من يملك صك الغفران

blogs - indulgences صك

ربما كان صك الغفران في الحملات الصليبية يمنح قبل جرائم ارتكبت باسم الدين في العصور الوسطى.. إلا أن صكوك الغفران في زماننا الحاضر تكون جاهزة لتمنح لمجرمي حرب بعد إنتهاء مهماتهم، وتعمل على غسل أيديهم من دماء ضحاياهم.

ففي حقبة الثمانينات والتسعينات كانت أكبر مذابح الحقبتين في لبنان إبان الحرب الأهلية اللبنانية وفي البلقان في البوسنة ثم كوسوفو.. في الحرب اللبنانية (1975-1990) انتهت الحرب بصك غفران بتوقيع عربي في إتفاق الطائف 1989، والتي لم يعاقب أي من مرتكبي جرائم الحرب فيها، بل عادوا كسياسيين ومنهم من شارك في الحكومات اللاحقة.

أما حروب البلقان فانتهت بتعايش سلمي بين المسلمين والكروات من جهة والصرب من جهة أخرى، وعقاب رمزي لمرتكبي جرائم الحرب مصاحباً لصك غفران كأن لم يذنبوا من قبل .

لم يعد صك الغفران أمراً من صفحات التاريخ بل غدى واقعاً عربياً يمنح به قادة دكتاتوريون ضوءً أخضر لقمع ثورة أو لإسقاط نظام منتخب.

فهل يُمنح السيسي والأسد صكاً مماثلاً؟
قد يحتار المتابع للشأن العربي في تسمية ما فعله كلا منهما، فالقائد العسكري السابق عبد الفتاح السيسي حصل على موافقة من قطاع من الشعب المصري، لإرتكاب أكبر مذبحة في تاريخ مصر الحديث حين قام بقتل عدد يتخطى الألف ويصل في بعض التقديرات لثلاثة آلاف شخص، من مؤيدي الرئيس المصري المعزول محمد مرسي في ميدان رابعة العدوية والنهضة وما لحقها من تظاهرات قتل فيها العشرات.

أما بشار الأسد فقد فاق ما قام به من قتل وتهجير وإبادة كل ما قام به مجرمو الحرب الصرب في البلقان ناهيك عن إستقدامه ميليشيات طائفية من لبنان والعراق وإيران إنتهاءً بدخول روسيا طرفاً حليفاً له في الحرب.

ورغم وضوح جرائم الحرب تلك إلا أن ظهور داعش على مسرح الأحداث منح كل الأطراف مسوغاً للتغاضى عن تلك الجرائم فتساوا تفويض قطاع من المصريين للسيسي بحرب داعش للأسد في التغاضي عن جرائمهم.

ما يدعوا للتأكد من منح كلا الرجلين صكاً للغفران وضوءً أخضر للتمادي هو حالة التناغم التي يتعامل بها الغرب معهما، فنرى الاتحاد الأوروبي يستقبل مفتي سوريا أحمد حسون ويناقش مندوب سوريا في الأمم المتحدة بشار الجعفري.. وبالنسبة للجنرال السيسي فلم يخل منتدى دولي سواء دعي إليه أو لم يدع إلا وكان حاضراً متصدراً، كما لو كان نصره على أول ثورة وأول انتخابات ديمقراطية في مصر أمر يستحق المكافئة من قيادات ورؤساء العالم الأول.

لم يعد صك الغفران أمراً من صفحات التاريخ بل غدى واقعاً عربياً يمنح به قادة دكتاتوريون ضوءً أخضر لقمع ثورة أو لإسقاط نظام منتخب، بل ويتم بموجب هذا الصك منح هبات مالية مباشرة، كما هو الحال مع السيسي أو غير مباشرة برفع الحصار عن إيران كأكبر داعم لنظام الأسد.

لكن كل المعطيات تقول أن ما حدث في لبنان أو البلقان من تدمير وقتل لن يمر في مصر وسوريا.. فطبيعة الشعبين كانت دوماً مستكينة لا تتوقع غدراً بهذا القدر مما تسبب في صدمة لشبابهما جعلت سابق عهد الثورات ليس كلاحقها.

فمع توجه معظم شباب سوريا للقتال ضد نظام الأسد، ومع فرار الكثيرين من شباب مصر من بطش السيسي أصبح متوقعاً ردة فعلهم الشديدة في حال سقوط النظامين.

ومع الضعف الشديد للقوى الإقليمية كالسعودية والقوى الدولية التي أصبحت طرفاً في الصراع لم يعد لأي منهم قدرة على فرض مصالحات تعطي صك الغفران لأي نظام في حال سقوطه .
الأمر الآن بين شعوب مقتولة إن إنتصرت داست بقوتها كل الحلول السياسية والتي تسمح لأي من إشترك في هذا القتل بأن يمنح صك الغفران.