من "آرغو" إلى "ماء الورد".. صورة إيران في سينما هوليود

حفظ

‎⁨بن أفليم مخرجاً وممثلاً⁩.webp imdb Foto de Courtesy Warner Bros. Entertainm - © 2012 Warner Bros. Entertainment Inc.
الممثل بن أفليك في فيلم "آرغو" الذي أنتجته وارنز براذرز عام 2012 (موقع آي إم دبي بي)

على مدار عقود كانت لإيران منزلة كبيرة في كواليس برامج الإنتاج السينمائي داخل هوليود، إذ عملت واشنطن على دعم هذه الأفلام، ومحاولة الترويج لها بهدوء، منذ اللحظة التي توترت فيها العلاقات بينها وبين طهران عام 1979 بسبب ما عرف بـ "أزمة الرهائن".

ومنذ تلك اللحظة أصبحت إيران تمثل عنصرا تخيليا أساسيا في السينما الأمريكية، خاصة حين يكون فضاء الشرق الأوسط مسرحا جماليا لأحداث الفيلم ووقائعه.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

لكن تناول صورة إيران في أفلام أمريكية، لم تكن تطبعه أي نظرة فنية يتذرّع بها المخرج السينمائي لبناء نظام الحكاية وخيوطها البصرية المتشابكة بين فضاء وآخر، بل جاءت الصور مشحونة بالنقد الأيديولوجي والتبشير بالتكتيك العسكري والمفاوضات الأمريكية الداخلية، التي تحاول أنْ تُظهر للمجتمع الإيراني عمق الأزمة التي تسببت بها الوجوه الدبلوماسية والقوى الحاكمة في طهران بشكل عام.

ومن ثم فإن صورة وتمثلات الصراع العسكري الأمريكي الإيراني، لا يوازيه من حيث الكثافة السينمائية، إلا الصراع الهندي الباكستاني حول منطقة كشمير، والذي شغل بدوره تاريخ الفنّ السابع في الهند، رغم الطابع الإنساني الذي تميّزت به أفلام هندية نددت بعنف الصراع وشجّعت وقف حرب الكلام والدعاية السياسية واستئناف علاقات المحبة والصداقة بين البلدين.

من فيلم %22ليس بدون ابنتي%22 imdb © Metro-Goldwyn-Mayer Studios Inc. All Rights Reserved.
مشهد من فيلم "ليس دون ابنتي" (موقع آي إم دي بي)

سياق تاريخي

غير أن السياق التاريخي الأمريكي-الإيراني يظل مختلفا، إذ لا يجد المُشاهد فيلما سينمائيا أمريكيا واحدا يتعامل بموضوعية مع الوجود الإيراني، سياسة وفنا ومجتمعا. فأغلب الأفلام تنتقد إيران وتعمل جاهدة على تشويه صورتها.

ولا غرابة أنْ تتحول هوليود منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين، إلى مختبر لإنتاج الصور والرموز والعلامات التي تنتقد المجتمع الإيراني، وتتبنى وتدعم مجمل الأفلام التي تشعر من خلالها أنها تعرّي الواقع السياسي الإيراني.

إعلان

لذلك، يعتبر العديد من النقاد أن ما كان يُصنع داخل المؤسسات الفنية في هوليود من أفلام ذات صلة بخرق القانون الدولي والتسلح النووي وانتهاك حقوق الإنسان والعنف ضد المرأة وصناعة الإرهاب، يتم إسقاطه بشكل ميكانيكي عندما تكون المدن الإيرانية مسرحه السينمائي الكبير.

على مدار سنوات طويلة أججت هوليود وعي الناس وخيالهم السياسي لتقبّل فكرة الحرب على إيران والتأقلم معها، فهو مشروع أيديولوجي قديم سبق كافة العلاقات الدبلوماسية والتخطيطات العسكرية والتدجين الإعلامي.

وبهذه الطريقة تغدو سينما هوليود دعاية أيديولوجية، غايتها بث نوع من الرهاب في الوجدان السياسي الإيراني، وليس التعامل فنيا وجماليا مع واقع إيران بحكايات تستوحي بعضا من مشاغل المجتمع ومآزقه وظواهره.

وتعزز هذه النظرة العديد من الوثائق التي تؤكّد طبيعة العلاقة الوثيقة بين وزارة الحرب الأمريكية وبين أعضاء بارزين ينتمون إلى المؤسسة السينمائية في هوليود، والتي قد تصل أحيانا إلى حد التدخّل في سيناريو فيلم لبناء سردية "وطنية" أمريكية واهية، تدين الحروب في العالم وتقدّم فيها أمريكا على أنها المُنقذ من الضياع.

توم كروز في فيلم توب غن(آي إم دي بي)
توم كروز في فيلم توب غن (آي إم دي بي)

حرب الصور

والأخطر في الموضوع، هو الطريقة التي يتحول بها فن يُعرف بكونه "شعبيا وأكثر ديمقراطية" على حد تعبير الفيلسوف الأمريكي ستانلي كافيل (1926-2018)، إلى وسيلة لشن الحرب وآلية من آليات توليد الخطاب العسكري المُشجّع على القتل والمأساة، ودعامة أساسية في إنتاج سرديات سياسية يهمّها فقط الوجود المؤسساتي، وليس الإنسان باعتباره أصل الوجود ونبضه.

أفلام هوليود، التي انتقدت إيران بشكل ظاهر أو مضمر، اختلفت نبرتها على مستوى "التنبؤ" بالحرب الأمريكية الإيرانية، انطلاقا من مقاربات بصرية معينة ومعالجات فنية مختلفة، لكنها في العموم تتقاطع مع بعضها في اعتبار إيران "خطرا يهدد البشرية"، ويعطل مسار البلاد نحو الحداثة.

لجأت واشنطن إلى هوليود لشرعنة أفكارها وتمويه المتفرج بها، من خلال جعل نواياها الحقيقية المتمثلة في الحرب، تتماهى مع الجانب التخييلي الذي تحبل به الأفلام السينمائية.

لذلك فمنذ اللحظة التي أعلنت فيها واشنطن الحرب على طهران، وجد المواطن الأمريكي المتشبّع لعقود طويلة بالغارات السينمائية على إيران، امتدادا لما ينبغي أنْ تكون عليه الحرب اليوم للقضاء على الوجود الإيراني المهدد للشرط الإنساني، ويرى أنّ التسلّح الإيراني المتواصل والدائم، هو مكمن الخوف بالنسبة للولايات المتحدة، وليس تراجع حقوق الإنسان وارتفاع نسبة تعنيف المرأة كما يروّج لذلك الإعلام الأمريكي.

وقد جسّد هذه النظرة بشكل خفيّ فيلم "توب غن: مافريك"، (Top Gun : Maverick)، عام 2020 للمخرج جوزيف كوزينسكي، وهو الفيلم الذي تتلخص فكرته في ضرب عدو "محتمل" يبني منشأة نووية تحت الأرض.

في ظل تصاعد نفوذ أحزاب اليمين في أمريكا، يصعب الفصل بين المؤسسات الأمنية ونظيرتها الفنية والسينمائية، إذ إن الفئة الأولى أدركت أن العالم دخل إلى زمن التقنية، وأن الصورة لها سطوتها، لذلك راهنت على سينما هوليود كثيرا في اختراق الوعي الجماهيري والتمهيد لتقبل سياساتها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط.

إعلان

إن حرب الصور السينمائية التي خاضتها أمريكا، أكثر سلطة وقهرا من عشرات القنابل. فقد دخلت هوليود إلى مرحلة إنتاج الصور، باعتبارها "قوة ناعمة" تشجع على الحرب سينمائيا، إلى حد يمكن القول بأن ضربة 28 فبراير/شباط 2026 تخيّلتها السينما الأمريكية منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي.

(L-r) BEN AFFLECK as Tony Mendez and BRYAN CRANSTON as Jack O’Donnell in “ARGO,” a presentation of Warner Bros. Pictures in association with GK Films, to be distributed by Warner Bros. Pictures. © 2012 - Warner Bros. Pictures
بن آفليك (وسط) لعب دور عميل للمخابرات الأمريكي في فيلم "آرغو" (وارنر براذرز)

ضربة متخيلة.. صارت واقعية

المتأمل للأفلام الأمريكية المُنجزة حول إيران ومجتمعها وتاريخها وذاكرتها، يسجل مجموعة من الملاحظات، وهي أنّ مجملها تبدأ منذ لحظة قيام الثورة في إيران عام 1979 وإطاحتها بحلف الولايات المتحدة الشاه محمد رضا بهلوي (1919-1980)، وأصبحت هذه المرحلة تشكل تاريخيا بداية للصراع الأمريكي الإيراني.

بقيت إيران في المخيال السينمائي حكرا على صور بعينها من قبيل أزمة الرهائن ومشكل التسلّح النووي وإحكام السيطرة عسكرياً وظهور إيران بمظهر الدولة القوية المنافسة لأمريكا داخل منطقة الشرق الاوسط، ولطالما حضرت هذه العناصر/التخوفات في مجموعة من الأفلام مثل "رجم ثريا" (2008)، و"ليس دون ابنتي" (1991)، و"ماء الورد" (2014).

أما الموضوعات الأخرى، وإنْ كانت تبرز على السطح بوصفها عناوين رئيسية للأفلام مثل تفكك الحياة الأسرية وانعدام حرية التعبير وتعنيف المرأة، فإنها تبقى مجرد عناصر بصرية، وإن كانت حقيقية.

ومن ثم فالرهان الأكبر لأعمال هوليود يتمثل في محاولة زعزعة أصول البنية الحاكمة في إيران من خلال العلامات البصرية، في محاولة للتأثير على الطرف الآخر ودفعه للدخول في حرب نفسية عويصة.

في فيلم "آرغو" (2012)، تبدأ الحكاية مع 1979 في إطار أزمة الرهائن، إذ عمل المخرج والممثل بن أفليك على تفكيك المتخيل السياسي من خلال قصة مقتبسة عن عميل المخابرات الأمريكية توني منديز الذي حاول إنقاذه 6 دبلوماسيين من وسط السفارة الأمريكية في طهران.

وقد فاز هذا العمل بجائزة أفضل فيلم في النسخة الـ85 لجوائز الأوسكار، وقدمتها السيدة الأولى في أمريكا وقتها ميشيل أوباما، وقد مثلت هذه الخطوة "السيادية" -في نظر العديد من النقاد والمحللين للشأن الفني- القيمة الكبرى التي احتلها الفيلم داخل مراكز القرار، واعتُبرت إيمانا من الإدارة الأمريكية بالدور المركزي الذي تلعبه السينما في بناء سرديات سياسية وتمهيد عسكري للضربات الموجعة والقاضية التي ظلّت تحلم بها واشنطن تجاه طهران.

المصدر: الجزيرة
كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان