السلام الحقيقي لا يقاس فقط بوقف إطلاق النار بين الخصوم، بل بمدى قدرة دول المنطقة كافة على العيش في بيئة آمنة ومستقرة بعيدة عن التهديد والابتزاز والصراعات بالوكالة.


وهو باحث وأكاديمي رائد، معروف بخبرته في العلاقات الدولية، والاتصال السياسي، وديناميات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
السلام الحقيقي لا يقاس فقط بوقف إطلاق النار بين الخصوم، بل بمدى قدرة دول المنطقة كافة على العيش في بيئة آمنة ومستقرة بعيدة عن التهديد والابتزاز والصراعات بالوكالة.

لا يبدو الاتفاق الأمريكي الإيراني خطوة نحو حل تاريخي، بل مناورة سياسية هدفها شراء الوقت وخفض الكلفة. إنه اتفاق يوقف النار من دون أن يطفئ الحريق، ولذلك فإن وصفه بالإنجاز الكبير يبدو مبالغا فيه.

تدرك الولايات المتحدة أن الصين باتت تعتمد بشكل متزايد على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج، وأن أي انكفاء أمريكي عن المنطقة قد يفتح المجال أمام بكين لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي، وربما العسكري.

إن بقاء النظام الإيراني لا يمثل نهاية الصراع، بل تحولا في طبيعته وأدواته؛ فمرحلة «لا حرب ولا سلام» ليست محطة عابرة، بل قد تتصلب لتصبح نمطا مستداما كما تشير النماذج الدولية المقارنة.

يقف مجلس التعاون اليوم أمام مفترق طرق تاريخي لا يحتمل التأجيل أو الحلول الوسط. فإما أن يتحول إلى كتلة إستراتيجية تمتلك أدوات الردع الجماعي وتفاوض القوى الكبرى من موقع الندية، أو أن يبقى إطارا تنسيقيا.

يقف المجلس اليوم أمام مفترق طرق لا يحتمل التأجيل: إما التحول إلى كتلة إستراتيجية متماسكة قادرة على إدارة المخاطر، أو البقاء إطارا بروتوكوليا يتآكل تدريجيا في عالم يتجه بسرعة نحو التكتلات الكبرى.

لم تعد دول الخليج في موقع الانتظار أو القبول بنتائج تصاغ خارج إرادتها وتمس مباشرة أمنها ومجالها الحيوي. لقد تبدلت قواعد التفاعل الإقليمي، ولم يعد مقبولا أن ترسم ترتيبات المنطقة في دوائر مغلقة.

كلما تكررت الضربات عبر الوكلاء وظل الرد مقيدا، تحول ضبط النفس من علامة رشد إستراتيجي إلى ما يفسَر على أنه انكشاف قابل للاستغلال. والأخطر أن هذا المنطق قد يدفع نحو تصعيد لم يكن خيارا أصيلا.

تمثل الحرب ضد إيران نقطة تحول في تاريخ الأمن الخليجي. لقد كشفت الحرب عن تحديات كبيرة، تواجهها البنية الأمنية، وأبرزت الحاجة لإعادة التفكير في هندسة الردع الإقليمية.
