هذه واحدة من الليالي الكبيسة؛ حيث لا نوم، ولا أمان، والمدينة تغرق في صمت قاتل مخيف، يقطعه صوت الصواريخ وارتطامها بالمباني، وأصوات أبواق إسعاف متقطعة تولول لنجدة أحدهم..

هذه واحدة من الليالي الكبيسة؛ حيث لا نوم، ولا أمان، والمدينة تغرق في صمت قاتل مخيف، يقطعه صوت الصواريخ وارتطامها بالمباني، وأصوات أبواق إسعاف متقطعة تولول لنجدة أحدهم..

في عصر يوم الاثنين، صدرت أوامر تقضي بالإخلاء الفوري لحينا والأحياء المجاورة، فتبددت الراحة الواهية المتوشحة والمغلفة بأصوات الصواريخ والتفجيرات التي كنا نسمعها يوميًّا في المدينة..

أسيرُ في الطريق فلا أرى غير العيون، أذهب إلى عملي ولا أجد أشخاصًا بل عيونًا، أخرج علّني أحظى بنسمة تدخل صدري، فتزيح عن قلبي بعض الهم وتُسرّي عني، فأرى حمامًا يأكل ما نُثر من بقايا الخبز وفتاته.

ملامح كل شيء تغيرت هذه المدينة التي لم أفارقها منذ ولادتي والتي قضيت فيها عمري، أصبحت فارغة تغيرت علينا، وأُلبِستْ ثوباً ليس لها، الكثير من الأماكن خاوية، بائع الشاي الساخن، لم يصبح مكانه بارداً..

هذه المرة سأكتب مقالتي بشكلٍ مغاير، لربما تنشر حال حياتي، ولربما يكتشفها أحدهم في مدونتي، ويرسلها لتُنشر نيابة عن روحي الشهيدة.

زنبقة من زنابق فلسطين، صوتها وتوقيعها في نهاية النشرة كان موسيقا ونغمة لا يكتمل اللحن إلا بها، حمامة مقدسية بنت عشها في القدس المحتلة، تقاوم كما يقاوم أبناء جلدتها.

أمي التي أحبت أبي أكثر من كلِ شيءٍ، وأي شخص، أكثر منا نحن أطفالها، لا أقول إنها لم تحبنا، ولكن حبها لأبي أغشى عينيها، فتعامت عن أفعال أبي وتغاضتْ.

كانت أمها تبكي، والنساء ملتفات حولها. تركت أمها وذهبت حيث يوجد عمها. كان والدها مسجى على لوح خشبي، رأسه مضمد من الخلف. رصاصة واحدة استقرت في دماغه.

في فلسطين التنانين كثر، لا يملون عذاباتهم، ولا يملون وإن مل سجانهم، 6 وملعقتهم قضوا ما يقارب السنة لحفر نفق الحرية بأبسط الأدوات التي تسنى لهم الحصول عليها، والتي عملوا على إعادة تدويرها.

الطرق ممتلئة حتى آخرها، أقدام السابلة تقرع الطريق وكأنها مظاهرة أطفال سلمية يخرجون كل صباح لتحقيق مطالب لا يعرفونها، الفقراء منهم حفظت أقدامهم الطريق الذي يذرعونه كل يوم ولسنوات.
