شعار قسم مدونات

المصطلحات الأجنبية فى الكتابات العربية

blogs - language

إن الحديث عن هذه الظاهرة يفسر الحالة الانهزامية التى يحياها بعض الكتاب والدعاة الذين تأثروا بشكل مباشر أو غير مباشر باللغات الأخرى. وذلك لعدة أمور منها:-

1- أن هذا لايدل على ثقافة المتحدث أو الكاتب بقدر مايدل على انهزامه وعجزه أمام لغة الآخر وإعجاب إلى حد التقليد، ترى هذا الأمر بوضوح في الآونة الأخيرة التى انتشرت فيها مواقع التواصل الاجتماعى وظهر عدد من المتعلقين بأستار العلم، هؤلاء اتخذوا لأنفسهم شعار الإبهار لجذب القراء إليهم.

وبدلًا من أن يقوموا بتبسيط المعلومة وتقديمها بشكل ميسور تراهم يزيدون الأمر تعقيدًا، والعجيب أن يكون ذلك -التغريب- يدخل إلى أصحاب اللسان العربى لأسباب؛ إما لجهل الناقل بالترجمة، أو لضعف المترجم في توضيح المصطلح.
 

اللغة العربية -عجب في ثرائها- وهى لا تضيق بشيء من الأفكار والنظريات والمخترعات الحديثة، لكنها تحتاج إلى من يقوم بتعريب الكلمات والمصطلحات.

2- إذا كان على الباحث أن يعرّف في بحثه بالكلام الغريب أو الوحشي أو المهمل في الاستعمال من اللغة نفسها، فكيف عندما ينقل من لغة أخرى غير معروفة أو غير شائعة لدى القارئ؟! وإذا كان المقصود من الخطاب المجتمع كله وليس فئة معينة من الباحثين أوالمتخصصين، فهذا قصور شديد في حق القراء أولًا، وفي حق الاعتزاز باللغة ثانيًا، وتعميق الانتماء إليها ثالثًا.

3- أن هؤلاء الكتاب والمتحدثين إن عالجوا أمرًا، فقد فتقوا أمرًا آخر، فهم إن دعوا إلى التحرر من التبعية للغرب في كل شيء، والبعد عن التقليد الأعمى، والاعتزاز بلغة القرآن الكريم. تجدهم في نفس الوقت مقلدون، أقوالهم تقول: لا تفعلوا، وكتاباتهم تقول افعلوا! على حد ما وصف شاعر النيل بقوله:

سَرَت لوثَةُ الإِفرِنجِ فيها كَما سَرى
لُعَابُ الأَفاعي في مَسيلِ فُراتِ
فَجاءَت كَثَوبٍ ضَمَّ سَبعينَ رُقعَةً
مُشَكَّلَةَ الأَلوانِ مُختَلِفاتِ

4- اللغة العربية -عجب في ثرائها- وهى لا تضيق بشيء من الأفكار والنظريات والمخترعات الحديثة، لكنها تحتاج إلى من يقوم بتعريب الكلمات والمصطلحات من لغته الأجنبية إلى اللغة العربية.

5- إشارة إلى بعض النماذج من المصطلحات التى تعج بها بعض الكتابات والخطابات الإسلامية دون الإشارة إلى تعريفها ، وذلك على سبيل المثال لا الحصر ودون اتباع ترتيب معين:-

الديمقراطية: مصطلح يوناني مؤلف من لفظين الأول (ديموس) ومعناه الشعب والآخر (كراتوس) ومعناه سيادة فمعنى المصطلح إذاً سيادة الشعب أو حكم الشعب.
بِيرُوقْراطِيّة: رُوتِينٌ حُكُومِيّ.
ثِيُوقْراطِيَّة: حُكُومَةٌ دِينِيَّة.

أَرِسْتُقْراطيَّة: أَرِسْتُقْرَاطِيٌّ بِطَبْعِهِ وَسُلُوكِهِ: شَخْصٌ مِنَ الطَّبَقَةِ العُلْيَا فِي الْمُجْتَمَعِ أَوْ مِنَ الأَشْرَافِ ذَوِي السُّلْطَةِ وَالْجَاهِ، أحد أعضاء الطبقة الحاكمة أو النبيلة، أنيق التصرُّف أو متعالٍ في سلوكه، شاب أَرِسْتُقراطيّ مهتمّ بالموضوعات المترفة البعيدة عن هموم الناس.

راديكالية: اتّجاه سياسيّ يطالب بالإصلاح الجذريّ التامّ في إطار المجتمع القائم، ويقوم على إطلاق الحريّة في الاقتصاد وعلى التفكير العقلانيّ غير المتسرِّع قبل اتِّخاذ الخطوات المؤدِّية للإصلاح.
أيديولوجيّة، الجمع: أيديولوجيَّات: مجموعة الآراء والأفكار والعقائد والفلسفات التي يؤمن بها شعب أو أمّة أو حزب أو جماعة.

إِمْبِرْيالية: اِسْتِعْمار.
الأنثروبولوجيا: علم الإنسان .
ميتافيزيقا: فرع من الفلسفة يبحث في الموجود الذي خرج من عالم الواقع إلى عالم المعقول أو ماوراء الطبيعة -عالم الغيب-. يراجع في ذلك: قاموس المعانى.

 
6- نموذج رائع: ما صنعه الدكتور عبدالوهاب المسيري في بداية موسوعته "موسوعة اليهود واليهودية و الصهيونية" فقد اختار لنفسه بعض المصطلحات غير المعروفة من أصول غربية، وقام بتعريفها بشكل مبسط حتى يسهل على المطالعين لهذه الموسوعة الاستفادة منها بالشكل الأمثل.
 

