فيلم "هامنت".. هل وُلد إبداع شكسبير من رحم الفقد والخسارة؟

رغم أنه الكاتب الأكثر اقتباسا في تاريخ الإنتاج الدرامي في العالم، إلا أن حياة ويليام شكسبير الشخصية لم تعالج إلا في أعمال قليلة، منها "شكسبير في الحب" (1998) (Shakespeare in Love)، و"مجهول" (2011) (Anonymous)، و "كل شيء صحيح" (2018) (All Is True).
وتدور هذه الأعمال حول الإشكالية نفسها وهي عدم القدرة على تجسيد شخصية لم يتم توثيق تفاصيل حياتها الداخلية بالقدر الكافي، فقد عرفت عبقريته عبر اللغة أكثر من السيرة الذاتية.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsلكن الاهتمام المتزايد بفيلم "هامنت" (Hamnet) (2025)، الذي يحكي قصة ابن شكسبير والمقتبس من رواية ماغي أوفاريل الصادرة عام 2020، ينحو إلى مساحة أكثر دفئا وعاطفية، وحزنا. يتخيل الفيلم الرحلة العاطفية لويليام شكسبير وزوجته أغنيس، وهما يواجهان فاجعة فقدان ابنهما "هامنت"، وكيف أثر هذا الحزن على إبداع شكسبير لشخصية "هاملت".
لا يبدو أسلوب كلوي تشاو غريبا، إذ إنه مع أول مشاهد "هامنت"، يظهر أسلوب فيلم "نومادلاند" (Nomadland)، الذي قدمته المخرجة نفسها عام 2020، وحصل على الأوسكار. وهو فيلم هادئ وواقعي، يتناول موضوعات النزوح والعمل والعزلة الاختيارية في أمريكا المعاصرة، ويمزج العمل الفائز بالأوسكار بين الخيال وشخصيات حقيقية من غير الممثلين، ويتتبع قصة امرأة تعيش حياة الترحال، متناولاً عدم الاستقرار ليس كعرض استعراضي، بل كحالة معيشية تتشكل بفعل الفقدان والصمود.
تدور أحداث فيلم "هامنت"، الذي أخرجته كلوي تشاو، في نهاية القرن الـ16 في إنجلترا، ويركز على ويليام شكسبير (يجسد دوره بول ميسكال) وأغنيس (تؤدي دورها جيسي باكلي)، اللذين توفي ابنهما الصغير "هامنت" في سن الـ11.
يستمد الفيلم سرده من الغموض التاريخي المحيط بحياة شكسبير العائلية، مستخدما إياها كنافذة على التجارب النفسية والعاطفية للحب والفقدان، والسعي لإيجاد معنى بعد المأساة.
يركز الفيلم على الجانب الشخصي، ويبرز إيقاعات الحياة المنزلية، وحميمية الروتين العائلي، وثقل الحزن الصامت الذي يلي الفقدان. يتوافق هذا الخيار مع أسلوب أوفاريل الأصلي في سرد الرواية، والذي يبرز الحياة الداخلية للشخصيات على حساب السرد.
رؤية ترابية
يتميز فيلم "هامنت" باستخدامه المتقن لأدواته بهدف الاقتراب من المشاعر الداخلية بدلا من التركيز على الإبهار البصري، وقد نجح إلى حد كبير من خلال التصوير السينمائي، والأداء، وتصميم الصوت، وبنية السرد في ذلك، ومنح الأولوية للتجربة المعاشة على حساب الحبكة الدرامية المليئة بالأحداث.

استطاعت المخرجة كلوي تشاو صياغة لغة بصرية يغلب عليها اللون الترابي، والإضاءة الخافتة. مع لقطات مقربة هادئة ولقطات واسعة تجذب المشاهدين إلى إيقاعات الحياة اليومية عوضا عن المشاهد الدرامية.
ويتسق هذا التحفظ مع الاختيارات الجمالية المعروفة للمخرجة كلوي تشاو، والتي ظهرت سابقا في فيلم "نومادلاند" الفائز بالأوسكار 2020، إذ تبرز الواقع المادي والتجربة المعاشة في تصوير المشاعر.
تلتقط الكاميرا تفاصيل صغيرة مثل حركة الظلال في حقل، أو تغير الضوء على طاولة خشبية في المطبخ، فيما يشبه تحريض على اقتحام إيقاعات الحياة في منزل شكسبير بدلا من مراقبتها.
ويأتي الأداء التمثيلي كأبرز نقاط القوة في الفيلم، وخاصة جيسي باكلي التي قدمت شخصية "أغنيس" الأم المكلومة والزوجة الهادئة لشكسبير. ورغم استخدامها لأقل قدر من الإيماءات، مكتفية بالصمت، إلا أنها نجحت في نقل أعمق مشاعر الألم.
نجا بول ميسكال من مصيدة الأداء الكاريكاتوري والحركات المبالغ فيها لمن جسدوا من قبل شخصية شكسبير، ونجح في استخدام نظراته وتعبير وجهه للتعبير عن انفعالات شكسبير، ولكن من دون مبالغة.
ولأن كلوي تشاو أخرجت الفيلم كما لو كانت تعد وجبة احتفالية للعائلة، فقد اختارت موسيقى تصويرية بسيطة، تحتوي أصواتا طبيعية، وقع أقدام على خشب، وصوت مقاومة الشجر لسير الرياح على أوراقه، أو حتى أصوات حيوانات تأتي من بعيد. بعد دمج هذا الخليط الصوتي تظهر الحالة النفسية وتتوالى المعاني.
يختلف فيلم "هامنت" عن البنية السردية التقليدية لأفلام السيرة الذاتية. فبدلا من التركيز على سلسلة من الأحداث الدرامية، يُركز على إيقاعات الحياة المنزلية قبل الفقدان وبعده.
يعكس اختيار استكشاف التفاصيل إيقاعا سرديا مدروسا لرصد الحزن وتأثيراته. فالعناصر المتكررة، من لحظات الصمت، إلى الانتقالات بين الفصول، تؤسس لإحساس باستمرار الألم، وينبع الإيقاع الدقيق للفيلم من العيش داخل تجربة الشخصية، أكثر من كونه تأثيرا سرديا.
هامنت وشجرة الحياة
رغم اختلاف السياق التاريخي والنطاق السردي، يجمع فيلما "هامنت" و"شجرة الحياة" (The Tree of Life) لعام 2011 للمخرج تيرينس ماليك رابط فني عميق.
يتناول كلا الفيلمين الحزن كحالة وجودية تعيد تشكيل الزمن والذاكرة والإدراك. في كليهما، لا يمثل موت الطفل ذروة سردية بقدر ما هو مركز جاذبية صامت، تدور حوله صور الفيلم وإيقاعاته.
يقاوم العملان أساليب السرد التقليدية. تكسر شجرة الحياة التسلسل السردي من خلال المونتاج الترابطي والتعليق الصوتي والصور الكونية، بينما يتبنى هامنت بنية أكثر هدوءا وضبطا مبنية على لحظات منزلية وتكرارات وحذف. ورغم ذلك، فإن الهدف واحد، هو الإيحاء بأن الحزن لا يمكن حصره في علاقة سببية خطية.
يتقارب الفيلمان في رفضهما تقديم أي تفسير أخلاقي، ويتأرجح فيلم "شجرة الحياة" بشكل واضح بين أسئلة النعمة والطبيعة دون حسمها. وبالمثل، يتجنب "هامنت" إضفاء معنى أو غاية على الفقد، ليهتم بكيفية تغلغل الحزن في الأجساد والعلاقات والروتين اليومي.
يدعي فيلم "هامنت" أن المآسي العظيمة التي كتبها شكسبير نبعت بالأساس من ذلك الحزن الكبير على ابنه، وعيشه لتجربة الفقد في أقسى صورها، وهو ادعاء لا يتسق مع التاريخ المعروف لمشروع شكسبير في الكتابة، لكنه يتفق مع رؤية كلوي تشاو التي حرصت على إبقاء العمل معلقا بين كونه سيرة ذاتية وكونه تصويرا لحالة فقد.
وشكلت مخرجة الفيلم ملامح عالم ملهم تتوسطه الزوجة أغنيس، ليكون جزءا من مبررات إبداع شكسبير الخالدة.