حكاية "من يتق ويصبر"

"وكذلكَ نجدُ هؤلاءِ المخصبينَ في العيشِ المنغمسينَ في طيباتهِ من أهلِ الباديةِ ومن أهلِ الحواضرِ إذا نزلتْ بهم السنونُ وأخذتهم المجاعاتُ يسرعُ إليهم الهلاكُ أكثرَ من غيرهم". ابن خلدون

أتساءل: ما الذي يمكننا فعله إذا وقع المحذورُ ولم يعدْ بإمكاننا اتباعَ أذنابِ البقر؟!. هل هناك من مبدأ نحملهُ في صدورنا ونعيشُ لأجله ومستعدونَ أيضاً للتضحيةِ من أجله؟!. هل العلمانية الجزئية التي وقعنا في شراكها بِشَرَهِ المطعمِ والمشربِ والاستهلاك المجنون والحياة الافتراضية؛ تُمَّثِلُ قيمةً إيمانيةً تستحقُ منا البطولةَ والإيثار؟!.

كم تُثْيرُ أجيالنُا هذهْ.. الشفقة!، في ظل الرضى الذي تشعر به المعدة وقتاً ما، نكتب عن حلبٍ ودارَّيا، ننتقل سريعاً لمأساة الشهباء، تتحوُّلُ أنظارنا إلى غزة، ثم أراكان، وبعدها الموصل. لكن ما إن يدق الجوع الكاذب أجراسه حتى يبدأ نَهَمٌ جديد.
 

كلما وجدت مجتمعاً يميل أفراده إلى التضحية والتراحم وحمل همِّ الشأن العام، وجدت تماسكاً وقوة عميقة.. كالبنيان المرصوص في وجه الغزاة، كخلايا النحل في إدارة الكوارث والأزمات.

أصناف متنوعة تُقَّدَمُ قرباناً لهذا البطن الجاحد، الذي يخدعنا بجوع وهمي لا حقيقة له. يقول لنا: أظهروا كل عبارات التعاطف وأمعنوا في الشجب والاستنكار بكل ممكن. لكن احذروا أن تصلوا لليقين والإيثار لأن هذا يعني ببساطة "جوعاً صادقاً" يُدمّْرَكم وينهي كل أمل لكم بالدنيا. ألستم تستسلمون لجوع كاذب بأدنى السبل، فكيف إذا صدق جوعكم وتقزمت بطونكم وحيل بينكم وبين ما تشتهون؟!.

ترويض النفس على القصد في الغنى والفقر، وكثرة التأمل في حقيقة الدنيا، وإشغال العقل والقلب والبدن بما ينفع ويمكث في الأرض، سُبُلٌ غايتها تحقيق الصبر. فالصبر عبادةٌ محضة، فيه يتجلى الإيمانُ واليقين، وينحني الكذبُ والممالأة والخيانة أمامَ عاصفة الصدق والشجاعة والتضحية.

الإيمانُ المستقرُ في النفوس ليس له تاريخ انتهاء!. والمبادئ لا تنصهر في قالب التشيئية. الزينة التي ظهر بها فرعون وملأه لم تمنحهم صدق الإيمان ولا نقاء المبدأ. وحياة موسى عليه السلام بادئ الأمر، ظاهرها الذل والتشرد والخوف. لكن باطنها وكنهها الإيمان الجالب للعزة والنصر والتمكين.

في رائعته "يا صاحبي السجن" يقول أيمن العتوم "مساكينٌ أولئك الذين ظنّْوا أن الموتَ أو الغياب السحيق سوف يوْدْي بصاحبِ الجب، لم يدر في خلدهم يوماً أن الفضاءات المطلقة تبدأ من الجحور الضيقة. هنالك تصنع الحياة، ويعاد ترتيب مكوناتها. هناك يتهجأُ الإنسانُ حروفَ ولادته من جديد".

تخيّل أمةً كاملةً بلا تضحيات. تخيّل أمةً كل فرد فيها منكفءٌ على نفسه.. أقصى أمانيه راحةَ نفسه وطيبَ معاشه وسلامةَ أطفاله. تخيّل أن شاباً في الطبقة دون الوسطى أو الوسطى، ويعملُ بفرع شركةٍ عابرةٍ للقارات في بلده يقول: جنى السوريون على أنفسهم.. جنى المصريون واليمنيون على أنفسهم، وعلى نفسها جنت براقش!. لقد طلَّقوا الاستقرار، والاستقرار يزيد فرصَ مبيعاتي، الأمر الذي يزيد في العمولة التي أتقاضاها كل شهر!.

