"صوت هند رجب".. فيلم يلهب القلوب ويحصد 24 دقيقة من التصفيق بمهرجان البندقية

في لحظة نادرة من لحظات السينما التي تمتزج فيها الفاجعة بالفن، وقف جمهور مهرجان البندقية السينمائي، وصفق بحرارة متواصلة دامت 24 دقيقة، لفيلم يقطر وجعا عن طفلة في عامها الخامس اغتالتها رصاصات الاحتلال الإسرائيلي في غزة، تاركا القاعة تغمرها الدموع وتعلوها شهقات البكاء.
حمل الفيلم عنوان "صوت هند رجب"، وقد أخرجته التونسية كوثر بن هنية، ووصفه النقاد بأنه "أكثر أعمال المهرجان قوة وإلحاحا". وقد غادر كثير من الحاضرين شاردين مذهولين، ومنهم صحفيون من شتى أنحاء العالم، وقد تركت صور الفيلم وأصداؤه ندوبا في أرواحهم.

مكالمة أخيرة تحت الرصاص
يعيد الفيلم رسم المشهد الأخير من حياة الطفلة هند، تلك المكالمة الملهوفة التي أجرتها في يناير/ كانون الثاني 2024، وهي عالقة تحت مقعد سيارة اخترقها الرصاص شمال غزة، تحيط بها جثث أعمامها وأبناء عمومتها الصغار.
كانت هند الناجية الوحيدة، وقد مدت خيطا من الرجاء إلى الهلال الأحمر الفلسطيني عبر الهاتف، غير أن الموت كان أسرع، فلقيت هي والمسعفون الذين حاولوا إنقاذها المصير ذاته على يد الاحتلال، ولم يفتح جيشه تحقيقا إلى يومنا هذا.
صوت غزة يستغيث
تقول مخرجة الفيلم كوثر بن هنية: حين سمعت صوت هند أول مرة، شعرت أن ما يصلني ليس مجرد كلمات، بل كان صوت غزة كلها يستغيث، ولا أحد يستطيع تلبية النداء.
استند الفيلم إلى تسجيلات هند الحقيقية، لكنه قدم الحكاية بفريق درامي يجسد الهلال الأحمر، ويجاهد لتنسيق عملية إنقاذها، في مشهد يخلط الحقيقة بالتمثيل، ليعيد الحياة لصوت لا يُنسى.
وفي بيان مؤثر باسم فريق العمل، قالت الممثلة سجى كيلاني: صوت هند رجب لا يحتاج إلى دفاعنا، فهذا الفيلم ليس رأيا ولا خيالا، بل هو حقيقة دامغة، قصة هند تحمل ثقل شعب بأسره؛ فهي ليست حكايتها وحدها.
ثم قالت: إن صوتها واحد من بين 19 ألف طفل قضوا في غزة خلال العامين الماضيين. إنه صوت كل أم وأب، كل طبيب ومعلم، كل فنان وصحفي، كل مسعف ومتطوع.. لكل منهم الحق في الحياة والحلم والكرامة، لكن هذا الحق سُرق أمام أنظار العالم البارد، وما نسمعه من أصوات ليس سوى قطرة من بحر، فخلف كل رقم قصة لم تُرو قط.

أما الممثل الفلسطيني معتز مليس -وهو من أبناء مدينة جنين- فقال: حين كنت ابن 10 سنين، عشت هذه الحياة ذاتها، سماعي لصوت هند أعادني إلى طفولتي، كأنني أُدفن حيا ألف مرة. لم يكن ذلك تمثيلا، بل كان حياتي.
صوت أم مفجوعة
ومن غزة، تحدثت والدة هند، وسام حمادة، بألم لا يُحتمل، متمنية أن يكون للفيلم أثر في إنهاء الحرب. تقول: لقد تركنا العالم كله نموت ونجوع، ونعيش في رعب، ونُهجر قسرا من غير أن يحرك ساكنا.
قالت ذلك بصوت منكسر عبر الهاتف، وهي تعيش اليوم في غزة مع ابنها الصغير ذي السنوات الخمس، حاملة جرحا لا يندمل.