معاناة العرب مع الغربة الافتراضية

blogs - phone

فرضت وسائل الإعلام الجديدة، وشبكات التواصل الاجتماعي خاصة، نفسها على إنسان القرن الواحد والعشرين، وغيرت ووسّعت من بعض المفاهيم والتصورات.. ومن ذلك الغربة التي صارت متعددة الأشكال والظواهر.

فليست الغربة هي أن يعيش الإنسان بعيدا عن مسقط رأسه أو مدينته أو وطنه.. أو أن يعيش الفرد بين الناس لكنه لا يجد من يفهمه أو يتواصل معه.. هذه المعاني وغيرها لا تزال حاضرة لكنها فقدت نضارتها وبريقها لدينا نحن أبناء "العصر الرقمي الجديد".

ففي ظل انتشار شبكة الإنترنت، توسع مفهوم الغربة وصارت له أشكال وظواهر، ويمكن التعبير عن ذلك الخليط الجديد بمسمى "الغربة الافتراضية"، التي تتضمن دلالات جديدة تواكب العصر وأدواته الإلكترونية والذكية التي ملأت جميع الفضاءات من حولنا.
 

الفرد من دون الإنترنت وشبكاتها تتقادم علاقاته الاجتماعية وتذبل وتكاد تموت إذا اقتصر على العلاقات المباشرة على الأرض.

من تلك الظواهر أن تعيشَ في الواقع الحقيقي دون أن تهتمَّ لما يجري في الإنترنت من تحركات صولات وتحولات، أو أن تتواصل مع من حولك دون أن تستعمل الإنترنت وخدماتها وشبكاتها المتعددة، إن ذلك يعني، وفق ما قال عالم الاجتماع نديم المنصوري، أن الإنسان يحكم على نفسه بأن يعيش "أوف لاينا" حقيقة، أي أنه يحيا نصف حياة!

وما يزيد هذه الحقيقة وضوحا أنك وأنت تعيش مع عائلتك وأصدقائك ومعارفك، تعرف ظاهرهم المشاهَد أو "الواقعي" فقط، وقد صار سهلا التعرف على بعض من دواخلهم بالولوج لعوالمهم وشبكاتهم الافتراضية لتتعرف على أحوالهم المضمرة وما فيها من تعبيرات نفسية وفكرية وسياسية وغيرها، أو ما يعبر عنه بالشق المسكوت عنه واقعيا والمعلن عنه في الإنترنت.

إن الاقتصار على ما يقع على أرض الحياة يدخل الإنسان في غربة جديدة مع من حوله، فلا يتيسر له التواصل ولا التعايش معهم وفق متغيرات زماننا، فيظل مغلولا بالجانب الظاهر دون أن يدرك بعض ما يخفى عليه في الجوانب المستورة، لقد شرّعت الإنترنت وشبكاتها التواصلية أبواب التعرف على حقيقة من حولك من أبناء وإخوة وأصدقاء ومعارف وتتتبع آثارهم على الإنترنت! لتقف على المضمر من الأحاسيس والتفضيلات والأفكار وغيرها.

كما أن الفرد من دون الإنترنت وشبكاتها تتقادم علاقاته الاجتماعية وتذبل وتكاد تموت إذا اقتصر على العلاقات المباشرة على الأرض حيث قد تحول مهام ومسؤوليات وغيرها دون تحقيق تواصل مستمر وأعمق، في المقابل صارت وسائل الإعلام الجديدة تضم تجمعات إنسانية تحيي أواصر الصداقة والإخوة بين الأصدقاء والأسرة الواحدة بكلمات وصور وأشرطة وغيرها من أشكال التواصل، بل إن هذه الوسائل ساهمت في التقاء أصدقاء بعد سنوات عديدات من الفراق.

هذا الجانب الاجتماعي يطمر أشكال الغربة القاتمة التي تساهم بدورٍ في تفتيت المجتمعات وتقسيمها إلى مجموعات منغلقة على نفسها، فقد حذرت العديد من الدراسات من عزلة الفرد داخل ما سميت "القرية الكونية" حيث يبحث عن من يماثله في الأفكار والتصورات، ويبتعد عن من يخالفه الرأي والفكرة، ناهيك عن المرجعية، فيظل الشخص حبيسا لتصورات واحدة وفكر واحد ولا ينفتح على رؤى ومرجعيات مخالفة مما يعطل ملكة النقد لديه من جهة، ويساهم في ضعف التواصل بين الأفكار داخل المجتمع الواحد من جهة أخرى.

وبهذا ينقل إنسان العصر الجديد انتماءه وقبيلته، كما يقول جمال السند، إلى عالم الشبكات الاجتماعية، ويبني أسوارا عالية في عالم مفتوح على كل الانتماءات والآراء والمرجعيات، بل إن الدول نفسها صارت تبني أسوارها الوطنية لكي "تحمي" مواطنيها من العزو الإنترنتي مثلما فعلت الصين وإيران وغيرهما، ومثلما تخطط دول غربية كبرى لذلك.

ومن أخطر أشكال الغربة الافتراضية الجديدة، أن إنتاج العرب في شبكة الإنترنت لم يتجاوز 3 في المئة حسب آخر تقرير دولي، نصف هذه النسبة عبارة عن ترجمة ركيكة لإنتاج الغرب، وقد كشفت دراسة عربية أن 80%ة من المستخدمين العرب يكتفون بالتصفح والمشاهدة لما ينتجه الآخرون، أما النسبة المتبقية (20%) فغالبيتها تعيد "تدوير" ما أُنتج نسخا أو إعادة إرسال، في حين تقوم فئة قليلة بواجب صناعة محتوى عربي لهذه الفئة أو تلك.
 

لقد صارت الحياة اليوم عملة ذات وجهين، لا غنى عن أحدهما عن الآخر، ولا قيمة لها من دونهما جميعا، ولا بد من كسر العزلة على أرض الواقع وفي العالم الافتراضي في آن.

ولمن يريد أن يتعرف على حال الإنتاج العربي في الإنترنت ما عليه سوى البحث عن أفضل عشر روايات أو قصص للأطفال أو الشباب، حيث سيجد أن المنتوج الغربي هو الحاضر، في حين يغيب المنتوج العربي إلا من نسخ "بي دي أف" لروايات وقصص قديمة، أما إذا بحثت عن فيديوهات موجهة للعرب الصغار والشباب وحتى الكبار فستجد أن أكثر من 80% منتجة من قبل مستخدمين غربيين، سواء كانوا أشخاصا أو مؤسسات. وهنا لن أقف على طبيعة ما ينتجه المستخدمون العرب، فهذا الباب سيفتح أبوابا مخيفة لغربة الهوية الحضارية، ثقافة وتاريخا وعلوما وعادات وتقاليد وغيرها!

ومما يزيد من غربة المنتوج العربي في الإنترنت غياب المؤسسات الثقافية لهذه الدولة العربية أو تلك وما يعنيه ذلك من غياب وغربة الكنوز التاريخية والحضارية عن أبنائها الذين يلجؤون إلى منابغ غربية للتزود المعرفي والثقافي وغيرهما، مما يجعل المستخدم العربي أسيرا للإنتاج الأجنبي الذي يروج لثقافاته وحضاراته ورؤيته وسلعه..

غربة العرب واللغة العربية في الإنترنت يعمقها أيضا أن المبادرات الكبرى التي ترى النور في هذا البحر الإنترنتي اللجي بعد أن تصير منارة لافتة وشمسا مشرقة، يأتي من يسنفها بسلطة قرار ونظرة مادية ضيقة، فيلغي ذلك الإشعاع وتلك الإنجازات التي بنيت بجهود جبارة وتضحيات جسام وأموال كثيرة، فلا هو قدّم شيئا جديدا ولا هو ترك الآخرين يواصلون البناء والتطوير والتجديد.

فقد كانت بعض المواقع الإلكترونية ملجأ وقبلة للملايين من المستخدمين والمتصفحين العرب والمسلمين حول العالم، ومحط مختبرات الباحثين، وعنوان كثير من رسائل الماجستير والدكتوراه حول العالم، لكن لسوء تقدير أو تسرع في اتخاذ القرار أو غيرهما لم يبق لها أثر، بل إن من كان يحتضنها ويموّلها فقد جزءا مهما من تلك المكانة الرفيعة لدى الرأي العام وتلك الشهرة الطيبة التي لا تقدر بثمن في دنيا الناس!

لكن ما أضيق الحياة في العالم الافتراضي لولا مبادرات هنا أو هناك من أفراد ومؤسسات إعلامية وغيرهم في الوطن العربي، فهم يردمون جزءا من الفجوة الرقمية التي تعمّق الغربة لدى المواطن العربي في الإنترنت، بعد أن استحكمت على أرض الواقع حكما وفكرا مستبدا لا يرى فيه غيره إلا خطرا داهما وعدوا خطيرا يجب القضاء عليه، وكأنه يقول بلسان حاله "لا أريكم إلا ما أرى ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد"، وعلى البقية أن يختاروا بأن يكونوا "معنا أو ضدنا" إحياء لمقولة الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

لم يكن قصد هذه المقالة عرض جميع أنواع الغربة الجديدة، فذلك ميدان آخر ينتظر همم الباحثين في العلوم الإنسانية كلها بأن يدرسوا حالات الغربة لدى المستخدم العربي، من زوايا علوم اللغة والنفس والاجتماع والثقافة والفن والتاريخ وغيرها، وأثر ذلك على الأمن النفسي والاجتماعي والثقافي والديني.. للمواطن العربي خاصة، وللدول العربية عامة.

لقد صارت الحياة اليوم عملة ذات وجهين، لا غنى عن أحدهما عن الآخر، ولا قيمة لها من دونهما جميعا، ولا بد من كسر العزلة على أرض الواقع وفي العالم الافتراضي في آن.