الدولة بين السياسة والاعتقاد

blogs - counsel

يعتبر الإنسان كائن اجتماعي كسائر الحيوانات التي لا تستطيع العيش إلا مجتمعة قصد توفير الحماية لنفسها وضمان الاستمرارية في الحياة، إلا أنه كائن ناطق يميزه العقل وسمو الروح فيه والذي من خلالهما أحكم سيادته على الطبّيعة ووظّف ثرواتها الطاّقوية والغذائية قصد تلبية حاجياته المعيشية اليومية وما فيها من خيرات.
 

يختلف مفهوم الدّولة من مكان إلى آخر ومن حقبة لأخرى ومن أبرزها الدّولة الخلدونية التي كانت الأقرب إلى الواقع عن سائر التّعاريف التي قدّمها الفلاسفة والعلماء.
 

سميت الدولة بالنسيج الاجتماعي، وهو تجمع سكّاني يسمح بضمان حقوقه الفردية أمام الجماعة بمقابل واجباته تجاهها في إطار اتّفاق.

يرى ابن خلدون أن الدّولة تؤسّس نفسها بشكل تلقائي وطبيعي باعتبار الإنسان كائن لا يستطيع العيش إلّا في تجمّع سكانيّ وهذا هو الضّعف الذي يعتبره ركن من أركان الدّولة فهو يحتاج إلى خدمة بعضه بعضا، لغرض تنظيم شؤون حياته من مأكل ومشرب.

كما يشير إلى حاجة الإنسان إلى توفير الحماية وتحقيق الوقاية ضدّ الحيوانات المفترسة في إشارة إلى دراسة النّسيج القومي والقبلي الذي يكوّن الدّولة حيث يبيّن حاجة كل فرد داخل القبيلة إلى حمل السّلاح للدّفاع عن نفسه أمام هذه الحيوانات وأمام التّجاوزات والظّلم المحتمل الذّي قد يصدر عن أفراد داخل قبيلته أو من خارجها "فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم" (مقدمة بن خلدون 33 ) حتى يضمن الغلبة عليهم ويبسط حينها سيادته وهذا هو السّلطان حسب رأيه.

وقد سميت الدولة بالنسيج الاجتماعي، وهو تجمع سكّاني يسمح بضمان حقوقه الفردية أمام الجماعة بمقابل واجباته تجاهها في إطار اتّفاق يسمّى أحيانا بالأعراف أو التّقاليد التي تمثل قواعد سلوكية تضبط تصرّفات الأفراد والجماعات ومخالفتها تؤّدي إلى حرمان الفرد من بعض حقوقه أو أغلبها حسب طبيعة التّجاوزات.

و قد رسمت سيوف الأباطرة حدود التجمعات البشرية عبر التاريخ، وأبرزها في روما قديما وأثينا والحضارة الفرعونية وحضارات أخرى في الشّرق مثل الهند والصّين كونها كانت متجرّدة من أهم أركان بناء الدّولة، وهي تحقيق المصالح الطّبيعية والإنسانية للجماعة من خلال توظيف واجبات الفرد قصد تحقيق تلك الحقوق وليس من خلال التّجنيد الجبري والإكراه على خدمة فرد واحد يحتكر السّلطة لنفسه بذريعة الوحي الإلهيّ أو احتكاره للقوّة القاهرة فوق الجماعة، حيث يفرض عليهم نمط حياة معيّن طوعا أو كرها.

وعندها يختزل معنى السّلطة والدّولة في قوّة وزعامة الشّخص الحاكم وقد تسقط بسقوطه وسقوط عرشه لعدم وجود أركان أخرى قد تحافظ على هيكلها؛ بما في ذلك الخلافة العبّاسية التي تناثرت أركانها كالهشيم، بينما ظهرت بعض معالم الدولة الخلدونية منذ القديم وفي عهد الإغريق والرّومان وآخرها الدّولة الإسلامية، اشتركت كلها في تمكين الجماعة من رسم قواعد وأعراف وفقا لشرائع سواءً كانت سماوية أم من صنع الإنسان، وقد صنفها بالعصبيّة والاعتقاد إلا أنها كانت المرجع الأساسي لتمكين حقوق وواجبات لتحقيق حاجات ومصالح الفرد والجماعة.
 

لا يكتمل بناء الدّولة في العصر الحديث إلا بوجود مجموعة أفراد تعيش ضمن إقليم جغرافي معين تحكمهم مجموعة من الأشخاص المفوضين لغرض قيادة الأمة ورعاية مصالحها المعنوية والإنسانية وأن يكون معترف بها دوليا.
 

