أقصى ما في وسعك الذي لم يكن كافياً

blogs - peo
أصحاب الأحلام والهمم في بلادنا في كد وبلاء، في طرق متفرقة يبغون النجاح، يبغون الأثر، يأملون الاستعمال، يأملون القبول، تيه وتفكير مفرط، ويأس ونفوس متعبة من عدم الوصول. لم يكتب الله لهم من الرزق بلاد تنعم بالحرية، لم يكتب لهم بلاد غنية تفيض عليهم بالتمويلات والدعم، لم يكتب لهم مجتمع واع يلتفت لبريقهم ولعظم ما يفعلون، لم يكتب لهم منابر تعبر وتحكي عنهم.. لم يكتب لهم الكثير قط، كتب لهم أحلام كبيرة عادلة، يفنون في سبيلها بلا أمل كبير في تحقيقها، سيفعلون ما في وسعهم ولن يكفي ذلك.

لوحاتك التي لا يعرفها أحد خارج دائرة متابعينك الصغيرة، الذين يقدرونها ويتأثرون بها كلما رأوها، خير لك من أن تُعلق بجوار لوحة الموناليزا في اللوفر الفرنسي.

ربما تكون مخرجًا وتبذل أقصى ما في وسعك، ولا تقترب حتى من قوائم المرشحين المحتملين للأوسكار. ربما تكون عالمًا، وأقصى وسعك لا يجعلك تقترب من نوبل قط، بل وتموت ولا يقدرك أو يعرفك غير طلابك. ربما تكون رساما ولا تُخلد لك موناليزا واحدة.. ربما.. ربما.. ولن تعرف السبب يوما، وستغرق في دروب مظلمة من التفكير غير المجدي في ماذا لو كنت فعلت؟ ماذا لو لم أكن في هذا الزمان وذاك المكان؟ هل لم أصل لتقصير مني، أم أن العيب في مكاني وظرفي!

لبضع من الوقت في العام الماضي، كنت خاوية تماما، ولا أفعل أي شئ يذكر – كانت استراحة أستحقها أيضا- ولكنها لم تكن سوى محض عذاب، انخرطت في التفكير في وضع الحراك والثورة المزري المنحدر للعدم تدريجيًا، منذ فرض النظام قانون التظاهر بعد فض رابعة ببضعة شهور، على بعد عامين من الفاجعة الكبيرة، وعلى بعد أربعة أعوام من يناير الحلم، أفكر بلا انقطاع في كل شيء، في كل شهيد وكل أسير، في كل كذبة ألفوها بنو صفنا ونظامنا المتجبر وصدقتها، في تقصيري وسذاجتي وجهلي، وفي كيف خذلت الثورة والشهداء، وعهدي لله الذي لم أكن على قدره، في كل يقين بالنصر يختل، في كل آية تعد المؤمنين بالنصر لم أعد أفهمها.. في السبب، أفكر وأفكر، والثوابت تهتز من حولي دفعة واحدة بعنف شديد، كانت من أصعب فترات التيه التي مررت بها على الإطلاق. في نهايتها، أهدتني نورا وحقيقة لم أكن لأكمل الحياة باتزان لولاها.

لست أنا، لا أتحمل ذنب كل هذا السواد، ولم أكن بديني، وبتعليمي، وثقافتي، وسني، وموضعي من الحراك والوضع برمته، لأفعل شيئا أفضل، أو بدقة أكبر، لم أكن لأغير الكثير مهما فعلت، كل ما في وسعي لم يكن كافيا لتنتصر الثورة ولنقتص للشهداء، ولكنه كان كافيا لأقول لربي حين ألقاه "حاولت، سعيت، ولا يصل للكمال سواك.. سعيت واغفر عثراتي وضعف همتي". أدركت حينها أنني جندي في جيش قد يستبدله الله ولا إثم علي، ليس لأنني لم أخطئ ولكني فعلت ما في وسعي وحاولت، ولا يهم أي شئ أخر. "لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى" تحولت تلك الآية لرفيق يحمل عني اليأس والعجز والإحساس بأن لا شئ مُجدِ.

