قبل البداية.. ارحلوا!

blogs- لبنان

حدثنا أسلافنا مرات عدة عن بلد تغطي قممه الثلوج الناصعة وتلتحف غصون أرزه وشربينه. لا يلبث الشتاء وموسم الرعود والقساء أن يرحل حتى تشتعل شواطئه بالرمال الحارة، وما بينهما يُزهر ربيع ويشيخ خريف. حدثونا عن شهامة الأبطال عن الأمير مجيد أرسلان بطل الاستقلال، عن ذكاء المفكر كمال جنبلاط، عن فكر المقاوم والفيلسوف أنطون سعادة. حدثونا عن شعب نزل بالآلاف عندما اعتقل الفرنسيون كبار دولتهم، حدثونا عن شعب قاوم باللحم الحي الدبابات الإسرائيلية في اجتياح عام 1982.
 

بات الوطن بالنسبة لنا يجسده مجرمو الحروب سفاكو الدماء الذين تلطخوا حتى آخر شعرة في رأسهم بدماء الأبرياء.

قالوا لنا نحن شعب نموت ولا المذلة، نحن شعب دفعنا ثمن الكرامة دماء. ولكنهم كذبوا.. لا طالما كانت أخبار الأجداد مصدراً لا غبار عليه! وكأنه كتاب مُنزل ولكن للأسف الكتاب مُحرّف أو لربما حرّفوه! الكتاب مُزوَّر أو لربما زَوروه وبِتُّ كما جدّي مخدوعة بأحاديث وأخبار لا تمت لنا بصلة! 

بلدنا هذا لا يغطي قمم جباله كما سفوحها سوى النفايات، بلدنا هذا شاطئه ليس لاستجمام الصيف، شاطئه مردوم إمّا لإقامة مكب للنفايات أو لإنشاء منتجع سياحي لحيتان المال الذين اغتصبوا أرضنا كما اغتصب الصهاينة فلسطين! بلد الفكر بات غريباً علينا، بعيداً عناّ، فضل هو ومفكريه تركنا وحيدين في بلدٍ لا يشبهنا، في بلدٍ فرضوه علينا كما فرض الاحتلال بطشه في 1982.

مفهوم المواطنة انعدم، بات الوطن بالنسبة لنا يجسده مجرمو الحروب سفاكو الدماء الذين تلطخوا حتى آخر شعرة في رأسهم بدماء الأبرياء إلى أن تساقط شعرُ بعضهم غرقاً في دماء الأطفال والنساء. أولئك هم عندنا الوطن! ولم يكفهم كل هذا، لم يكفهم حقدهم على لبنان، لم يكفهم الويل الذي عاشه هذا الشعب جرّاء المجازر التي طالته ومعظمها كانت بسبب خيانة أولئك الذين نصّبوا أنفسهم زعماء علينا.
 

لم يقتلوننا بالسلاح فأرادوا قتلنا ببطء، سمموا لنا الهواء، الماء، الطعام ولا زلنا نعشقهم، لازلنا كالكلاب ننبح أمام قصورهم، لا زلنا نركع حتى يصعدوا على أكتافنا ويتعالوا أكثر فأكثر ويسحقوننا أكثر فأكثر! ردمونا بالنفايات حتى بات السرطان يعشش في أجسادنا، اقتادونا كالنعاج الى معالف الذل والفقر والبطالة والمرض ولا زلنا كمن لسعته إبرة البنج! مخدرين، مستسلمين، خاضعين، ننظر إليهم وكأنهم "الرب" الحاكم المُسيطر!
 

أتركوا لنا الأرض منهوبة، مبعثرة، مشتتة، مسممة! أتركوها تحتضر، ضعيفة، هزيلة.. ولكن أتركوها! ارحلوا ونحن سنعيد إعمارها.

أولئك المجرمون، الفاسدون، السارقون، فاقدوا الضمير يقتلوننا يومياً ببطشهم وفسادهم ولا يكتفون! بلغت فيهم الوقاحة أقصى درجاتها، وعندما رفعنا الصوت مناشدين العالم إنقاذنا، مناشدين شعبنا الوقوف معنا كي لا نغرق كلنا، حرّضوا شعبنا علينا، رشونا بالمياه، ضربونا بالعصي، جعلونا نحتضر من روائح الغازات السامة التي رموها علينا، أطلقوا علينا عبارات وأسماء وصفات لا تشبه أحد سواهم وأفعالهم تدل عليهم! 

ماذا تريدون منّا؟ ثرواتكم فاقت قدرة عقولكم على الاستيعاب تورِّثون منها أبنائكم، وأبناء أبنائكم ومن منكم في طور تجميع ثرواته فليكن بعونه "الله" وينتهي قريباً ولكن عِدونا أنكم عندما تنتهون وتملؤون خزائنكم من جيوبنا أن تركبوا طائراتكم وتغادروا أرضنا!

اتركوا لنا الأرض منهوبة، مبعثرة، مشتتة، مسممة! اتركوها تحتضر، ضعيفة، هزيلة.. ولكن اتركوها! ارحلوا ونحن سنعيد إعمارها ، سنعيد تنظيفها، سنرمم ما هدمتموه، سنعيد أرضنا المغتصبة ولكن في البداية ارحلوا!



حول هذه القصة

عادت صور أكوام النفايات لتتصدر نشرات الأخبار المحلية في لبنان وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها لم تعد حكرا على بيروت وإنما امتدت إلى قرى وبلدات خارجها.

2/9/2016

لم ينعكس الجو السياسي الإيجابي نسبيا على الجلسة الـ45 لانتخاب رئيس للبنان التي لم يكتب لها أن تعقد ظهر الأربعاء، ولم ينتج عنها ملء الفراغ المتواصل منذ عامين ونصف.

28/9/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة