سطو: دراما تشويقية تفضح هشاشة النظام المالي البريطاني

نجح المسلسل البريطاني الجديد "سطو" (Steal) في تقديم رؤية مختلفة لمعنى السرقة في المجتمع الحديث، متجاوزا حدود الاقتحام المسلح إلى مساءلة النظام الاقتصادي نفسه، وكيف يمكن لثغرة في منظومة المعاشات وصناديق الاستثمار أن تتحول إلى أزمة تمس حياة ملايين المتقاعدين.
وعلى امتداد 6 حلقات فقط، ينجح العمل في تفكيك خيوط هذا العالم المراوغ، واضعا المشاهد أمام مزيج من التشويق والدراما النفسية، حيث تتحول جريمة سطو على مليارات الجنيهات إلى اختبار أخلاقي حاد لمنظومة كاملة، لا لأفرادها فحسب.
هذا المزج بين السرد التصاعدي والبعد الاجتماعي يمنح العمل ملمحا واقعيا يجعله أكثر من كونه مجرد مسلسل سرقة تقليدي، خاصة وأنه يلتقط بوضوح غضب الطبقات الوسطى والدنيا من نظام مالي يبدو مصمما لحماية القلة على حساب مدخري المعاشات.
سطو رقمي في قلب لندن
كتب المسلسل الروائي سوتيريس نيكيس في أول تجربة تلفزيونية طويلة له، مستفيدا من خبرته بالقطاع المالي واهتمامه بالأدب البوليسي الذي اعتاد نشره باسم مستعار هو "راي سيليستين".
وتدور القصة داخل شركة استثمار تدعى "لوكمل كابيتال" (Locumel Capital)، متخصصة في إدارة صناديق المعاشات. في أحد أيام العمل العادية، تتعرض الشركة لاقتحام مسلح من قبل عصابة مجهولة تجبر بعض الموظفين على تنفيذ معاملات مالية لإفراغ الحسابات من أربعة مليارات جنيهات إسترلينية (نحو 5.1 مليار دولار).
في المقابل، يقود التحقيق المفتش ريس كوفاتشي (قام بدوره الممثل جاكوب فورتشن-لويد)، المحاصر بديونه وإدمانه على القمار، مما يعقد موقفه الأخلاقي، فيما تحاول أجهزة الاستخبارات استغلال القضية لخدمة أجندتها الخاصة.
نهاية مفتوحة على جشع لا ينتهي
مع توالي الأحداث، تتكشف طبقات إضافية من السرد تشير إلى أن العملية أكبر مما تبدو عليه، وأن هناك الكثير من المتورطين والمستفيدين بين شركات استثمار، شركات دفاع، وسياسيين نافذين.
أما النهاية، فرغم أنها تمنح البطلة قدرا من الخلاص، فإنها أثارت انقساما واضحا بين من اعتبرها انتصارا متأخرا، ومن رأى فيها تبريرا غير مباشر لسرقة موجهة ضد نظام غير عادل، بينما رأى آخرون أنها بمثابة تنازل عن حدة السؤال الأخلاقي الذي يطرحه العمل منذ حلقاته الأولى.
صوفي تيرنر تقود المشهد
وقد عرض الموسم الأول كاملا في 21 يناير/كانون الثاني عبر منصة "برايم فيديو" (Prime Video)، وسرعان ما حل في المرتبة الثالثة ضمن أكثر الأعمال مشاهدة على المنصة خلال الأسبوع الأخير من الشهر، بعد الموسم الثاني من مسلسل "فول آوت" (Fallout) وبرنامج "ألعاب الوحش" (Beast Games) الواقعي.
فيما حصل على تقييم بلغ 7.1 نقطة على موقع "آي. إم. دي. بي" (IMDb) الفني، وتعكس هذه المؤشرات انطلاقة قوية للعمل، خاصة مع الحملة الترويجية التي سبقته بوصفه أحد أكثر المسلسلات التشويقية انتظارا هذا العام.
ولعل أبرز ما ميز العمل فنيا، هو الأداء التمثيلي من بطلته صوفي تيرنر (في دور زارا)، إذ تنقلت بسلاسة بين الانفعال المكبوت والخوف والجرأة، مانحة الشخصية طبقات من الهشاشة والقوة والتضارب الأخلاقي جعلتها مركز الثقل العاطفي للحكاية.
كما نجح الممثل أرشي مادكوي في تجسيد دور "لوك"، الموظف المتوتر الذي ينهار سريعا تحت الضغط، بينما قدم النجم جاكوب فورتشن-لويد أداء مقنعا للمحقق المحاصر بإدمان القمار وصراعه الداخلي. ورغم صلابة حضور الشخصيات الثانوية، فإن ضيق المساحة الممنوحة لها حد من اكتمال تطورها.
أما الإخراج فقد اعتمد على الزوايا القريبة والمونتاج السريع لخلق حالة ضغط متواصل، إلى جانب توظيف الإضاءات المتباينة بما يعزز التوتر ويخدم إيقاع الحكاية.
وتبرز قيمة العمل كذلك في الطريقة التي عالج بها النص، إذ منحته القراءة الإخراجية بعدا سياسيا واجتماعيا واضحا، يكشف أن الخطر الحقيقي لا يكمن في العصابة بقدر ما يتمثل في نظام اقتصادي يسمح بنهب الأموال العامة عبر ثغرات قانونية وبيروقراطية واسعة.
حين يخذل الإيقاع الحكاية
ورغم المميزات الفنية الواضحة، لم يخل المسلسل من عيوب مؤثرة، أبرزها الإفراط في الشرح المالي داخل بعض الحلقات، وهو ما أدى إلى بطء الإيقاع وجعل التتابع أقل سلاسة.
كما بدا إصرار السرد -في النصف الثاني من الحلقات- على إضافة خطوط جديدة تضم متآمرين وجهات متورطة أقرب إلى الاستعراض منه إلى الضرورة الدرامية، الأمر الذي أسهم في تشتيت المشاهدين.
ويرى كثير من المتابعين أن العمل كان سيستفيد لو منح مساحة أوسع لخط درامي يعالج أثر ما يحدث على العائلات المتضررة من انهيار المعاشات، بدل التركيز شبه الكامل على الموظفين وبؤر الفساد المؤسسي.
ومن ثم يمكن القول إن المسلسل دفع ثمن رغبته في طرح كل شيء داخل ست حلقات فقط: سطو مسلح، وتآمر سياسي، وصراع استخباراتي، ورومانسية مضطربة، ونقد للاقتصاد. هذه الكثافة منحت العمل طاقته، لكنها في الوقت نفسه أضعفت تماسكه، وجعلته يبدو أقرب إلى مسودة ممتازة لمسلسل كان يمكن أن يصبح أفضل لو أتيح له عدد حلقات أكبر لتوزيع عناصره بهدوء.
مسلسل "سطو" دراما تشويقية تجمع بين الدراما الاجتماعية والإثارة والجريمة، تناسب محبي الأعمال القصيرة التي تشاهد على دفعة واحدة. ورغم بقاء العمل داخل نطاق "الثريلر البريطاني"، فإنه أتى محملا بأسئلة سياسية واقتصادية تكشف هشاشة منظومة مالية يفترض أنها آمنة، ما يجعله عملا يستحق المتابعة والنقاش.
المسلسل تأليف سوتيريس نيكيس، وإخراج سام ميلر وهايتي ماكدونالد، اللذان تقاسما إخراج الحلقات الست، وإنتاج شركة دراما ريبابليك (Drama Republic) بالتعاون مع استوديوهات أمازون.
فيما أسندت البطولة إلى صوفي تيرنر، أرشي مادكوي، جاكوب فورتشن-لويد، أندرو هاوارد، جوناثان سلينغر، إيلي جيمز، توماس لاركين، يسرا وارساما، أندرو كوجي، وإلويز توماس.
القصة: 4
التمثيل: 4.5
الإخراج: 4
المؤثرات البصرية: 4
صديق العائلة: 3.5