عن الغاية عزيزي المثقف

المثقف الإقطاعي
إن استثمار الذات والهِبات فيما يعود على صاحبهما بالنفع، لعين العقل ومناط الغايات، والنفع بمفهومه الواسع ينسحب على الآخر، الآخر أيًا يكن، إذ قد يكون إنسانًا، أو أمّة من الأمم، أو النفع للبشرية جمعاً دونما مثنوية، كما هو الحال في شأن العباقرة الذين غيروا وجه العالم.

 

العبقري في تعريفه، ذاك الذي يترك الدنيا بعده ليست كما كانت قبله، والأمثلة حيال أولئك العباقرة متظافرة، كآينشتاين ونيوتن وغيرهما، الذين ساهموا في بناء الحضارة، وغذوا السير في سبيلها حتى وصل كل منهم إلى ما يصبو، إن لم يكن ذلك من منظورهم، فقد كان كذلك من منظور من أتى بعدهم.

إن الغاية الكبرى من البحث، كل البحث، هي كيفية الوصول إلى الله، لا كيفية الوصول إلى الذات في منأى عنه.

اختياري لكلمة المثقف لا أعني بها فيما أعني المثقف فقط، بقدر ما وجدت الصفة أقرب إلتصاقاً بالعالم والمفكر والفيلسوف، وأكثر شيوعاً ومقبولية في العقل الجمعي، حيال من ذكرنا إذا ما نعت أحدهم بصفة مثقف. أما الحصرية بصفة فيلسوف أو عالم فذلك سيكون بمثابة إغلاق على من دونهم، وسيُفهم منه وكأننا نتحدث عن الفيلسوف لا سواه، أو عن العالم فقط. ولذلك سأدير تدوينتي على هؤلاء جميعاً، الذين تحدجهم الثقافة بكلتا عينيها كما لو كانوا في سياق واحد منتظم لا تباين أو تفاوت فيه.

لطالما بذل المثقفون قصارى جهدهم في البحث عن الذات الخيالية أو المتخيلة بواسطة الذات الحقيقية، وكلما توصلوا إلى ربوة مجد، أصابهم اليأس والألم، وهرعوا يبحثون عن ربوة أخرى، وهم في ذلك يجدون أنفسهم في سياقها المتصادق مع الغاية، واهمون في إشباعها، أو البحث عن إشباع شراهتها التي لا تشبع، وفي الإبّان لم يلتفتوا إلى نقصان النضج الذي يتعاورهم، فكان النجاح بتعبير المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي: "لا شيء يفشل مثل النجاح".

الفشل المنقصة التي لم يرها المثقف، ولا فشل حقيقة يضاهي النجاح، إلا ذلك الفشل الذي لا يراه المثقف في مسار التدرج لليقين، أو ما أسميه باليقين الفاشل. حيث يأخذه من العقلانية التي هي عند التحقيق قالب ثقافي لا قالب عقلي، إلى العصمة العقلانية، فيطلق أفكاره للريح، بينما قدماه عالقتان في وحل الثقة، ويسعى جاهداً في اجتذاب الكينونة من القاع إلى الرقاع المتعالية، ولا يفكر في غير سبيل الكينونة، وإخراجها من عدمية الأرقام البشرية الخاملة إلى المراقِ العامرة. إلا أنه في كل خطوة نجاح يعود أسيراً للفشل، للغربة، للفراغ. يشعر كما لو أنه خواء، لا تشبعه إنجازاته وأزهار معارفة التي يقتطفها من حدائق العلم. 

قد يتنصل عن الحقيقة الدينية، بحجج واهية، يكذّبها خواؤه الروحي، وعراكه الوسنان، فيتخذ الإلحاد رافعة من روافع النبوغ واللوذعية، واللاأدرية دافعاً من دوافع البلوغ الواعي، ولا غضاضة في أن يبدي لنفسه ولمحاوره ذلك اليقين الفاشل، من منطلقات علمية، وفرضيات ونظريات ورؤى، وهو في واقع الحال لا يزم خطام عقله، إنما هوائية النفس وزيت النمط المغاير للنمط الداثر، يجعل عليه ذبالة البحث فيما أراد هو، لا فيما ينبغي أن يبحث عنه أو فيه، وفي كل مرة يجد تراكم البحث في الاتجاه الذي يؤمن به سلفاً، أو الذي يداخله ما بين فينة وأخرى، وهكذا حتى يتبلد، فيحسب التبلد ثبات، والثبات بصيرة نافذة.

ما كان للمثقف أن يكون خاسراً، لو لم يكن قد استفاق على الحماقة التي أحالته في عين انتفاخه إلى قديس، يفهم القدر، ويدرك التقدير.

إن الغاية الكبرى من البحث، كل البحث، هي كيفية الوصول إلى الله، لا كيفية الوصول إلى الذات في منأى عنه، ولا محصل للبحّاثة أيّاَ يكن مقامه، ومهما بلغت ذروة عبقريته ونضوجه، مالم يكن له إلى الله بحث. حيث أن أقصى ما يمكن أن يقوم به المثقف هو بناء الحضارة، وإفادة الأجيال، في مقابل تهدم مآله وإلى الأبد، والحكيم من يدرك هذه التعرجات الآتية عليه بالخسار المطلق، المتصالحة مع غيره، فيسارع في تكفيل النجاح بالنجاح، نجاح الكيان ونجاح المآل، ولا استقرار للمثقف دونهما.

إذا ما أخذنا بارتراند راسل كفيلسوف وكملحد نموذجاً للمثقف، فنحن نتحدث عن عقلية جبارة لا يمكن الاستهانة بها بأي معنى من المعاني، إلا أنه لم يكن في النهاية سوى رجل فاشل في ذاته، ناجح فيما أنجز معرفياً، لم تفده كشخص، بالقدر الذي كان عودها بالنفع على الآخرين من بعده، ولم يستيقظ من مغبة الذكاء المفرط الذي أحاله إلى غباء، إلا حين كانت لحظة الحقيقة الصادمة، لحظة النهاية، فطلب ممن حوله بأن يستدعوا له الكاهن كي يلقنه كلمات الخلاص.

 
ما كان للمثقف أن يكون خاسراً، وأن تكون تلك العجوز أنجح منه، لو لم يكن قد استفاق على الحماقة التي أحالته في عين انتفاخه إلى قديس، يفهم القدر، ويدرك التقدير، ويحسب في الديانة ما يحسبه في دواعشها، فيتقزم فكره حين تقزيمه لها، ويتساقط قدره حين مقارعتها كأساس، ولا يتريث؛ حين يقرع الطمع في رأسه مراجيح الخلود، فيلهث خلف الصدى، وفي كل مرة لا يجد سوى صوته، وعلى هذا المنوال يظل يبحث عن المنال، ولا منال في دنيا منالها زوالها.

إنني لا أصادر حق المثقف، ولا أقرر مآله أو مقاله، ولا أبيع له النصائح، ولكني أحاول محاكاة ما أزورّت عنه الأبصار، واعتقلته المسارات والسطور والأحداث، تحدوني في ذلك البهجة الموقظة لذاتي ابتداءً، ولمن يركضون على خيوط الليل بفضل إضاءة القمر انتهاء، فذواتنا محرك من محركات ألبابنا، وتلك ألبابنا قميص الحياة التي نتدثرها، في لحظة البداية والنهاية، ولا عوض للمثقف عن الجمع، واكتساب اللحظة وترجمتها في الحياة الأولى وفي الحياة الآخرة بما يحقق الغاية النافعة.



حول هذه القصة

المثقف الإقطاعي

كثيرا ما يطرح سؤال يتعلق بسلطة المثقف هل هي موجودة، ثم ما هي عناصر هذه السلطة؟ وما العلاقة بين سلطة المثقف والأيديولوجيا والقمع؟ وكيف يمكن التعبير عن جدلية الثقافة والوعي؟

المربية عروبة

بثت قناة الشابة السورية ولاء موصلي عبر موقع يوتيوب حلقة جديدة تستنجد فيها بـ”المربية عروبة” لتثبيت الثقافة العربية عند ابنها حمزة الذي جرفته الثقافة الغربية وغيرت شكله ولغته.

Published On 29/7/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة