا للحظة أن لو تُركت لتُبصر عيناها المستقبل، لتشبع حباً ، لتنهل علماً، لتحقق حلماً، لتختار زوجاً، ولتشق طريق السعادة بيديها التي اهترأت من الخدمة والتنظيف، أو هل يَسعدُ الزوج بكائنٍ ألصق به، إن طُلب يطيع وأن ضُرب صمت، أو لا يحتاج الإنسان الآدمي إلى شطرٍ من الجمال والاختلاف يكمل نقصه، حقاً لا أعي كيف يُفكر الجلاّدون.

كم أنا ممتنة لقلبِ أمي التي منحتني الحب في كل لحظة، ولأبٍ ساندني حتى آخر يومٍ عشته تحت ظله، شاكرةً لكل لحظةٍ دفعاني بها لأن أكمل حلمي بإتمام دراستي، ولتحقيق رغبتي في العمل، ولآخذ قراراً باختياري في كل أمرٍ يخص عالمي، مقبلةً ليداهما التي أوصلاني فيها لبرٍ من الأمان، ولحياةٍ من الوعي يملؤها النصح والحب والتوجيه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أكد رئيس الوزراء اليمني أن العمل جار على قدم وساق مع دول التحالف العربي لإعادة فتح مطار الريان بمدينة المكلا بحضرموت، مشيرا إلى أن المطار والميناء يعدان واجهة المحافظة للخارج.

أطلق ناشطون أردنيون دعوات شعبية لإطفاء الأضواء بالمنازل والمحال احتجاجا على اتفاق أردني إسرائيلي لاستيراد الغاز الإسرائيلي، وسبقت هذه الدعوة مسيرة نظمت الجمعة الماضي ترفض الاتفاق الذي تدافع عنه الحكومة.

الأكثر قراءة