حتى القضايا الاجتماعية والاقتصادية والصحية.. حين ينشط شابٌ متحمس يريد الاحتساب وليحقق ذاته، ولأنه يحمل في أطواءِ ضميرهِ همّاً مُلّحاً لتقديم ما ينفع به أمته أو وطنه. ومع ذلك، تجدُ من حوله يرمقونه بنظرات الاشمئزاز والنقد.. ما لك وهذا؟!. ألستَ بخير؟!، تَمْلكُ دخلاً ممتازاً ومستقر. كما أن عليك واجبات تجاه نفسك أنت أولى بالانشغال بها عن الانشغال بغيرك!. 

هذه الروح المُثَــــبّْـــطة وغرائز الأنا هما معولا الهدم الأساسيان لأي مجتمع. وكلما وجدت مجتمعاً يميل أفراده إلى التضحية والتراحم وحمل همِّ الشأن العام، وجدت تماسكاً وقوة عميقة.. كالبنيان المرصوص في وجه الغزاة، كخلايا النحل في إدارة الكوارث والأزمات.
 

إن المشترك بين الرموز المذكورة هو التعففُ عن الانغماس في ماديات الدنيا. لأن ذلك التعفف يبني نفساً قوية؛ تأنفُ الخنوع والذل وتغارُ على الدين والدولة والمجتمع.

الثبات على المبدأ وعمق الإيمان في النفوس يصنعان للأمة نماذج لا تنسى. لما سجن ابن تيمية في سجن القلعة، سجنته السابعة بسبب رأيه كان يقول "جنّْتي وبستاني في صدري، أنَّا اتجهت فهي معي لا تفارقني.. سجني خلوة، وقتلي شهادة، ونفيي سياحة..". وقالها أيضاً في مناسبات سجن سابقة.
 

كَتَبَ سيد قطب أفكاره ودافعَ عنها، ووقف شامخاً بكبريائه بينما خطيئة "الزعيم الأوحد" تقف واجمة ذليلة أمامه، حتى إذا أُسقِطَ في يدها، ولم تعد قادرة على الانتصار لذاتها، عادت للحل الأخير كالعادة.. السجن وفصل الروح عن الجسد.

بين مشهد علماء السوء الذين ظنوا أنهم اشتروا حياتهم القليلة بالدعاء لولي الأمر موسوليني ونائبه غراتسياني.. وبين عمر المختار الذي قال لغراتسياني "لا شيء نريده إلا طردكم من بلادي، لأنكم مغتصبون، أما الحرب فهي فرض علينا".

في الخمسينات ميلادية، أودع فضيلة العلاّْمة يوسف القرضاوي السجن الحربي، كان وقتذاك شاباً لن تفلتَ منه امتيازات (الحياة الدنيا) لو انحنى!. كان الإيمانُ دليله والصبرُ كيمياءُ حياته. وقد كتب نونيته الراسخة في تاريخنا المعاصر ومما قال فيها:
لا تحزنوا إنّْي لربي ذاهبٌ .. أحيا حياةَ الحرِ لا المسجون
وامضوا على دربِ الهدى لا تيأسوا .. فاليأسُ أصلُ الضعفِ والتوهينِ

ثم يقول:
أُمّْاه حسبكِ أن أموت معذباً .. في اللهِ لا في شهوةٍ ومجونِ
ما خنتُ ديني أو حماي ولم أكنْ .. يوماً على حرماتهِ بظنينِ

إن المشترك بين الرموز المذكورة هو التعففُ عن الانغماس في ماديات الدنيا. لأن ذلك التعفف يبني نفساً قوية؛ تأنفُ الخنوع والذل وتغارُ على الدين والدولة والمجتمع، تصبرُ على لئواءِ الظلم والقسوة والتهجير، وتدفعُ الثمنَ لذلك مهما كان باهضاً.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تضرب جذور المسيحيين العرب عميقا في أرض فلسطين، فالقدس تشع دوما بالحياة وتغذيها، واستقبلت على مر العصور إخوة وأخوات في الإيمان كحجاج مقيمين وعابرين، دعتهم للتعرف على المصادر المغذية لإيمانهم.

تنتظر المناطق المحاصرة في سوريا اليوم بفارغ الصبر وصول قوافل المساعدات الإنسانية الموعودة التي لا تزال عالقة رغم انحسار أعمال العنف إلى حد كبير إثر الهدنة التي ترعاها واشنطن وموسكو.

الأكثر قراءة