من "ماشا والدب" إلى "مزرعة الحيوان".. هل تخفي الرسوم المتحركة رسائل سياسية؟

حفظ

بوستر ماشا والدب
الملصق الدعائي لفيلم "ماشا والدب"(الجزيرة)

أثار مسلسل الأطفال الروسي "ماشا والدب" (Masha and the Bear) الجدل مؤخرا في بريطانيا، بعد مطالبات من برلمانيين بمراجعة استمراره على المنصات الرقمية، بدعوى أنه يمثل "إحدى أدوات القوة الناعمة الروسية"، مما يعيد إلى الواجهة موضوعا أُثير من قَبْل مرات عدة على مر تاريخ أفلام الرسوم المتحركة، حول دورها في نقل الرسائل السياسية والأيديولوجية.

منذ ظهور الرسوم المتحركة، لم تبقَ في منأى عن التحولات السياسية والحروب والصراعات الدولية، ووجدت نفسها في أحيان كثيرة طرفا في هذه التحولات، سواء عبر توظيفها عمدا في خدمة أهداف الدول، أو من خلال قراءات سياسية أُسقطت عليها لاحقا.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وبين الدعاية المباشرة في زمن الحروب، والاتهامات الحديثة المرتبطة بالقوة الناعمة والهوية والثقافة، تبدو العلاقة بين السياسة والرسوم المتحركة أكثر تعقيدا مما هي عليه ظاهريا، ومن ثم فإن الجدل حول "ماشا والدب" ليس استثناء. في هذا التقرير نستعرض جزءا من هذا التاريخ الطويل من تسييس عالم الكرتون.

هل كانت الرسوم المتحركة بريئة يوما؟

منذ أعوام طويلة، لم يعد يُنظر إلى أفلام الرسوم المتحركة على أنها مجرد وسيلة ترفيهية للأطفال، بل واحدة من المسارات المحتملة لتشكيل الصورة الذهنية للدول ونقل قيمها وثقافتها، وهو ما يندرج ضمن مفهوم "القوة الناعمة". ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تصاعدت الحساسية الغربية تجاه المنتجات الثقافية الروسية، لتصبح الأعمال نفسها موضع مساءلة سياسية، حتى وإن لم تتضمن رسائل مباشرة أو معلنة.

ويرجع السبب وراء هذا الجدل الواسع حول "ماشا والدب" إلى أن نوابا بريطانيين يرون أنه يقدم "صورة إيجابية" عن روسيا، ويدفع الأطفال "للتطبيع" مع بعض الرموز التي تعود إلى حقبة الاتحاد السوفياتي، مستندين إلى ظهور البطلة في بعض الحلقات بقبعات أو أزياء "ذات طابع عسكري سوفياتي"، ويزيد من حدة هذا "التخوف" الانتشار العالمي الواسع للعمل عبر المنصات الرقمية.

إعلان

ورأى النواب أن هذا الانتشار يمنح روسيا وسيلة للتأثير الثقافي في الأجيال الجديدة، بينما نفت شركة "أنيماكورد" (Animaccord) المنتجة للمسلسل هذه الاتهامات، مؤكدة أن العمل ترفيهي بحت ولا يحمل أي رسائل سياسية، وأن الشركة مستقلة عن الحكومة الروسية.

ويبدو هذا الجدل حديثًا، غير أن الربط بين الرسوم المتحركة والسياسة ليس وليد الأزمة الجارية، فمنذ الحرب العالمية الثانية أدركت الحكومات قدرة الشخصيات الكرتونية على الوصول إلى الجمهور بطريقة أكثر تأثيرا من الخطابات الرسمية، وتحولت الرسوم المتحركة إلى أداة دعائية صريحة.

ففي الولايات المتحدة، أنتجت استوديوهات ديزني فيلم "وجه الزعيم" (Der Fuehrer’s Face)، الذي سخر من الزعيم الألماني أدولف هتلر ومن النظام النازي بهدف دعم المجهود الحربي الأمريكي، كما قدمت فيلم "التعليم من أجل الموت" (Education for Death)، الذي يصور كيف يحول النظام النازي الأطفال إلى أدوات للدولة عبر التعليم والدعاية.

وفي السياق ذاته استخدمت الإمبراطورية اليابانية الرسوم المتحركة بالطريقة نفسها من خلال فيلم "بحارة موموتارو المقدسون" (Momotaro: Sacred Sailors)، الذي شجع الأطفال على تأييد الجيش والإمبراطورية.

من ساحات القتال إلى حرب الأفكار

اتخذت العلاقة بين الرسوم المتحركة والسياسة، مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، شكلا مختلفا، إذ أصبحت جزءا من الصراع الأيديولوجي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وجزءا من معركة كسب العقول وترسيخ النموذج السياسي والاقتصادي لكل معسكر.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك فيلم "مزرعة الحيوان" (Animal Farm)، المقتبس عن رواية جورج أورويل الشهيرة. فعلى الرغم من أن الرواية كانت في الأصل نقدا للأنظمة الشمولية، كشفت وثائق رُفعت عنها السرية في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) في تسعينيات القرن الماضي أن الوكالة موّلت إنتاج النسخة الكرتونية عام 1954 سرا، وعدّلت نهايتها مقارنة بالرواية الأصلية.

الملصق الدعائي لفيلم "مزرعة الحيوان"
الملصق الدعائي لفيلم "مزرعة الحيوان" (الجزيرة)

ففي حين تنتهي رواية أورويل بإيحاء أن الاستبداد يعيد إنتاج نفسه مهما تغيرت الوجوه، جعل الفيلم الحيوانات تثور مجددا، في رسالة أكثر تفاؤلا تخدم الخطاب الأمريكي الداعي إلى مقاومة الأنظمة الشيوعية أثناء الحرب الباردة.

وفي الجهة المقابلة، وظف الاتحاد السوفياتي الرسوم المتحركة لترسيخ رؤيته السياسية كذلك، فقد أنتج استوديو "سويوزمولتفيلم" (Soyuzmultfilm)، الذي يُعد أكبر استوديو للرسوم المتحركة في الاتحاد السوفياتي، عشرات الأفلام التي مجدت قيم العمل الجماعي، والانتماء للدولة، والتعاون على حساب النزعة الفردية، وهي القيم التي شكلت جزءا أساسيا من الخطاب السوفياتي آنذاك.

ولم تكن هذه الأعمال تهاجم الغرب بصورة مباشرة دائما، لكنها قدمت نموذج المواطن السوفياتي المثالي الذي يعكس قيم النظام الاشتراكي.

ومع اتساع رقعة الحرب الباردة، أصبحت الرسوم المتحركة جزءا من التنافس الثقافي بين القوتين العظميين، وسعت كل منهما إلى تصدير رؤيتها إلى العالم بأكمله عبر السينما والتلفزيون، وانتقلت الرسوم المتحركة من أداة تعبئة في زمن الحرب إلى وسيلة للتأثير الثقافي طويل المدى، وهو التحول الذي مهد لاحقا لظهور مفهوم القوة الناعمة، الذي عاد إلى الواجهة اليوم مع الجدل الدائر حول "ماشا والدب".

من الدعاية إلى التأويل

واليوم تمتد هذه الاتهامات الموجهة إلى أفلام الرسوم المتحركة لتصل إلى أعمال لم يعلن صناعها أي نية لتقديم رسائل أيديولوجية، فمع اتساع المنصات الرقمية وسهولة وصول المحتوى إلى جمهور عريض وعابر للحدود الجغرافية، باتت الرسوم المتحركة تُقرأ في ضوء السياقات السياسية والثقافية التي تُعرض فيها.

فيلم "زوتوبيا" (Zootopia) الذي اعتبره كثيرون كناية عن العنصرية والتمييز المؤسسي
فيلم "زوتوبيا" (Zootopia) الذي اعتبره كثيرون كناية عن العنصرية والتمييز المؤسسي (الجزيرة)

وأحد أبرز الأمثلة على هذا التحول فيلم "زوتوبيا" (Zootopia)، فعلى الرغم من كونه فيلما عائليا عن تقبل الآخر ونبذ الأحكام المسبقة، فإن كثيرين اعتبروه كناية عن العنصرية والتمييز المؤسسي، بينما رأى آخرون أنه يطرح رؤية سياسية لقضايا اجتماعية معقدة داخل عمل موجه للأطفال.

إعلان

ولم يكن هذا الجدل نابعا من تبني ديزني موقفا سياسيا محددا، بقدر ما ارتبط بالطريقة التي استقبل بها الجمهور والنقاد الفيلم في ظل النقاشات المجتمعية المحتدمة حول هذه الموضوعات.

وبصورة مشابهة، أثار مسلسل "كابتن بلانيت وفرقة الكواكب" (Captain Planet and the Planeteers)، منذ تسعينيات القرن الماضي، نقاشا حول الحدود الفاصلة بين التوعية والدعاية، بعدما اتهمه بعض المحافظين بالترويج لأفكار بيئية مناهضة للرأسمالية، في حين اعتبره آخرون مجرد عمل يهدف إلى تشجيع الأطفال على حماية البيئة والموارد الطبيعية. وأظهر الجدل أن العمل الواحد قد يكتسب دلالات سياسية مختلفة تبعا لزاوية النظر إليه، حتى وإن لم يكن قد أُنتج لهذا الغرض.

والخلاصة أن أزمة "ماشا والدب" هي امتداد للتحول الأوسع الذي شهدته قراءة أفلام الرسوم المتحركة في العقود الأخيرة، فبعد أن كانت الحكومات تستخدمها أداة دعائية مباشرة أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم وسيلة للتأثير الأيديولوجي أثناء الحرب الباردة، أصبحت اليوم أعمالا تُخضعها الصراعات الجيوسياسية والثقافية لتفسيرات متباينة، قد تتجاوز كثيرا ما قصده صناعها.

المصدر: الجزيرة

إعلان