فيلم "غرينلاند 2: الهجرة".. السؤال المؤلم عن معنى الوطن

احتلت أفلام نهاية العالم مكانة مميزة في السينما الشعبية، بسبب ما تقدمه من مشاهد مبهرة وغريبة، وأيضًا لأنها تطرح سؤالًا مهمًا حول ما يبقى من الإنسان بعد انهيار العالم. وقد انشغل فيلم "الطريق" 2009 (The Road) للمخرج جون هيلكوت، بكيفية تربية النشء في عالم تحول إلى القسوة والوحشية.
أما فيلم "أطفال الرجال" عام 2006 (Children of Men) للمخرج ألفونسو كوارون، فطرح سؤالًا افتراضيًا عما يمكن أن يحدث للبشرية عندما تفقد قدرتها على التكاثر، وكيف يمكن إيجاد الأمل والنجاة في عالم يائس. وتحول فيلم "يوم القيامة 2012" عام 2009 (Doomsday 2012) للمخرج رولاند إيميريش، هو نفسه إلى سؤال حول مصداقية نبوءات نهاية العالم.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsولادة عالم جديد
عاد هذا النوع السينمائي إلى رحلات الفرار والرحيل والبقاء على قيد الحياة كعناصر أساسية في السرد. لا تدور هذه الأفلام حول الدمار نفسه، بل حول الحركة التي تظهر في صور الأجساد العابرة، والعائلات الهاربة، والخيارات التي تُتخذ تحت الضغط.
وقد انضم إلى هذا الركب السينمائي فيلم "غرينلاند" (Greenland) إخراج ريك رومان وو وبطولة جيرارد بتلر، والذي صدر الجزء الأول منه عام 2020، وسط حالة من القلق العالمي الناتج عن جائحة كوفيد 19، فضلا عن مخاوف تغير المناخ، وهشاشة المؤسسات.

تميز الفيلم عن أفلام الكوارث الأخرى برصده الدقيق للخيارات الإنسانية. ودارت أحداثه حول عائلة مفككة تحاول الوصول إلى بر الأمان بينما يهدد مذنب فضائي كوكب الأرض. ونبعت شعبيته من هذا القرب من الواقع، فقد توحد المشاهد مع أبطاله باعتبارهم بشراً عاديين، وليسوا أبطالاً خارقين، يواجهون أنظمة فاسدة، ومعلومات مضللة تتعلق بمصائرهم.
يبني فيلم "غرينلاند 2: الهجرة" (Greenland 2: Migration) مباشرةً على دراما الجزء الأول، ولكنه يدور حول ما بعد الكارثة. ويلخص رسالته في مقولة محددة وهي أن البقاء ليس نهاية المطاف، بل عتبة، فالكارثة الحقيقية تبدأ بعد فتح الملاجئ وتغير العالم الخارجي بشكل لا رجعة فيه.
من الهروب إلى المنفى
يستأنف الجزء الثاني أحداثه في عالم كاد أن ينقرض، ورغم نجاة البشرية، إلا أن الكوكب لم يعد كما كان، فالبيئة غير مستقرة، وتوزيع الموارد غير متكافئ، وفكرة الوطن الدائم باتت موضع شك. وبدلاً من إعادة المشاهدين إلى أجواء الإثارة المصاحبة لعمليات الإجلاء في اللحظات الأخيرة، يعيد فيلم "الهجرة 2" توجيه السرد نحو النزوح. العنوان بحد ذاته دال، فالهجرة تعني الاستمرارية، وعدم اليقين، وفقدان الأصل. إنها ليست سباقًا سريعًا، بل حالة دائمة.
يركز الفيلم على جون غاريتي وأسرته، الذين وضعتهم نجاتهم في الجزء الأول ضمن شريحة أوسع من الناجين النازحين. لم تعد رحلتهم نحو ملجأ أو نقطة أمان ثابتة، بل عبر أرض متصدعة تتشكل فيها المجتمعات وتتفكك وتتصادم. العلاقات التي كانت تُعرف بروابطها الأسرية تتوسع الآن لتشمل تحالفات وتنافسات وتنازلات يفرضها شح الموارد.
ويصور صناع العمل المؤسسات على أنها أنظمة فاشلة، ويظهر ذلك في المطارات وأداء الحكومات وبث الطوارئ، فالسلطة محلية ومؤقتة، وموضع نزاع. لا يهرب آل غاريتي من الخطر فقط، بل يخوضون غمار عالم يعتمد فيه البقاء على التفاوض مع غرباء قد يصبحون حلفاء أو تهديدات.
العلاقات الاجتماعية تحت الضغط
يقوم البناء الدرامي لفيلم "الهجرة 2" على العلاقات المتشابكة، لكن الأسرة هي الركن العاطفي، إلا أنها تُختبر بالإرهاق والصدمات النفسية واختلاف الرؤى للمستقبل. فقرارات البقاء لم تعد تعتمد على ردود فعل سريعة، بل على عواقب طويلة الأمد، وتحدد مكان الاستقرار، والأشخاص محل الثقة، وأوان الرحيل.
وحين تلتقي الأسرة بمجموعات أخرى من الناجين، يرسم مخرج العمل صورة دقيقة للنظام الاجتماعي. يحاول البعض إعادة استخدام منظومة القيم المرتبطة بمرحلة ما قبل الانهيار، وتقسيم العمل، والأمن الجماعي، بينما تعمل مجتمعات أخرى بالقوة أو الإقصاء. تعكس هذه اللقاءات شكل المستقبل، فكل تفاعل يجبر الشخصيات على مواجهة نوع العالم الذي هم على استعداد للمساهمة في بنائه.
يتجنب فيلم "الهجرة 2" الثنائيات الأخلاقية الواضحة والاختيارات الحدية التي تبنى على تصنيف واحد إما خيرًا أو شرًّا، فهو يقدم القسوة باعتبارها نابعة من خوف من أقدم عليها، ويطرح المنطق البديل وهو أخلاق البقاء. يضفي هذا الغموض على السرد ثقله الدرامي، أما خيارات عائلة غاريتي، فهي لا تلامس القلوب لأنها بطولية، بل لأنها تُجسّد الجانب الإنساني بوضوح.
الوطن والقانون
يُركز فيلم "غرينلاند 2: الهجرة" (Greenland 2: Migration) على إعادة الإعمار، وهي عملية فوضوية تتخللها اختيارات عديدة وملحة، لتصبح مختبرًا لدراسة تحولات القيم في ظل الضغط والقلق المصيري، فالموارد محدودة، والقانون في مرحلة التشكل، فما الذي يلتزم به الناجون في ظل قواعد وقوانين مرنة؟
لا يقدم الفيلم إجابات شاملة، ولكنه يبلور الحالة في الحياة اليومية عبر توزيع الطعام، وحماية الأرض، وتحديد الانتماء. يتحول الفيلم نفسه إلى مجاز بصري حول منظومة قيم سقطت ماديًا ومعنويًا، فقد صنع السفر والتنقل حاجزًا بين البشر وبين قدرتهم على تكوين الروابط الحقيقية. يطرح صناع العمل مقولتهم النهائية حول الوطن، الذي لم يعد أرضًا بل بشرًا.
ويساهم منطق فيلم "الهجرة"، الذي يتماشى مع تيار سائد في سينما نهاية العالم، في البحث في عمق الحركة داخل المجتمع أكثر من المظاهر.
بصريًا، يحافظ فيلم "الهجرة 2" على جمالية واقعية سيرًا على مسار سابقه، حيث تميل الكاميرا إلى تصوير مناظر طبيعية واسعة باهتة الألوان تُبرز الفراغ والاتساع، وتتخللها لقطات مقرّبة محمولة باليد خلال لحظات التوتر بين الشخصيات. وما يؤكد هذا التباين الازدواجية الموضوعية للفيلم بين دمار بيئي هائل ودراما إنسانية حميمة.
استطاع المخرج ريك رومان ضبط إيقاع مشاهد الحركة الثانوية مقارنةً بمشاهد التفاوض والانتظار والرهبة الصامتة. وقد سمح رومان للبيئة نفسها بالتعبير عن عدم الاستقرار عبر الصمت القلق في رهبة الانتظار. ويغلب على أداء فريق الممثلين الإرهاق والشك والتردد الأخلاقي، وكأن البقاء على قيد الحياة كان مشروطًا بالضعف والتردد.
يتخذ فيلم "غرينلاند 2: الهجرة" موقعًا انتقاليًا، وذلك من خلال دفعه للسردية إلى الأمام نحو منطقة تتجنبها أفلام نهاية العالم، وهي "إعادة الإعمار الإنساني".