منذ وقتٍ طويل لم تحاصر المقاطعة

blogs-عباس الهرم

منذ سنةٍ وبضع خرجتُ مع مجموعةٍ من زملائي في قسم الإعلام بجامعة الخليل، إبان دراستي الأكاديمية مستهجنين ممارسات السلطة الفلسطينية بالقمع، والاعتداء على الصحفيين، والمتظارهين تزامناً مع اختطاف الجنود الثلاثة، وحصار الخليل الذي امتد لأسابيع بحثاً عنهم وما تبعه من اعتداءٍ غاشم على غزة.

ما زلتُ أذكر الرسالةَ التي وجهتها عبر وسيلة إعلامية فلسطينية محلية قلت فيها "إنه حينما يتعلق الأمر بالوطن والدين لا يمكن أن يكون هنالك مبررات لحنكة سياسية أو دبلوماسية، وما قام به الرئيس الفلسطيني من تصريحات إنما هي تصب في مكان الانهزامية، والاستسلامية، وينبغي له التراجع عن قراراته، وفي حالة عدم فعله لذلك عليه الرحيل مردداً العبارة حينها: ارحل ، ارحل ، ارحل".

ما يقوم به هذا الرئيس اللاشرعية واللاأحقية له من أفعال مع من أسسوا أجهزتهم الأمنية بمساعدة أميركية دايتونية هو خيانة واضحة

لا أعلم حقاً إن كان في حالة الشعب الفلسطيني هذه مع رئيسٍ أصلاً انتهت ولايته منذ عام 2009 اقتص من مشاعر أبناء النكبة الممتدين حول الكرة الأرضية بستة ملايينهم اليوم قبل أبناء انتفاضة القدس الحديثة بطابع هباتها أن يكتفوا بقول الرحيل، وطلب ترك عرش السلطة منه!

بالفعل إنه وقتٌ طويل عن حصار المقاطعة، إنها دولة رام الله عاصمة السلطة الفلسطينية اسم الدولة التي لا حدود لها، ولا شعبٌ يفهم كيف لقيادة أن تسند السيادة بملئ الفم، وطول اللسان بالشعارت الوطنية، والطنطنة الرنانة بالتحرير والتحرر، والأمجاد التليدة، وهي تمعن التنازل، والتطبيع والتشارك والتجريح بحق شهدائها ومناضليها، وفوق ذلك لا تحمي وكرها الذي ترقد فيه، وأصغر جنديٍ عند محتلها يوقف رأس حربتها أبا مازن.

نعم الوقت كان طويلاً جداً ليدق ناقوس الصحوة لعباس، لكنه هرم وأهرم الشباب الفلسطيني بأفعاله،  منذ وقت طويل وهو يردد العبارة مرتين لزوجة رئيس الوزراء الصهيوني "بنيامين نتنياهو" عن اشتياقه للقاءات، والمفاوضات، والضحكات، متناسياً حينها الحصار الطويل على الرئيس الراحل "ياسر عرفات" في المقاطعة برام الله عام 2002 ودوره في التكفيرعن خطاياه بجرالقضية الفلسطينية إلى أوسلو عام 1993، غير آبهٍ بعبر التاريخ ولا بالعقلية المتوارثة لدى الفلسطينيين بلفظهم، وإنهائهم لكل المتآمرين على حقوقهم حتى وإن طال صبرهم، وصمتهم عليهم.

إن حديثي عن الحصار وطول غيابه يصب في خانة الحاجة الملحة لإنقاذ مشروع شعب بأكمله في شتات بقاع العالم، وفي داخل الأرض الفلسطينية المسلوبة في كافة مناطقها عبر خارطتها التاريخية من احتلال سلطوي بسمة فلسطينية، وصهيوني رسخ نفسه كشرطيٍ دولي لحماية الإمبريالية العالمية في ربوع الأمة العربية.

ما يقوم به هذا الرئيس اللاشرعية واللاأحقية له من أفعال، مع من أسسوا أجهزتهم الأمنية بمساعدة أميركية دايتونية، هو خيانة واضحة كعين الشمس لا دبلوماسيةً تعفو عنها، ولا ضغوط يمارسها لاسترداد شيء، ولا مشاورات تجدي مع قتلة الأطفال، والنساء، ومجرمي الحرب، والعصابات ممن ارتكبوا أبشع المجازرفي قانا ودير ياسين وصبرا وشاتيلا والسموع.. وغيرها. 

إن شرعنة تطبيع الدول العربية المتسارعة علناً يعطيها الضوء الأخضر للتقدم بوتيرةٍ عالية، وكذلك أفعال أبي مازن وممارساته طوال العشر سنوات الأخيرة، وأكثر ذلك ألما للفلسطينيين كان التعزية في "شمعون بيريز" زعيم عصابة في الهاغاناه، بولنديٌ لا صلة له بأرض فلسطين، وقاتلٌ سفك دماء الكثيرين حتى تعجب المجانين قبل العقلاء عن نسب السلام لرجل الخراب والدمار.

كانت أحضان عباس لابنته ودموعه على رحيله تقطرعين كل أم شهيدٍ  وأسيرٍ وجريحٍ فلسطيني دماً يحمل ألماً وقهراً وغضباً عليه للدعوة لإسقاطه وإنهاء كل رؤوس دولة الفاسدين واللصوص القابعة في رام الله لتجاوزها الخطوط الحمر وما بعدها.
 

قد يلجأ الشعب الفلسطيني لخيار العنف كحلٍ أخير سيشمل المقرات الأمنية، وتصفية العملاء بالإعدامات في الأماكن العامة

الواجب عمله بعد أن طالت مدة صبر أبناء الضفة الغربية على أفعال السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية المتخابرة مع الاحتلال، ومن تعمل تحت أجندته وأوامره، وتصريحات الرئيس الفلسطيني الخارجة عن الرؤية الفلسطينية، والواضحة على مرأى العين بتواطئها، وخذلانها أمام العدو الصهيوني، أن تتم محاصرة مبنى المقاطعة في رام الله لإسقاط حكم محمود عباس، والبدء بعصيانٍ مدني يعم كل المدن، والخروج بمظاهرات عارمة تطالب بحل السلطة الفلسطينية، وإجراء انتخابات عاجلة وفورية تشكل من لجانٍ يتم الإجماع عليها، والتصويت عليها بموافقة جماهيرية لا فصائلية في الشتات والداخل استناداً للحلول السلمية.

وقد يلجأ الشعب الفلسطيني لخيار العنف كحلٍ أخير سيشمل المقرات الأمنية، وتصفية العملاء بالإعدامات في الأماكن العامة، وهذا سيعيد الأمل لخلايا المقاومة النائمة،  وسيمهد الطريق لانسحاب العدو الصهيوني من الضفة الغربية، واقتلاع مستوطناته كما حدث في غزة، وسيضفي مساحةً لبناء الاستراتيجية الفلسطينية الجديدة نحوالتحرير.

ويبقى الشيء الملح  للمستقبل هو إنجاز المسارالأول، من خلال إحكام الحصارعلى القابعين في المقاطعة ومحاصرة سياساتهم المدمرة للوطن وللقضية.