قد لا تفز بالأوسكار، ولكن ذلك المهرجان الصغير المحلي المغمور في مدينتك الذي تقدمت له وربحت جائزته الصغيرة، ليس كالأوسكار بل خير. اختراعك البسيط الذي لم تتبناه أي شركة، وفقط صنع منه طلابك نماذج مقلدة بدائية، خير من ألف جهاز حصل على منتجين وصنع منه ملايين النسخ ويستعمله البشر في كل الكرة الأرضية. لوحاتك التي لا يعرفها أحد خارج دائرة متابعينك الصغيرة الذين يقدرونها ويتأثرون بها كلما رأوها، خير لك من أن تُعلق لك لوحة بجوار لوحة الموناليزا في اللوفر الفرنسي.

والمفاجاءة أن للقصة بقية، ونهاية خير لك من كل شيء، بموتك لا ينتهي الأمر، بل موتك قد يكون بداية. هل حاز أدب شكسبير وفن دافنشي بهذا الإحتفاء والانتشار في حياتهم بهذا القدر؟ هل درست أساليبهم وهم على قيد الحياة؟ ها هو أدب غسان لازال يجاهد القضية حتى بعد قتل غسان، ويوما ما حين تحرر فلسطين، سيكون لغسان يد في النصر. هل ضر ابن الهيثم أن قمرته قبل ألاف السنين لم تصنع الكاميرا التي في يد كل منا الآن؟ الكاميرا التي صنعت السنيما كفن وصناعة ثقيلة الوزن تدخل في حياة البشرية كلهم بل وتكونها.

لا يضيرك شيء ما دمت تسعى، يضيرك الكسل والتهاون والبعد عن أصل الغاية، وأنت يا صاحب الحلم لست أهلا لأي منهم، فأكمل واسعى، فقد خلقت للكبد الذي يقود للفردوس.

و خير منهم جميعاً، مُحَمَّدٌ الأمي، الذي لم يغادر جزيرته النائية المقفرة، التي لم تعن للعالم حينها أي شيء، وجاهد طوال الدعوة وحارب، ولم يكن يؤمن به حين مات إلا بعض الآلاف، يقال كانوا حوالي ستون ألفا، و يقال مئة وبضع ألاف فقط، فانظر كم عدد الذين آمنوا من ذلك الحين وحتى الآن. لم تكن دولته بذات القوة التي كادت تحكم العالم كله حينا بعد مماته، التي ألفت علما كون عالمنا الذي نعيش فيه الآن بعد آلاف السنين من موته، هل ضره شيء لو لم يكن أحد آمن! وهل يضيره لو أنا الآن كغثاء السيل! بالطبع يحزنه، ولكن لا ينقص من أجره ومثاليته شيء، أدى الحبيب الأمانة ووفي.

ولو لم تكتب لقصتك بعد موتك نهاية سعيدة، هناك قيامة، وتلك النهاية هي خير من كل شيء، هناك عدل وحساب يا مؤمن، كل ما عليك أن تظل تسعى وتجاهد وتكابد للكمال في أداء الرسالة، وتذكر نفسك كلما زلت أو نست أن الغاية ليست النجاح والمجد الفاني بفناء تلك الدنيا، بل الفردوس ورضا الخالق الحق
"وما عليك إلا البلاغ".

"فارفق بنفسك ساعة، إني أراك وَهَنت".. لا يضيرك شيء ما دمت تسعى، لا يضيرك أملك من يأسك، لا يضيرك فشل من نجاح ساحق، يضيرك الكسل والتهاون والبعد عن أصل الغاية، وأنت يا صاحب الحلم لست أهلا لأي منهم، فأكمل واسعى، فقد خلقت للكبد الذي يقود للفردوس.