البحث العلمي في تونس في مهب السياسات

"يجِبُ أن تكُون سياسات العُلوم والتّكنُولوجيا مزيجًا من الواقعيّة والمِثاليّة" كريس فريمان

يُقصد بالبحث العلمي تلك التقنيات والنشاطات والآليات التي تُسلّط الضوء على الظواهر الطبيعيّة من خلال الدرس والبحث، وتُعدّ الطرائق المتّبعة لذلك سواء النظري منها أو التطبيقي أو الرّقمي عُنصرا ضرُوريا يضمن إضافة نظم أو تقنيات ومعارف جديدة وذلك باستخدام نتائج البحث من أجل إدخال تحسينات سواء في المنتجات أو في العمليّات الإنتاجية والإدارية، وأمام التحوّلات القتصادية المعاصرة المبنيّة أساسا على المعرفة والتنافسية، باتت وظيفة البحث والتطوير بمثابة قطب الرّحى في المخططات التّنموية، بما يجعل المُنافسة معرفية بامتياز.

يظل التشخيص الرصين والعلمي لواقع التعليم في تونس بجميع مراحله من أولى الخطوات المطلوبة والمتأكّدة.

والمؤكد لدينا أن ضمان التجديد من ضمان الاستخدام الفعلي لمخرجات أنشطة الابتكار في سبيل التحسين الكلّي والجزئي بما يؤدي وجوبا إلى دعم القدرة التنافسية ويُحقّق الاستمرار والنمو للمؤسسة وللاقتصاد الوطني ككل.

لطالما نُظمت المُؤتمرات والنّدوات لمُناقشة أزمة البحث العلمي وفي كل مرة نجدُ بأن المُخرجات تصبّ في خانة واحدة، والتوصيات تكاد تكون عبارة عن نسخ ولصق على غرار: ضرورة توطيد العلاقة بين المؤسسات المجددة ومراكز البحث والجامعات ، ملائمة التكوين مع متطلبات سوق الشّغل، تحسين وتيسير التواصل بين قطاع البحث العلمي والمنشآت الصناعية.. إلخ. وكلّ هذا يندرج ضمن الاستشارات النظرية المُتتالية والتي غالبا ما تخضع لحسابات حزبية وسياسية في ظل دور مفقود لصناع القرار.

يظل التشخيص الرصين والعلمي لواقع التعليم في تونس بجميع مراحله من أولى الخطوات المطلوبة والمتأكّدة، وهو ما يستوجب مُشاركة مُجتمعية أساسها الشفافية والتفاعل البنّاء والاتصال المستمر بين كل الأطراف المعنيّة من باحثين وناشطين في المُجتمع المدني و كذا الدولة بجميع مؤسساتها، حيث يتم بمقتضاها ضبط الأولويات والتوقعات والاهتمامات والمسؤوليات المشتركة اعتبارا لكون قضية الإصلاح هي أمر مُجتمعي وقضيّة أمن قومي، ومدخلا من مداخل تكريس مبدأ ديمقراطية التعليم المنشودة.

ويظل الطرح الجريء لقضيّة وضع البحث العلمي والباحثين من باب القناعة التامة بأن مسؤولية تخلف البحث العلمي ليست في أعناق الأكادميين الذين هاجروا من بلدانهم قاصدين جنات الحرية الأكاديمية والبيئة التعليمية والبحثية الرغيدة في دول أمريكا وأوروبا واليابان، أو إلى دول الخليج حيث تتضاعف أجورهم أكثر من ثلاث مرّات، تلكم هي الظاهرة التي عمّقت أزمة البحث العلمي في المنطقة العربية ككلّ.

إن المتتبّع لشأن العديد من المؤسسات البحثية في تونس يلحظ وبدون أي مجهود أو أي سبر آراء ولا إحصائيات بأن التهميش قد طال أغلب الكوادر البحثية.

إن حال واقعنا يقول بأن رجال السياسة المتعاقبين أفسدوا على رجال التعليم والبحث حياتهم الأكاديمية، فخلال السنوات التي عقبت مرحلة الاستقلال ترسّخت البيروقراطية والتعقيدات الإدارية والتنظيمية ناهيك عن الفساد الإداري والمالي الذي طال المؤسسات البحثية، كما أن تدنّي أجور الباحثين وخصوصا في حقبة نظام بن علي وإخضاع بعض مراكز البحث وكذلك الجامعات لسلطة بعض الموالين للنظام، حتى أصبحت سياسة إصلاح التعليم تحكمها اتفاقيات قائمة أساسا على ضمان استمرارية الحكم وليس على أساس إدراك التقدم وإنتاج التكنولوجيا المتطورة.

إن المتتبّع لشأن العديد من المؤسسات البحثية في تونس يلحظ وبدون أي مجهود أو أي سبر آراء ولا إحصائيات بأن التهميش قد طال أغلب الكوادر البحثية بطريقة لا تتوافق وسياسات الدولة ولا تنسجم مع ما جاء به دستور الثورة، من هنا بدأ سرطان الهجرة للنخب العلمية ينخر جسد الجامعة التونسية، حتى الاساتذة الذين ارتبطت مصالحهم ببلادهم وعجزوا عن الهجرة للخارج فقد هجروا البحث العلمي وكذلك مهامهم كمؤطرين لاعتبار أنه لا يضيف لهم شيئا لا ماديا ولا معنويا، إضافة إلى غياب آليات جديّة لمراقبة سير البحث لدى الاساتذة الذين هم بالأساس باحثين، ناهيك عن العمل النقابي في جامعاتنا الذي فقد مصداقيته لدى غالبية الأساتذة خصوصا في ظل استقطاب العمل النقابي وأحاديته وغياب الجرأة والإرادة السياسية على الذهاب نحو تعدّدية نقابية حقيقية فاعلة مضمونة بالدستور تكون مهمتها تقديم البدائل والبرامج والدفع نحو عملية التغيير والتجديد.

إن السياسة المتبعة اليوم والتي ورثنا قوانين تسييرها من نظام بائد دكتاتوري ستؤدي خلال سنوات إلى "تشييخ" المنظومة، حيث أن السنوات القليلة التي مرت وكذا القادمة سوف تشهد إحالة عدد كبير من الجامعيين على التقاعد من الذين تُوكل إليهم مهمة التأطير وإدارته، وهو ما سيخلق فجوة كبيرة في منظومة تأطير طلبة الماجستير والدكتوراة وإدارة المخابر والخلايا البحثية مقارنة ببلدان أخرى حتى العربية.

إن من أوكد الأمور اليوم كخطوة أولية لمحاولة إنقاذ الجامعة هو مراجعة كل القوانين المتعلقة بتسيير المؤسسات التعليمية والبحثية عبر مراجعة قوانين الانتخابات وتفعيل دور المجالس العلمية التي باتت أشبه ببرلمان المخلوع في العديد من الجامعات والمدارس، وكذلك السعي نحو ترسيخ مبدأ رفع يد السلطة عنها بما يضمن استقلاليتها وبالتالي اكتساب الحرية الكاملة في رسم سياساتها وبرامجها.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة