قبل كورونا وبعدها: كيف تغير مزاج جمهور السينما؟

زوجان يجلسان في غرفة معيشة دافئة يحدقان في شعار نتفلكس على التلفاز (مواقع التواصل الاجتماعي)

قد يضطر الشخص إلى العمل في مهنة لا يرتضيها، أو القيام بمهمة مملة ضمن سياق عمله، لكن حين يصل الأمر إلى الترفيه واختيار الفيلم الذي يمكن أن يشاهده، فهو يختار بحرية تامة ودون مجاملة، لذلك يبقى شباك التذاكر هو الناقد الأول، والباحث الاجتماعي الأهم، الذي يرصد اهتمامات المشاهد في زمن السلم والحرب وما بينهما من فترات ضبابية.

يهتم الجمهور دائما بما يحكي عنه وما يعبر عن حالته الوجدانية والنفسية سواء كان واعيا بذلك أو غير واع، وقد أثبتت بيانات شباك التذاكر العالمي في السنوات الخمسة التالية لجائحة كورونا أن ثمة تغيير جذري طرأ على ذائقة الجمهور، وأن المشاهد والسينمائي اللذين كانا يشعران بمؤامرة قادمة من الخارج ويخوضان الحرب ضد صناعها في أغلب الأفلام، عادا بعد الجائحة وقد اكتشفا أن المؤامرة قادمة من الداخل، وأن على كل شخص هزيمة وحشه الداخلي أولا.

أثبتت بيانات شباك التذاكر العالمي في السنوات الخمسة التالية لجائحة كورونا أن ثمة تغيير جذري طرأ على ذائقة الجمهور

من الحرب إلى الحنين بالأرقام

كانت أفلام القمة مشغولة بإنقاذ "العالم" من تهديدات فضائية ونووية كبرى، وبأبطال قادرين على إعادة النظام عبر معركة فاصلة. تراجعت هذه السردية بعد أن مكث الكثيرون في بيوتهم، مضطرين لأكثر من عام، لصالح قصص تنظر إلى الداخل، وتبحث عن مصادر القلق، وفقدان الهوية، والحنين إلى عالم كان بدا أكثر بساطة في الماضي.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ولا يقتصر هذا التغيير على الانطباع النقدي، بل يعكسه صناع السينما أنفسهم، إذ ربطت المخرجة الأميركية غريتا غروينغ، في مقابلة مع "الغارديان"، الروح الفوضوية والقلقة في فيلمها "باربي" بتجربة العزلة الجماعية التي فرضتها الجائحة، قائلة إن الشعور بالعيش داخل "صناديق منفصلة" أعاد تعريف ما يعنيه البحث عن الذات والمعنى.

ومن خلال تحليل الأفلام الأعلى إيرادات عالميا في السنوات من 2015 إلى 2019 وهي التي سبقت كورونا، ثم السنوات الخمسة التي تلتها من  2020إلى 2024، يمكن التوصل إلى مؤشر دلالي يتعلق بالمزاج الجمعي السائد تجاه الحكاية بعيدا عن العناصر الفنية الأخرى للفيلم.

إعلان

وعكست إيرادات أفلام المؤامرة الكونية قبل الجائحة إقبالا غير مسبوق، إذ حقق "حرب النجوم: القوة تستيقظ" (2015) أكثر من 2.07 مليار دولار عالميا، بينما حصد "كابتن أميركا: الحرب الأهلية" (2016) ما يصل إلى 1.15 مليار دولار.

وارتفعت ايرادات فيلم "المنتقمون: حرب اللانهاية" (2018) حتى بلغت 2.05 مليار دولار، ليصل "المنتقمون: نهاية اللعبة" (2019) إلى القمة بما يتجاوز 2.79 مليار دولار ويصبح لفترة الفيلم الأعلى إيرادا في تاريخ السينما.

حقق فيلم "المنتقمون: نهاية اللعبة" إيرادات بقيمة 2.7 مليار دولار (مواقع التواصل الاجتماعي)

وبعد الجائحة، ورغم استمرار الأرقام الضخمة، تغير نوع الفيلم الذي تربع على القمة. حقق "سبايدرمان: لا عودة إلى الوطن" (2021) نحو 1.92 مليار دولار، مستفيدا من الحنين وعودة الذوات المتعددة للشخصية، بينما سجل "باربي" (2023) أكثر من 1.44 مليار دولار عالميا، ليصبح أنجح فيلم في العام رغم غياب أي تهديد كوني تقليدي.

ويؤكد "إنسايد آوت 2" (2024) هذا التحول بتحقيقه ما يزيد على 1.6 مليار دولار، مستندا إلى سردية نفسية تتمحور حول القلق والهوية. هذه الأرقام لا تشير فقط إلى تعافي السوق بعد الجائحة، بل تكشف أن الجمهور لا يزال يملأ القاعات، لكن من أجل أفلام تبحث في الداخل بقدر ما كانت تبحث سابقا عن معارك لإنقاذ العالم.

قبل الجائحة: العدو القادم من الخارج

قبل كورونا، كانت أفلام القمة العالمية تبني سردياتها على فرضية ترى أن العالم، رغم اضطرابه، قابل للإدارة عبر مواجهة حاسمة يقودها بطل أو عدة أبطال. يتجلى هذا المنطق في مركزية التهديد الخارجي كمحرك للسرد، وهو إما عدو كوني، أو قوة مظلمة، أو كارثة يمكن احتواؤها إذا ما توافرت الشجاعة والتنظيم والتضحية.

يتجلى ذلك في أفلام مثل "حرب النجوم: القوة تستيقظ" 2015 (Star Wars: Episode VII – The Force Awakens) إذ يستخدم صناع العمل العودة إلى الأسطورة كآلية استقرار، عبر استدعاء شخصيات الماضي كمرجعيات أخلاقية في عالم مرتبك. وحتى حين ينتقل الصراع إلى الداخل، كما في "كابتن أميركا: الحرب الأهلية" 2016 (Captain America: Civil War)، فإنه يصاغ بوصفه خلافا قابلا للحسم بالقوة والمواقف، وليس باعتباره أزمة وجودية.

يصل هذا النوع من السرد التآمري إلى قمته في فيلم "المنتقمون: حرب اللانهاية" 2018 (Avengers: Infinity War)، الذي يقدم العدو باعتباره صاحب منطق كوني حول الندرة والتوازن، وهوما يؤدي إلى تحول قلق عالمي حقيقي، يتعلق بالموارد والانفجار السكاني، إلى معادلة درامية يتم حلها بالمواجهة.

ثم يأتي "المنتقمون: نهاية اللعبة" 2019 (Avengers: Endgame) ليؤكد هذا الخيال عبر حل سردي حاسم هو العودة إلى الماضي لتصحيح الخطأ، ويعد ذلك تعبيرا واضحا عن بقايا ثقة بإمكانية استعادة النظام إذا امتلك الإنسان الأدوات المناسبة.

النفس: ميدان جديد للصراع

يكتشف المشاهد والسينمائي بعد الجائحة أن الخطر ليس خارجيا، وإنما داخلي متعدد الوجوه. في فيلم "سبايدرمان: لا عودة إلى الوطن" 2021 (Spider-Man: No Way Home)، لا يحرك السرد شرير واحد بقدر ما تحركه تبعات أخطاء من المستحيل التراجع عنها، ويصبح اللقاء بين ثلاثة نسخ من البطل فعل مشاركة خبرة وخسارة.

إعلان

في مقابلة مع موقع (Nerdist) ، يتحدث أبطال العمل، توم هولاند، وتوبي ماجواير، وأندرو غارفيلد عن تجربتهم المشتركة أثناء تصوير الفيلم، مؤكدين أن وجود الثلاثة في إطار واحد لم يكن مجرد استدعاء شخصيات، بل كان تجربة عاطفية عميقة تعكس مشاركة خبرات مختلفة من أدوارهم السابقة، ما يمنح اللقاء طابعًا يتجاوز مجرد التكرار السينمائي.

فيلم "سبايدرمان: لا عودة للوطن" (مواقع التواصل الاجتماعي)

ويتضح التحول بجلاء في فيلم "باربي" 2023 (Barbie)، حيث لا توجد معركة فاصلة ولا خصم خارجي يهزم، بل رحلة داخلية لفهم الفراغ الذي تخلفه الأدوار الجاهزة. ويذهب فيلم "إنسايد آوت 2″ 2024 (2 Insid out) إلى أبعد من ذلك، بجعل القلق ذاته محور السرد، وليس عارضا ينبغي الخلاص منه.

وفي مقابلة منشورة على موقع والت ديزني حول (Inside Out 2)، يقول بيتر دوكتر المدير الإبداعي والشريك الإخراجي في بيكسار :" إن إدخال مشاعر مثل القلق والملل والإحراج والحسد في الفيلم جاء تجاوبا مع ما يلاحظه في العالم اليوم، خصوصا بين الشباب، وتسعى بيكسار عبر هذا التمثيل الشعوري إلى التقاط تجارب نفسية معاصرة تتجاوز المشاعر الأساسية التي ظهر بها الجزء الأول من الفيلم."

الهشاشة لغة الصدق

لم يكن الإغلاق العام والبقاء داخل المنزل شرا خالصا، فقد منح السينمائي، كما منح المشاهد فرصة لمراجعة الذات وتحديد الأولويات، كما ترك شبحا مخيفا في الذاكرة، لذلك لم تتغير الموضوعات فقط، بل تغير موقع المبدع نفسه.

فكما كتب صُنّاع فيلم " كل شيء، أي مكان، في الوقت نفسه " 2022 (Everything Everywhere All at Once) في بيان نشرته (The Atlantic)، فإن الفيلم ولد من رغبة في لم شتات التناقضات داخل العائلة والذات، وليس من رغبة في هزيمة شرير بعينه.

لا يمكن فهم سينما ما بعد الجائحة باعتبارها أقل طموحا أو أكثر انكفاء، وإنما انعكاس لعالم لم يعد يثق بالحلول المطلقة، وبالتالي فإن سؤال "من سينقذ العالم؟" تحول إلى "كيف نعيش في عالم انكسر فيه الوهم القديم بالسيطرة"؟

وبينما يبقى احتمال عودة الملحمة قائما مع تحول جديد في الظروف العالمية، فإن من المثير والشيق أن ندرك أن الهشاشة قد تكون اللغة السردية الأكثر صدقًا لجيل قضى الوقت حبيسا ومعزولا، يعاني من عدم اليقين.

المصدر: الجزيرة

إعلان