"اغتراب".. بحث عن الانتقام يؤدي إلى رحلة في أعماق النفس

حفظ

"الآن أعترف
أريد أن أشعر مرة واحدة وإلى الأبد
بأنني لا أحد
وأن أعتزل نفسي بفخر
لأني لم أتصرف بما يليق بي"

بهذه الأبيات الشعرية يفصح الشاعر البرتغالي "فرناندوا بيسوا" عن رغبته في هجر كل ما يألفه، فقد استحوذت مشاعر الغربة الداخلية على المساحة الكبرى من ذاته، وعليه اختار الانزواء وحيدا.

يعاني محمد بطل فيلم "اغتراب" من أزمة مماثلة، وذلك على إثر وفاة صديقه عادل فجأة، فينطلق بعدها في رحلة شاقة غير مجدية، يتعادل محتواها بين الانتقام الشخصي والبحث عن الحقيقة.

"اغتراب" (2025) هو أحدث أفلام المخرج التونسي المرموق مهدي هميلي، وهو من الإنتاج المشترك بين تونس وقطر والسعودية وفرنسا ولوكسمبورغ، وقد عُرض حديثا في مهرجان "لوكارنو" السينمائي بسويسرا، في القسم الرسمي خارج المسابقة.

ما وراء البنية الفيلمية

تستند أحداث فيلم "اغتراب" إلى وقائع حقيقية، حول العامل محمد (الممثل التونسي غانم الزرلي)، الذي يصاب في حادثة بأحد مصانع الحديد والصلب، حين ينفجر موقد الخردة المعدنية، فيفقد على إثرها صديقه عادل (الممثل التونسي محمد قلصي)، وبعد أن يتماثل للشفاء يفاجأ ببقاء شظية حديد في رأسه، فيعود إلى المصنع محملا بأفكار الشك والانتقام.

الملصق الدعائي لفيلم "اغتراب" للمخرج التونسي مهدي هميلي (2025)

ولئن كانت عزلة الشاعر "بيسوا" الاختيارية ناتجة عن وهن وتراخٍ عن المواجهة، فإن عزلة بطلنا الإجبارية، تقابلها قوة أكبر على التصدي، وسعي نحو محاولة الفهم والإدراك، وحينها يمكن قراءة ما يكمن وراء البنية الفيلمية من أفكار، ويمكن حصرها بين أكثر من طبقة فكرية.

فأما الغشاء الأول الرئيس فمحصور بين جدران الاغتراب، ذلك الإحساس الطاغي الذي يواصل هجماته المباغتة، ويحيل المألوف غريبا، وأما الطبقة الأخرى الأعمق، فتعمل لا إراديا على طرح إشارات دالة على الوضع العام في تونس، وما يدور في الداخل من تطورات قد لا ترى تفاعلاتها بالعين المجردة، تكشف ارتفاع معدلات القسوة المجتمعية.

إعلان

وعلى ما يبدو، فإن مخرجنا مهموم بالتعبير عن حياة عمال المصانع، واستعراض ما تيسر من معضلات تلك البيئة، ففي فيلمه الأول "تالة حبيبتي" (2016)، يرصد بعين واعية بطلته "حورية"، العاملة في مصنع النسيج، في حين تطرق الثورة التونسية أبواب مدينتها تالة.

وفي الفيلم الثاني "أطياف" (2019)، تواجه عاملة المصنع "آمال" سهام المجتمع المصوّبة نحوها، على خلفية اتهامها ظلما في إحدى الجرائم. وهذا الفيلم الذي بين أيدينا يكمل تلك الثلاثية، فتلتقط ما خفي من حياة عاملي المصانع، وترصد بذلك واقعا أكبر وأوسع.

ترى هل في هذا الفيلم إضافة حقيقية ليست في الأفلام السابقة؟ أم أنه ليس إلا إعادة تدوير لأفكار مستهلكة؟

قسوة الهامش

تنتمي شخصيات الأفلام السابقة إلى دائرة عاملي المصانع، لكن التركيز الأكبر على الظروف الاجتماعية المحيطة بهم، فتصبح البيئة نقطة انطلاق، أو مكملا غذائيا للعالم السردي.

أما في "اغتراب"، فبيئة الأحداث العامة قائمة كلها على وجود المصنع، فأكثر من نصف المساحة الزمنية، تدور في حيز مصنع الحديد والصلب.

لقطة من الفيلم تكشف عن حجم الاغتراب والغضب الذي يُعاني منه محمد

وهنا تكمن قوى الاختلاف عن الأفلام الأخرى، من حيث القدرة على التعبير الاحترافي الجذاب، عما يعتري هذه البيئة من قسوة مبطنة، فالكاميرا تلتقط على الدوام والاستمرار تفاصيل هذا العالم الغريب والبعيد في الآن ذاته.

