"مانتيس".. حين يصبح العنف هوية

انتقل العنف إلى السينما الكورية من مصدرين أساسيين، أولهما العنف الهوليودي نفسه، الذي حاول السينمائيون الكوريون السير على هداه، وثانيهما المجتمع الكوري الجنوبي الذي اخترقه التحديث والعنف معاً في بدايات القرن العشرين، وخاصة مع التمايز الطبقي القاسي الذي أكدت ملامحه وأبرزتها الرأسمالية.
واستخدم مخرجو كوريا الجنوبية العنف كلغة لكشف الخلل المجتمعي والسلطوي.
وللعنف في السينما الكورية طابع خاص، وهو ليس مجرد استعراض يشعر المشاهد الذي يتوحد مع أبطاله أنه يستطيع القيام به، ولكنه وظيفة اجتماعية تنتظم في تسلسل هرمي وانضباط مؤسسي، سواء كان في أفلام الجريمة أو روايات الانتقام.
القاتل في الفيلم الكوري مصنف ومدرب، ويجري تقييمه بشكل دوري، ويمكن الاستغناء عنه إذا انتكس مهنياً. ولأن لكل مؤسسة منظومة أخلاقية، فالعنف في سينما الحركة الكورية الجنوبية بشكل خاص له طابع "أخلاقي" و"فعال" بحكم انضباط القائمين به، لكنه بالطبع ليس بريئاً.
وينتمي الفيلم الكوري "مانتيس" (Mantis) للمخرج لي تاي سونغ، الذي يعرض حالياً على منصة "نتفليكس" إلى هذا النوع من السينما، وهو عمل يخرج عن المنطق تماماً، ولكن بقواعد خاصة به، إذ يقيم مؤسسة للقتل، محكومة بقوانين وأخلاقيات، ثم تحدث أزمة فتخرج الأمور عن السيطرة وتسقط القوانين، ويطرح الفيلم سؤاله هنا: من ينجو إذا سقط القانون؟
ظلال فيلم "اقتل بوكسون"
تقدم نتفليكس فيلم "مانتيس" كعملٍ مشتق تدور أحداثه في عالم القتلة نفسه الذي ظهر في فيلم "اقتل بوكسون" (2023) (Kill Boksoon) للمخرج بيون سونغ هيون، ولكن مخرج ماتيس خرج من عالم بوكسون المشغول بالتداخل بين الحياة الشخصية والمهنية إلى حالة عدم الاستقرار التي تسود في مهنة "القتل".

تدور أحداث "مانتيس" حول واحد من كبار القتلة الأسطوريين، والذي يعود إلى هذا العالم بعد أن هجره لفترة، ليجده في حالة فوضى شاملة، نتجت عن صراع القيادة وبروز قتلة جدد.
وسط هذه الأجواء يقف هان-أول، والذي يجسد دوره الممثل ييم سي-وان، المعروف بالاسم الرمزي "مانتيس".
كانت سمعته كقاتل أسطوري تضمن له المكانة التي يستحقها فيما سبق، لذلك يتحول بعد عودته إلى هدف ثمين. كانت المعلدلة بسيطة، لأن قاتل مانتيس سيصبح الأكثر بروزا وحظا على سلم القيادة.
تنطلق شرارة بدء الصراع مع رفيقه السابق جاي يي، والذي يجسد دوره الممثل بارك غيو يونغ، ليتحول ماضيهما المشترك التنافس المهني إلى سبب إضافي للمواجهة الشخصية، حيث يختبر كل لقاء الذاكرة والاستياء والطموح.
تكتمل الرؤوس الثلاثة للمثلث مع دوك غو، والذي يجسد دوره الممثل جو وو جين، وهو قاتل متقاعد يغريه الصراع . ويُضفي وجود"دوك غو" بعدا جديدا للفيلم يرتبط بصراع الأجيال.
ويخرج الصراع من فكرة الرتبة و المكانة إلى فكرة تشكيل المستقبل، ومن يقوم به. وتتحرك الأحداث من خلال قتال متصاعد، ويظهر بوضوح عدم الاستقرار.
شرخ في جدار المهنة
ينشغل فيلم "مانتيس" بمستوى قراءته الأعمق بغياب الهوية المهنية عندما تنهار الأنظمة وتغيب القواعد، حيث تتحول الحالة إلى منافسة شرسة؛ فالمؤسسات لا تسيطر على العنف فقط، بل تمنحه المعنى، فإذا غاب أصبح القتال من أجل شرعية السيادة فقط.
يرسم صانع العمل ملامح الفكرة من خلال الحركة أكثر من الحوار، فقد أعطى الأولوية لتصميم المعارك التي يمكن ترجمتها بصرياً إلى حوارات جسدية حلت محل القصة المكررة.
يتجنب فيلم "مانتيس" الحوارات المتعلقة بالأخلاق أو الشرح النفسي؛ ليترك للمشاهد تجربة الفوضى من خلال التكرار والمنافسة، التي يصبح فيها العنف أعلى صوتاً وأسرع وبلا هدف تقريباً، مما يعكس تآكل البنية داخل العالم الذي يصوره.
يؤكد مخرج العمل على فكرة الانضباط عبر المواجهة الرئيسية بين الرفيقين السابقين في مشهد يبدأ داخل ممر صناعي ضيق أشبه بمخزن مهجور أو منشأة تحت الأرض، يعد بيئة أساسية للصراع، تلفه إضاءة خافتة وباردة، تميل إلى الأزرق والرمادي، فيما تنعكس الظلال الحادة على الجدران المعدنية، لتخلق إحساساً بالاختناق والترقب.
يدخل هان-وول المكان بخطوات محسوبة، جسده مشدود وحركته مقتصدة. لا موسيقى تصاحب دخوله، فالصوت المسيطر هو وقع الأقدام والتنفس المنتظم. فجأة، ينفجر الاشتباك مع مجموعة من القتلة في مواجهة قريبة المدى. تبقى الكاميرا قريبة من الجسد، تلاحق الحركة دون اهتزاز مبالغ فيه، ما يسمح برؤية واضحة لكل ضربة ومراوغة.
العنف هنا سريع وصامت وغير استعراضي. لا لقطات بطيئة ولا بطولات لفظية. كل حركة تؤدي وظيفة عملية، ثمة إسقاط يليه انسحاب. بمونتاج متماسك، يقطع فقط عند الضرورة، فيما يستمر المشهد بإيقاع تصاعدي يعكس فكرة الفيلم الأساسية عن القتل كمهنة تمارس بكفاءة باردة داخل نظام فقد استقراره.
استطاع المخرج أن يرسم ملامح شخصية مانتيس بدقة وكثافة، فهو شخص منضبط إلى أقصى حد، لا مكان للعاطفة في أدائه المهني، وهي صفات تؤكد أنه استطاع تطويع نفسه وحياته لصالح مهنته وأصبح جزءاً منها، لذلك فإن أي شرخ في هذا الانضباط سوف يظهر أثره على الفور.
وتضيف بارك غيو يونغ، التي تجسد دور جاي يي، إلى المنافسة طابعاً من الإلحاح والتقلب، وترمز بشكل أساسي في سياق الفيلم إلى القدرة على التكيف، فقد تشكلت شخصيتها داخل المؤسسة، لكنها كانت أسرع في استغلال انهيارها.
يرتكز الفيلم على شخصية جو وو جين (دوك غو) بوصفه محوراً أساسياً، حيث يضفي تجسيده لشخصية أسطورية، تعود إلى الفوضى، ثقلاً على كل مواجهة، وهو في حقيقة الأمر لا يسعى إلى الشهرة بقدر ما يجبر وجوده الآخرين على التساؤل عن مكانتهم.
حورات لا معارك
يأتي تصميم مشاهد القتال كأبرز عناصر العمل، خاصة مع سرعة الحركة ودقتها وخلوها من العاطفة. وقد بدا ذلك واضحا مع كاميرا تفضل الوضوح والبساطة ومتابعة الممثل لا دفعه للقفز وراءها.
قدم المخرج ألوانا هادئة وإن كانت صناعية للتأكيد على الطابع المؤسسي، وحرص على مساحات زمنية تركها المونتاج ليرتاح المشاهد قليلا من الاشتباكات المتواصلة في العمل. ورغم حفاظ العمل على الطابع الكوري إلا أنه جسد رؤية نتفليكس حول أفلام الحركة حول القوة والأناقة على الشاشة رغم كل شيء.
لم يستطع فيلم "مانتيس" أن يصل إلى العمق الإنساني والعاطفي لفيلم "اقتل بوكسون"، لكنه حاول أن يصنع التوازن الشخصي داخل النظام حتى بعد انهياره في مؤسسة القتلة.
ويندرج "مانتيس" ضمن تراث طويل من أفلام الإثارة والحركة التي تتناول السلطة من خلال العنف، الذي لا يسأل الفيلم عن مبرراته، ولكنه يسأل عمن يسيطر عليه.