أتذكرين؟ وكيف أنسى؟

blogs - gaza
حدث صيف 2014..
أخي الكبير مذياعه ملتصق بأذنه أربعة وعشرون ساعة، يدير مفتاح الصوت كلما هب على مسامعه خبر عاجل، أخي الأصغر رأسه معلق على النافذة يعد أعمدة الدخان، والداي يبكيان أمام سجادة الصلاة، وأنا تحت الجدار أبحث عن هواء آمن خال من ضجيج الصواريخ كي ألف به جسدي البارد وسط حرقة الصيف. كان صيفا قاتلا ومقتولا، مثّلوا بجثته الغريقة في كحل الصباح المظلم أمام أعين الليل، فلطم الأخير حتى تهشم وجهه واختلطت معالمه، فما عدنا نفرق بين خيوط الشمس وبريق الصواريخ قبل الانفجار.

كنت لا أشم سوى رائحة الموت وكان أقرب إلي من حبل الوريد، وكأنه يقول لي، أنا الآن أنظر إليك أكثر مما تعانق عيناك الحياة، أنتظر أن تجثو ركبتاك فوق الأرض، أن يضيع رأسك المصقول بين القبور الفورية، تلك الجائعة لكل شئ سوى أنفاس الذعر المهرولة من زفير صدرك المسابق للريح قبل أن تفقد قدميك الراكضتين من شبح القنابل.

ذنبك يا صغيري أنك لن تجزع حتى تكبر الوطنية فيك عاما بعد عام، لتصبح شوكة تلاحق أعداءك الخاطفين لأرضك وقضيتك.

كيف لي أن أمر بذلك الشريط المحفورة أحداثه في خلايا عقلي دون أن أذكرهم، كان جرمهم أنهم أرادوا ارتداء بهجة العيد رغم اقتحام العقبان السوداء لسقفهم القصير، أو لأن الخوف بحبيباته الكبيرة لا يمكنه أن يمتزج وأفئدتهم المعلقة بمهج الثريات اللامعة وسط السماء، تلك التي كانوا يرونها كل ليل ونهار.

جاء صوت الانفجار مباغتا لهدوء الفراغ المؤقت كعادته، وانطلق الجميع نحو النافذة رغم تعليمات والدي المشددة بألا نفعل، لكننا هذه المرة وجدناه يسبقنا إليها، دقائق قليلة حتى هرولت مركبات الإسعاف وسيارات الدفاع المدني نحو المكان، كان لا يبعد عن منطقتنا كثيرا، هذا ما علمته من مذياع أخي، وليتني لم أعلم أنه استهداف لأرجوحة العيد بأجزائها المثقلة بأوزان أطفال صغار لا يتجاوزون عناء الحياة، ولا يعرفون من عينيها سوى أنها جميلة الأسوار وزجاجية الغطاء. خطفهم الموت قبل اكتمال دورهم في اللعب، وقد دفعوا له ما تملكه جيوبهم من عيديات وما تملؤه قلوبهم من مرح، حتى باتوا أشلاء على الطريق تسبح في الوادي الأحمر.

رأيتهم، كان النور يسبق جباههم مودعا ضحكاتهم من أزقة الحي، كان ضجيجهم يجلس بخجل في زاوية المعسكر، وبقايا أنفاسهم الأخيرة ملقاة على الرصيف بصمت تودع يومهم الأخير. إلى المشفى نقلوا ثم عادوا بلباس الجنة، عادوا أكفاننا تبكيهم صدور أمهاتهم المعانقة لفتاتهم المجموع على عجل، تبكيهم أرجوحتهم المقرفصة وسط ضوضاء الشارع، وصراخ الحناجر الملثمة أفواهها بقيود صنعها لهم هول المصيبة، اختفت معالمها ومعالمهم، أصوات ضحكاتهم المختبئة في أحشاء الهواء، أحلامهم السخيفة في نظر البالغين والمقدسة في أعماق السماء.

أحلامك يا صغيري باتت قطعة من حلوى صدأة، سرق منها السكر، ولم يعد يشتهيها لسانك، حتى أني رأيتك ذات منام تجدف بخصلات شعرك البيضاء وسط البحر، كان النورس ينهش من رأسك كل شئ ثم يهوي قتيلا في بطن الموج، وتعود في الليل مبتلا، مرتجفا، يسألك مقبض الباب من أين أتيت، فالخوف يملأ جسدك وروحك ترتجف، لا تجيب، ترتمي فوق السرير، تضع جمجمتك جانبا، تطفئ نور قلبك، تسكب كوب الماء المجاور على صدرك المشتعل ثم تنام، تنام حتى الموت، ذلك الذي كتب عليك صغيرا كي لا ترى أكثر مما رأيت.

في غزة لا أحد يملك الخلود سوى المدامع المشرعة دوما بنحيبها على الأرواح الراحلة.

ذنبك يا صغيري أنك لن تجزع حتى تكبر الوطنية فيك عاما بعد عام، لتصبح شوكة تلاحق أعداءك الخاطفين لأرضك وقضيتك، وهم يعلمون أنك لن تتوقف حتى تطهر ذرات بلادك من آخر نفس لهم. مرت جنازاتهم المحملة بأجسادهم الممزقة، ورؤوسهم المائلة على أكتاف أكفانهم البيضاء، فتحت المقابر أبوابها الخالية من الأقفال، أولجوا إليها شهداء وأمسوا في قَبْوِها ولائم مقتولة بصمت العالم المصفق لطفولتهم المغدورة.

انتهى يوم تالٍ للكثير مما مضى تحت سقف تلك الحرب، ولم ينته بكائي أمام جريمة بلا عدد تضاف لسجلاتهم الموثقة بأيديهم وأنيابهم المتشرنقة بغشاء الجوع لأوجه الأبرياء.

في غزة لا أحد يملك الخلود سوى المدامع المشرعة دوما بنحيبها على الأرواح الراحلة، ما من ذاكرة تفرغ من لحظات انفجار أو تدميرٍ للبيوت، أو حتى احتراق أسراب فراشات بلهيب النيران. هي الآن قفص ضيق، قضبانه مضرّجة بأهوال لا يمكنها أن تجف، تستطيع أن تنظر من خلالها لكنك لست تملك الحق في العبور من بينها، يمكنك أن ترتدي جناحين وتحلق بعيدا فقط عند النوم إن استطعت، عندما تسدل جفنيك عن واقعك المحكوم به عليك حتى ينفخ في الصور ونأتي أفواجا.

يا صديقي الغزي:
أي شئ بعد الحرب يمكنك الاحتفاظ به سوى ذكريات معتقة برائحة البارود وأشلاء الموتى، حتى غيمة بيضاء لست تملك، لن تخرج سوى بأمنياتك من الله أن يحفظ روحك في المرات القادمة.