ومن ذلك "الهرمنيوطيقا، الواحدية الذاتية والموضوعية والثنائية الصلبة، النزعة الجينية، السببية الفضفاضة، السببية الصلبة واللاسببية السائلة، المجرد والعينى (أو المتعين)، المركب والبسيط، التجاوز والتعالي، الحلول والكمون، المسافة والحدود والحيز الإنساني، التشيؤ، التحيز، ..إلخ" يراجع مقدمة الموسوعة المذكورة للدكتورعبد الوهاب المسيري حتى لا يكون ذلك اجترارًا من غير إضافة .

7- للأسف الشديد أن بعض من تأثر بالدكتور المسيري واستخدم هذه المصطلحات، لا يسير على دربه في التعريف بها! فكان كلابس ثوبي زور! اختطفها من غيره على أنه الموجد والمخترع ووضعها في غير موضعها، وتراه يستطيل على غيره ويتشدق "بالحداثة وما بعد الحداثة، والحلولية والكمونية، والتحيز والتشيؤ" وربما لايحسنها جيدًا.

إذا كان كل قوم يعتزون بلغتهم ولاينزلون عنها، ويجبروننا على الصعود إليهم، فلم لا نكون كذلك، أمة ذات كيان، يحسب حسابها، وتعمّم لغتها.

8- قد يرد اعتراضان: الأول: أن بعض هذه المصطلحات بلغ حدًا في الشهرة فهو لايحتاج إلى تعريف.. وكما يقال "تعريف الواضحات من الفاضحات؟!" أقول: هناك كلمات كثيرة مشتهرة وعند الاختلاف يُرجع فيها إلى معاجم اللغة للفصل بين المختلفين؛ مع أن هذا في لغتنا الأم. فما بالنا بغيرها؟! فبقي الكتابُ له أهميته في أن يُستودع مثل هذه التعريفات مع الإشارة إلى مصادرها.

الثاني: أن هناك من يعرف مثل هذه المصطلحات عند التعرض لها. أقول: هذا صحيح، ولكن بعد قراءات شتى لكتّابٍ مختلفين وجدت أن ما أشرت إليه يمثل ظاهرة وكان بالإمكان أن أسرد بعض الأمثلة لكتاباتٍ لأناس معروفين دون أن يشير إلى تعريب الكلمة لا من قريب ولا من بعيد، ولكن آثرت عدم ذلك لتعم الفائدة ولكي لا يُحمل الكلام على أنه توجيه لفلان أو علان فيخرج عن الفائدة التى وضع من أجلها .

9- لا ينبغى أن يُفهم الكلام على أن كل ما هو غربيٌ مذموم، لكن أردت الإشارة إلى كيف نجح الغرب في اختراق من يمتلكون ناصية التوجيه والإصلاح، حتى إذا بقي الخطاب غير مفهوم لدى من يُوجه إليه لا يتم به عمل، ولا شك أن هذا من قبيل الغزو الفكري للقضاء على اللغة العربية، يشبه تمامًا الدعوة إلى العامية، فالهدف من الأولى: انتشار العجمى، ومن الثانية: استهجان الفصحى .

10- إذا كان كل قوم يعتزون بلغتهم ولاينزلون عنها، ويجبروننا على الصعود إليهم، فلم لا نكون كذلك، أمة ذات كيان، يحسب حسابها، وتعمّم لغتها.

11- لا أجد شيئًا أختم به أفضل من قصيدة شاعر النيل، اللغة العربية تنعي حظها مع أن الشاعر كان ينعيها من مزالق الصحفيين، أما الآن فننعيها من مزالق المصلحين! القصيدة بتصرف كبير:

فَيا وَيحَكُم أَبلى وَتَبلى مَحاسِني
وَمِنكُم وَإِن عَزَّ الدَواءُ أَساتي
فَلا تَكِلوني لِلزَمانِ فَإِنَّني
أَخافُ عَلَيكُم أَن تَحِينَ وَفاتي
أَرى لِرِجالِ الغَرْبِ عِزّاً وَمَنعَةً
وَكَم عَزَّ أَقوامٌ بِعِزِّ لُغاتِ
أَتَوا أَهلَهُم بِالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً
فَيا لَيتَكُم تَأتونَ بِالكَلِماتِ
أَيُطرِبُكُم مِن جانِبِ الغَرْبِ ناعِبٌ
يُنادي بِوَأْدِي في رَبيعِ حَياتي
وَفاخَرتُ أَهلَ الغَرْبِ وَالشَرْقُ مُطرِقٌ
حَياءً بِتِلكَ الأَعظُمِ النَخِراتِ
أَرى كُلَّ يَومٍ بِالجَرائِدِ مَزلَقاً
مِنَ القَبرِ يُدنيني بِغَيرِ أَناةِ
وَأَسْمَعُ لِلكُتّابِ في مِصْرَ ضَجَّةً
فَأَعلَمُ أَنَّ الصائِحينَ نُعاتي
أَيَهجُرُني قَومي عَفا اللَهُ عَنهُمُ
إلى لُغَةٍ لَم تَتَّصِلِ بِرُواةِ
إلى مَعشَرِ الكُتّابِ وَالجَمعُ حافِلٌ
بَسَطتُ رَجائي بَعدَ بَسطِ شَكاتي
فَإِمّا حَياةٌ تَبعَثُ المَيْتَ في البِلَى
وَتُنبِتُ في تِلكَ الرُموسِ رُفاتي
وَإِمّا مَماتٌ لا قِيامَةَ بَعدَهُ
مَماتٌ لَعَمري لَم يُقَس بِمَماتِ

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.