إلى المنهكة أرواحهم

blogs - sunset
على عصًا من الوجعِ تتكئُ الروح، في غربةٍ واغتراب.. تسيرُ في المنفى، بلا حلمٍ ولا أملٍ، وحيدةً من كلِ شئ إلا بقايا الوهمِ وشئٍ من سراب. تبحثُ بينَ الحُطامِ، عن بقايا رفقةٍ كانت ذاتَ يومٍ حصنًا يضمُ بين جدرانهِ الضحكات والهمسات، وآمالا فاقت ذاتَ حُلمٍ عنانَ السماء.


كانت الأحلامُ تُعانقنا، بنينا قصورًا من الآمال تطلعنا إليها، رأينا التفاصيلَ الكامنةَ فيها، والنورَ الذي يكسو جنباتها، كنا ننتظُر الغدَ الذي سيمحو كلَ شقاءٍ عايشناهُ في ماضينا. كنا على يقينٍ بأنَّ الصُبحَ آتٍ، وأن الظلامَ ولىَ بغيرِ رجعة، لكن.. هيهاتَ هيهات، تبددت الأحلامُ كأن لم تكن، وتفرقت الجموعُ تحت وطأةِ القهر، وتشتت الشملُ بعد جولاتٍ مع الخذلان. ها هُم الأصحابُ انفرط عقدهم، وتفرقوا بين البلدانِ يطلبونَ النجاة، أما الباقون منهم على أرضِ الوطن، فمنهم من قضى نحبَه ومنهم من ينتظر، ومنهم القابعون خلف أسوار السجن، ومنهم المُطاردون تحتَ سماءِ – ما نُسميه كذبًا – الوطن.

تحسبُ أنكَ ستعيش وحدك وتموت وحدك، وتُمني النفس أنك حين تموت ستكفنك الطيور ويدفنك الغراب، وتنبت الأزهارَ فوق قبرك ويُكتب على شاهدِه أن قد سقط هنا غريب لم يجد من يؤنس غربته.

للهِ در تميمٍ حين قال: "ولا تخذلي من باتَ والدهرُ خاذله". نحنُ المخذولون سيدي، نحن الذين خذلنا الدهرُ وخذلنا الجميع، خذلنا الوطنُ حين كنا نسعى لأجله، خذلنا من وثقنا بهم حين جعلنا مستقبلنا رهينةً بين أيديهم، خذلتنا الأحلامُ حين كنا نرنو لها، نحنُ المخذولونُ المُعذبة أرواحهم، المُثقلة قلوبهم بالمآسي.
 

على حافةِ الأوجاعِ نقف، صارت القلوب منهكةً حدَ الإعياء، الروحُ هائمة لا وجهة لها، في بئر من التيهِ سقطنا، ننظرُ للسماءِ طويلا، تُدركُ بعد حينٍ أنك الآن وحدك، لا أنيس ولا رفيق، لا شئ مما قد سبق، لا الأمنياتُ تعيدُ من فقدناهم ولا الدموع ستجدي، أنت الآن رفيقُ نفسك وموطنك حيثُ تمضي لا حيثُ وُلدت. غريبٌ أنتَ عن نفسك، فقدت الحياةُ رونقها، لم يعد يُغريك شئ، لم تعد تطمحُ بالبقاءِ وكففت عن المُضي، تحسبُ أنكَ ستعيشُ وحدك وتموت وحدك، وتُمني النفسَ أنك حينَ تموتُ ستكفنكُ الطيور ويدفنك الغراب، وتنبتُ الأزهارَ فوق قبرك ويُكتب على شاهدِه أن قد سقط هنا غريبٌ لم يجد من يؤنس غربته.
 

تتساقطُ الأدمع، تبكي على ذاك المصير الموحش، تصرخ بكل ما أوتيتَ من قوة، ما كانَ لنهايتكِ أن تكونَ بلا معنى، ما كان لكَ أن تموتَ دون أن تلتقي الأحبة. ستمضي في الطريقِ تستعيدُ خيوطَ الحلم المُهدر، تستعيدُ خيوطَ الوجعِ الذي نسج شباكَ الروح، تأتيكَ الأمنياتُ من جديدٍ تُداعبك، تُحرر روحَك من حبالِ اليأس، تبتسم رغما عنك، تتذكر ما قرأته يومًا : "علامَ التماسك كل هذه المدة مادمت سأستسلم؟".. تنفضُ غبارَ الفكرةِ عنك، لا.. لن أستسلم ها هنا، لن أدفن نفسي قبل انقضاءِ الأجل.
 

تبتسمُ وتمضي، إلى أين؟ لا تدري.. لكنكَ موقنٌ بالوصولِ يومًا، ستلتقي الأحبابَ ويطلع الفجرُ المنتظر، سيستحيلُ الوجعُ ذكرياتٍ ولت، وسيُكتب التاريخُ بأيديكم.. حتما ستصل، حتما ستفعل.