فالإضاءة الخافتة تستر أكثر مما تفصح، والكاميرا تظهر الآلات وحوشا عملاقة تبطش، وأما شريط الصوت فكان مبتكرا، وتشكل صافرات الإنذار الحربية عنصرا أساسيا فيه، حين تختلط مع هدير الآلات، فتكوّن ضجيجا صاخبا، يشير إلى ما يتضمنه هذا العالم من احتكاكات وصراعات، وقودها هؤلاء العمال، بهيئتهم وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية.

بناء على ما سبق، فالسطوة هنا للهامش على حساب المتن، وليس المقصود بالهامش الحيز الجغرافي فحسب، بل ذلك الخط الرقيق الشائك، الذي يطمر من خلفه بيئة الأحداث.

فالتلاقي بين تفاصيل المكان ومكوناته من ناحية، وقاطنيه من ناحية أخرى، تظهر عالما خارج نطاق الرؤية المعتادة، في اتكاء على ما يسمى "جماليات القبح".

تستلهم الرؤية الفنية تلك المكونات القاسية الشكل والجوهر، وتدمجها في قوالب جمالية، تدفع عين المتلقي إلى تقبل رؤيتها، والتفاعل معها بلا أدنى حرص أو حساسية، لذا فالاقتراب من هذا العالم والدخول في تفاصيله، يعكس جرأة وطموحا فنيا ملحوظا لا يمكن إنكاره.

سرد موسيقي

إن عالما دراميا نادرا غير مطروق مثل هذا، لا بد أن يوازيه هيكل بنائي مختلف عن المعتاد، وذلك ما لجأ إليه السرد، فنرى ذلك في المشاهد الأولى التي تستغرق نحو 5 دقائق من مساحة الفيلم (127 دقيقة)، وفيها يكشف تفاصيل المصنع الدقيقة، وما يحيطه من حقول خضراء.

ثم تصاحبنا الكاميرا في تتابعات متوالية، تزيح الستار عن مراحل العمل القاسية، حتى تصل مشهد انفجار موقد الخردة المعدنية، وبهذا المفتتح السردي يقدم الفيلم مفاتيح عالمه، فيقدم تمهيدا مقبولا عن الأحداث المقبلة المنتظر تدفقها.

محمد يصوب مسدسه الغاضب، على إثر شعوره بالغضب بعد وفاة صديقه

فقد نسج السيناريو قماشته السردية أقرب في بنيانها إلى المقطوعة الموسيقية، التي تتكون من 4 حركات، وكذلك هيكل الفيلم الدرامي يتكون من 4 أجزاء، وكأن السرد يخفف صدمة تلقي عوالم الحكاية، باستعارة نموذج البناء الموسيقي الشاعري.

إعلان

كانت البداية مشاهد تمهيدية سريعة الإيقاع، أشبه بالقطعة الموسيقية السريعة (السوناتا). ومع إلمامنا على نحو ما بمفاصل القصة، يصحبنا الحكي إلى الحركة السردية الثانية، وتمثلها عودة محمد إلى المصنع، بعد شفائه وبدايات غزو مشاعر الاغتراب لكيانه، حيث نقطة الارتكاز الدرامي.

ثم نصل إلى الحركة الثالثة، التي تنطلق مع رحلة بحثه عن حقيقة ما جرى، وذلك لاشتباهه في روايات الزملاء المتضاربة. أما الحركة الرابعة فنرى بها تداعيات تلك الرحلة على البطل، مع بيان مدى نجاحه من عدمه.

وهكذا نصبح أمام سرد حداثي، لا يخلو من التجديد شكلا ومضمونا، فمع أن الفيلم يصنف دراميا، فإنه يجمع بين طياته توابل أخرى وأصنافا عدة، منها الإثارة، والنقد الاجتماعي والسياسي، وغير ذلك من تلك الفئات التصنيفية، فيبدو متنوع الأرضيات الفكرية، مع أن خطه الدرامي واحد فرداني.

مصارعة طواحين الهواء

بحسب رواية "سيد هارتا" للكاتب الألماني "هيرمان هيسة"، فقد انطلق البطل "سيد هارتا" في رحلة طويلة الأمد، باحثا عن شخص ما يدعي امتلاك الحكمة والصفاء الصوفي، لكن عند بلوغ مراده تحقق له ما هو أعمق، فقد اكتملت معرفته بذاته.

وفي فيلمنا نرى شيئا مماثلا، فبعد عودة محمد إلى عمله بالمصنع، يبدأ في إثارة التساؤلات عن وفاة عادل المفاجئة في موقد الخردة، فالمعروف عنه دقته الصارمة في الإجراءات الوقائية، فهل تقاعس حقا تلك المرة كما يخبره الآخرون؟

يصبح هذا السؤال الدافع المحوري للبحث والتقصي وراء هذا الرحيل المشكوك في أمره، وهكذا نرافق بطلنا في هذه الحركة السردية، التي يواصل فيها رحلة النبش عن الحقيقة، بدءا من توجيه سهام أسئلته إلى زملائه، مع لوذهم بالصمت والسكون، وترجيح الحادثة إلى مسلمات القضاء القدر، ثم محاولات العمل على توسيع رقعة البحث، التي تؤدي به إلى الانتقال إلى تونس العاصمة، وصولا إلى المقر الإداري للشركة المسؤولة عن إدارة المصنع.

ومن هذه النقطة، ينتقل السرد إلى طبقة أخرى، أكثر اشتباكا مع الواقع العام، فالإدارة تسعى إلى عرض المصنع للبيع العلني، وإعادة تخصيصه للقطاع الرأسمالي الخاص، في إشارة لانحسار دور الدولة المعتاد، وارتفاع سطوة الرأسمالية. وبين مطرقة هذا وسندان ذاك، يقبع هؤلاء العمال، وهم لا يدرون من أمرهم شيئا.

وهكذا يقدم السرد مؤشرات خفية عن أجواء للشأن التونسي الداخلية، التي تكشف تصاعد منسوب الفساد، فتبدو المادةُ الحاكمَ الرئيسي وصاحبة السيطرة الحقيقية.

وعندها تبدو تلك الرحلة بكل ما تنطوي عليه من صراعات ومؤامرات، ما هي إلا غطاء لرحلة أعمق، تدور رحاها داخل شخصية عادل، فطلب الحقيقة مرهق وشاق، حتى يصبح بلوغ مرفأها أقرب إلى لحظة التنوير الذاتية، واكتشاف ما عسر فهمه واستيعابه.

ولا شك أن رحلة مثل تلك، تحتاج إلى شخصية تحمل إصرارا، وصلابة لا بأس بها على المواصلة، وبالنظر إلى شخصية محمد، يمكن ملاحظة ما يكنّه من قوة وقدرة على المواجهة، فقد نسج السيناريو الأحداث تدور من حوله، فهو المحور والمركز، كأنه بطل رواية "دون كيشوت" للكاتب الإسباني "ميغيل دي ثربانتيس"، فمحاربة طواحين الهواء، لا تختلف كثيرا عن مجابهة واقع ممتلئ حتى الحافة بالأعداء والمتربصين.

الخروج من الشرنقة

تبدأ أحداث الفيلم بعد عودة بطله إلى صفوف العمال في المصنع، أما المرحلة السابقة فلا ندرك عنها شيئا، فالمعني هو اللاحق، فقد غزت ذاته مشاعر متباينة تحمل مزيجا بين الغضب والاضطراب.

فنراه في مشاهد عدة وحيدا، يندمج بحرص مع أصدقائه، فقد أنشأ حدا فاصلا بين ماضيه وحاضره، فأصبح الواقع الحالي ضبابيا مشوشا، لا يخلو من إحساس طاغ بالعزلة، كأن هذا العالم الذي ينتمي له، أصبح بعيدا يصعب التآلف معه أو الانخراط فيه، وهذا يحيلنا تلقائيا إلى الصراع الدرامي القائم عليه بنيان الحكاية.

إعلان

صحيح أننا أمام محاولة لاكتشاف خفايا مقتل أحد العاملين، بما يجعل السردية ذاتها بوليسية الرداء، لكن في إناء الشخصية الداخلي تفاعلات عدة، تضفي مسحة فلسفية على السياق العام، وتضيف قيمة مضاعفة على الفيلم، وحينها يبدو الصراع مختلط الهوية، يجمع بين الداخلي والخارجي، في توليفة مُحكمة العناصر.

فريق عمل الفيلم في مهرجان "لوكارنو"، يحملون العلم الفلسطيني والعلم التونسي تضامنا مع فلسطين

ومن ثم يمكن الوصول إلى مفتاح فهم الفيلم وقراءته، ويمكن القول إنه يقع بين جدران مفردة القسوة، فالعالم السردي مدثر بطبقة سميكة من عدم المبالاة، ففي إطار سعي بطلنا إلى محاولة الفهم والإدراك، ينتقل تدريجيا من الضعف والهشاشة إلى القسوة والغِلظة، واقعيا وفلسفيا.

ولتقديم صياغة بصرية متوافقة مع هذا العالم السردي، تلجأ كاميرا مدير التصوير فاروق العريض إلى الزوايا المقربة، المعبرة عن حصار الشخصية الداخلي، مستعينا بالإضاءة الخافتة في المشاهد، حتى تصبح أقرب في تكويناتها إلى لوحات الفن التشكيلي بالقرن السابع عشر.

وفي سياق متقارب، يقول مخرج الفيلم مهدي هميلي: أردت أن يكون الفيلم مجازا للإحساس بالاغتراب، سواء كانت تلك المشاعر الموجهة نحو بيئة العمل أو المجتمع، فتدفع صاحبها إلى الانتقام.

مخرج الفيلم مهدي هميلي

وليس فيلم "اغتراب" متميزا بصريا وسرديا فحسب، بل إنه محفز كذلك على النظر والتأمل نحو تداعيات تلك المشاعر المتضاربة، التي تغزو في لحظة كيان الإنسان الوجودي، ولا تترك له حيزا صالحا للإصلاح.

وهكذا هي الأعمال السينمائية الكبرى، تجهر بالقول والتعبير، حين يكبل الخوف أرواحنا.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان