شعار قسم مدونات

عاشوراء

blogs-سوريا
انطلق من مكة المكرمة في شهر ذي الحجة عام ٦١ للهجرة إلى ما يُعرف اليوم باسم مدينة الكوفة. رحلة الثلاث أسابيع هذه ستكون علامة فارقة في تاريخ الإسلام، حيث ستنتهي بيومٍ حزين هو يوم عاشوراء والذي كان عبارة عن كلمة حق في وجه الباطل، ليصبح كلمة حق أُريد بها باطل.
 
أولئك الذين يؤيدون ثورة الحسين وينادون باسمه لا يفهموا -أو لا يودّون أن يفهموا- معنى الحرية والظلم

كان الإمام الحسين – رضي الله عنه- قد حصل على آلاف الرسائل من الكوفيين قبل مغادرته مكة المكرمة، وقد أكّد أهل الكوفة في تلك الرسائل أنهم -وسوف يظلّون- مؤيدين له، وأنّ اثني عشر ألف رجل على أهبة الاستعداد للدفاع عنه والتضحية بأرواحهم من أجله. فقد كان الحسين ريحانة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وسيّد شباب أهل الجنة، كيف لا وهو ابن سيدنا علي بن أبي طالب -كرّم الله وجهه- وفاطمة الزهراء -رضي الله عنها وأرضاها-، وشقيق الإمام الحسن -رضي الله رضي عنه وأرضاه-.
 

خلال رحلته، كان الإمام الحسين قد التقى العديد من صحابة رسول الله. وجميعهم قدموا له النصيحة ألا يُكمل رحلته، ومنهم من توسّل إليه أن يعود أدراجه، وحذّروه من أنّ الكوفيين "لن يلتزموا بوعودهم له"، ولكن على الرغم من ذلك، واصل الإمام رحلته إلى الموت. وفي المرة الأخيرة أوقفه الشاعر الفرزدق الذي التقاه على الطريق وقال له "أما القلوبُ فمعك، وأما السيوفُ فمع بني أمية، والنّصرُ من عند الله"، وأكّد له مراراً وتكراراً أنّ الموت لا مفرّ منه. إلا أنّ الإمام الحسين عبّر عن تقديره للنصيحة وتابع طريقه.
 

لماذا؟ هو السؤال الأول الذي يراودنا. لماذا أيها الإمام العظيم؟ لماذا كنتم على عجلة من أمركم لمواجهة مصيركم؟ لماذا تجاهلتم نصيحة جميع الذين حذروك من موتك؟
 

المفكر الإسلامي علي شريعتي وصف موت الحسين بأنّه كان "ثورة وعي"، وقال في ذلك:
"هو الرجل الذي يجسّد كلّ القيم التي تم تدميرها، ورمزاَ لجميع الأفكار التي تم التخلّي عنها، يبدو أنه فارغ اليدين، ليس لديه شيء. يقف الإمام الحسين الآن بين عدم قدرته على البقاء صامتاً وعدم قدرته على القتال. ليس لديه سوى سلاح واحد، وهو الموت. إذا لم يكن بوسعه الانتصار على السلطة الحاكمة، فيمكنه على الأقل إدانتها. بالنسبة له، الشهادة ليست خسارة، لكنها اختيار. هو سيضحّي بنفسه على عتبة الحرية، وبهذا يكون قد انتصر"
 

إنّ الإمام الحسين شاهداً "على جميع الشعوب المضطهدة من التاريخ. وهو موجودٌ في كلّ الحروب والصراعات، وساحات القتال من أجل الحرية في كلّ زمانٍ ومكان. هو استشهد في كربلاء حتى يُبعث في كل الأجيال والأعمار"
 

وحينما اشتعلت الثورة السورية فكأنما تم بعث روح الإمام الحسين فيها، فبغض النظر عن مدى تعقيد الوضع في سوريا، فكلّ مُسلم عاقل على وجه هذه الأرض لا يمكنه إلا أن ينحني لبطولة السوريين الذي أشعلوا فتيل الثورة، بالرغم من أنّهم كانوا يعون تماماً أنّ لا مفر من الموت. بالرغم من أنّهم كانوا يعرفون ما ينتظرهم، إلا أنّهم فضّلوا أن يكملوا طريقهم، تماماً كما فعل الإمام الحسين، وبذلك يكونوا منارة وشعلة.
 

بكلّ بساطة ثورة الحسين هي ثورة المظلوم على الظالم ويوم انتصار الدم على السيف

وأخيراً وليس آخراً، لعلّنا نرى في يوم عاشوراء درساً نتعلّم منه الثورة ضد الطغيان والظلم لأجل كلمة حق.. لعلّ يوم عاشوراء يكون تذكرة لجميع الأمة الإسلامية بأهمية الوحدة بين المسلمين، وعبرة لما سيؤول إليه حالنا في ظلّ التفرقة. سيد شهداء الجنة، الحسين بن علي، لم يكن شيعياً ولا سنياً، والثورة التي ثارها ضد يزيد بن معاوية حملت معانٍ كثيرة، أهمّها: التضحية والحرية والحق، حيث أنّ يزيد لم يمثّل سوى حكم ديكتاتوري من أيام الحكم العاض، فهو قد ورث الحكم عن أبيه معاوية بن أبي سفيان. أما اليوم، فأولئك الذين يؤيدون ثورة الحسين وينادون باسمه لا يفهموا -أو لا يودّون أن يفهموا- معنى الحرية والظلم.. يدعمون الظالم ويقاتلون بصفّه ناسين -أو بالأحرى مُتناسين- أنّ "الحسين" الذين يقتلون ويذبحون باسمه بريءٌ منهم ومن أفعالهم.
 

ثورة الحسين ثورة حقٍ فيها معنى التضحية وإسقاط الظلم ولو كلّف ذلك الإنسان كل ما يملك. ولو كان الإمام الحسين موجوداً بيننا، ما كان ليقبل بما يقترفه من يدّعون أنهم أتباعه ويحملون راياته.. بكلّ بساطة ثورة الحسين هي "ثورة المظلوم على الظالم ويوم انتصار الدم على السيف"