فتعلق حينها مفهوم ومصير الدّولة في العصر الحديث بالقواعد القانونية العالمية المتفق عليها بعد الحرب العالمية الثانية وأصبحت عبارة عن مجموعة من المؤسسات المكلفة بتمثيل إرادة الشعب وممارسة سيادته على كامل ترابه الجغرافي عبر نظام سياسي معتمد من طرف المجتمع الدولي، وأصبح شكل الدول يخدم مصالح الحلفاء التي خرجت منتصرة بعد هذه الحرب بينما الإخلال بهذه النظم قد يعزلها عن "المجتمع الدولي" وإن استوفت وجود أركان الدّولة فيزيائيا إلا أنها لا تستوفي موافقة "المجتمع الدولي" وتبقى فلسطين أبرز مثال كدولة مستوفية جميع الشروط والأركان اللازمة "لقيام" دولة، بينما هي قائمة منذ القرن التاسع عشر تحت الاستعمار الصهيوني الذي أزال كل معالم الدّولة لهذا الغرض: استولوا على الأرض، رحّلوا ونفوا وهجّروا الشعب ، نهبوا المعالم التاريخية، حاصروا المقدسات، حرقوا المراجع التاريخية الفلسطينية التي كانت باللغة العربية وما بقي منها ترجموها إلى العبرية ونسبوها إليهم ولم يتركوا لها آثار ولا أثر.

و برأيي "المجتمع الدولي" لم يبق هناك دولة تحت الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية، بل وقد عمد إلى إنشاء هيئة أممية لغرض تصفية الاستعمار حول العالم سعى إلى تخليص الصين من الوجود البريطاني على مقاطعة تايوان ووضعت هذه الهيئة تحت قيادة "دولة إسرائيل" في سنة 2013، فكشفت الأمم المتحدة عن فراغ كبير في إداراتها يحمل مخططا كبيرا يهدف إلى قيام دولة على أنقاض دولة أخرى؟

لم يبق تعريف الدّولة من مصلحة العلم ولا من مصلحة التّاريخ والمؤرّخين، بل أصبحت كلّ القواميس اللّغوية الخاصّة بهذا الشّأن رهينة المصالح السّياسية.

إن خريطة العالم الحالية رسمها "مجلس الأمن" بعد الحرب العالمية الثانية باستعمال أسلحة الدمار الشامل كان آخرها في كوريا وألمانيا وبعض المناطق في آسيا وفي إفريقيا وأمريكا اللاتينية لا توجي بجلب استقرار عالمي. استقرت هذه الحدود بفضل قرارات مجلس الأمن الدولي أين يتم إعادة رسم خرائط الدّول من جديد إذا ارتأت أعضائه المالكة لأسلحة الدّمار الشّامل أنّها تهدّد مصالحها.

تمّ اقتطاع السّودان من مصر بعد الحرب العالمية الثّانية ،ثم اقتطاع جنوب السّودان من السّودان في العصر الحديث ، وتم تفكيك الكوريتين إلى شطرين وألمانيا إلى جنوبية وشمالية بعد الحرب العالمية الثّانية وتمّ اقتطاع باكستان من الهند ثم الكشمير من الهند وباكستان والأمثلة كثيرة لا حصر لها ولم يبق تعريف الدّولة من مصلحة العلم ولا من مصلحة التّاريخ والمؤرّخين، بل أصبحت كلّ القواميس اللّغوية الخاصّة بهذا الشّأن رهينة المصالح السّياسية للدّول العظمى ورهينة مصالحها العليا وإن كانت على حساب مصالح الدّول الأخرى.

كانت إيديولوجية كلّ من الشّرق والغرب وراء مجمل هذه التّقسيمات ولم يبقى معنى الدّولة يقتصر على الحدود السّياسية للدّول العظمى المتصارعة؛ بل تجاوزها إلى الحدود الجغرافية للدّول الحليفة والمتحالفة. فعندما تعلن بعضها أن أمن الدّول الحليفة جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، كأمن إيران المتعلق بأمن لبنان وسوريا واليمن والعراق ويصرح الدبّ الرّوسي أن أمنه القومي يمتدّ إلى جمهورية أوكرانيا في أوروبا، نقطة التماس مع حلف النيتو وعندما تعلن أمريكا أن أمنها القوميّ مرتبط ارتباطا أكثر من مباشر مع الدّولة الصّهيونية بالشرق الأوسط وغيرها في من الدول الحليفة في آسيا وفي إفريقيا، والأمثلة كثيرة فعندها نقول أن الدّولة قد انهارت بمعناها النظري وهو الانهيار الذي يسبق الانهيار المادي للدولة وهي بالذات علامات السقوط الحضاري.