"سينمائيون في الظل".. عالم المهمشين الذين يصنعون سحر الفن السابع

كثيرا ما يحصل لنا انطباع، ونحن نشاهد الأضواء تنبعث من جهاز العرض السينمائي، ثم تسقط على الشاشة، أن المَشاهد واللقطات تخلق من تلقاء نفسها. وكثيرا ما تدفعنا أجواؤها الساحرة إلى أن ننغمس في حلم اليقظة، وننخرط في الحكاية فننشغل عما سواها، فيعمينا هذا الانطباع والانغماس عن صناع الحكايات، وما يلقون في سبيل خلق منتج فني وعالم متخيل، يصرفاننا عن عالمنا القائم، وإن وقتا قصيرا.
ولِما يخلف مثل هذا الانطباع من تصور مغلوط، تضطر السينما غالبا، إلى أن تحدثنا عن نفسها في لحظات بوح، فتأخذنا إلى كواليسها وشعابها الخفية، وتكشف لنا وهي تتملى صورتها في مرآة نفسها بعضا من أسرارها، وتظهر لنا القفا المرتبط بالتهميش والنكران، من عالم ترتبط واجهته غالبا في أذهاننا بالحلم والسحر.

من تلك الأفلام التي تتخذ السينما موضوعا لها، فيلم "سينمائيون في الظل"، الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية، وأخرجه شريف عزت، ويقابل عنوانه بين السينما ذات القصص المكتوبة بالضوء، والظل الذي يقبع فيه صناعها، فلعله يعلمنا بأن لهؤلاء السينمائيين كثيرا مما سيبوحون لنا به.
حراس المعبد المخلصون
منذ تركت عروض السينما وظيفة التسلية التي كان يجسدها الأخوان "لوميير" في مقاهي باريس، وتسللت إلى محراب الفنون، أصبحت ساحة صراع بين سلطة التقني والفني القابعين خلف العدسة يسهران على جودة الصورة، والممثلين الذين يظهرون على الشاشة، فيتقمصون الأدوار ويجسدون الحكايات.
ويبدو أن الحسم لم يكن عادلا، فقد أصبح الممثلون أيقونات سينمائية، ونالوا الاعتراف والشهرة والمال، وبقي التقنيون على هامش الصناعة.
ولم تغير الموجة الجديدة في فرنسا كثيرا من هذه العلاقة، فمع أن سينما المؤلف أحدثت ثورة في صناعة السينما، فإنها اقتصرت على رفع قيمة المخرج الفنية، والتركيز عليه أنه صاحب الرؤية الفنية، فضاعفت إهمال بقية الفريق التقني وتهميشه.

يستدعي فيلم "سينمائيون في الظل" هذا الجدل من جديد، ففي شارة البداية يشغل المهندس إبراهيم السيد الجهاز، فيظهر الممثلان أحمد زكي ومحمود ياسين على الشاشة، وتكون الصورة محرفة، فيعمل على ضبطها ليكتسب المشهد انسجامه البصري، وفي شارة النهاية يضغط على زر الإغلاق، فينتهي العرض.
وبين الشارتين تتحدد أطروحة الفيلم بوضوح؛ فلا وجود للسينما من دون هذا التقني الذي يعمل على صناعتها، أو يسهر على سلامة العرض، ومع ذلك فهو يبقى في دائرة الظل، مقارنة بالممثل الذي ينسب إليه الفيلم في السينما الاستهلاكية، أو المخرج الذي يختزل كل الفريق التقني في السينما غير النمطية. وما بين البداية والنهاية يظل الفيلم يدافع عن "قضية مهنيي السينما العادلة".
رجال خلف الكاميرا
مما يلح عليه فيلم "سينمائيون في الظل"، أن في السينما -بما هي عمل جماعي- مهن فرعية كثيرة، تتفاعل فتشكل منظومة متكاملة، وتمثل كل مهنة حلقة في سلسلة الإنتاج السينمائي، ويصدر عن شهادات حية لشخصيات ناجحة من عالم السينما المصرية، لشرح وجهة نظره.
فهم مع نجاحهم لا تسلط عليهم أضواء كافية، ولا يعرفهم جمهور السينما، ومن هؤلاء نشأت نظمي مشرف الكاميرات، ومحمد محمد سرور مشرف الإضاءة، والمهندس إبراهيم السيد مدير معامل مدينة السينما، فيجعل المخرج هؤلاء نموذجا لهؤلاء المهمشين القابعين في دائرة الظل، فيبرز علاقتهم بالسينما، ويفصل أدوارهم المحورية في صناعة الفيلم.

تقوم خطة المخرج على عرض أبطاله وهم في موطن عملهم، مثل إستوديو التصوير، أو حافلة الإضاءة.. ثم يجيبون سؤالا لا يعرض على المتفرج، ولكنه يقدره من الحكاية التي يسردونها بضمير الأنا، مثل: كيف دخلت عالم السينما؟ أو ما علاقتك بمهنتك؟ أو كيف أبدعت فيها وحققت النجاح؟
وبذلك كان يمنحهم الفرصة لعرض تجاربهم بأنفسهم، فيسترسلون في عرض مراحلها بكثير من العاطفة والحنين، ومزيج من الشعور بالفخر لإسهامهم الفاعل في الأعمال الإبداعية، والألم لأنهم لا يكادون يذكرون أو يعترف لهم بالفضل، مع ما تلاقيه تلك الأعمال من النجاح.
وظائف السينما المفصلية
يمثل الثلاثي المستجوب عصب المهن السينمائية، فنشأت نظمي يمثل المهني المسؤول عن ضبط الصورة، وتحديد مكوناتها وخصائصها، وذلك بديهي. فالسينما هي التعبير عن الفكرة باللغة البصرية أساسا، ولا وجود لها من دون عدسة المصور.
والمشهد نفسه يمكن أن يقرأ قراءات عدة، بحسب سلم اللقطات أو زوايا التصوير التي يختارها هو، فكثيرا ما تدفع اللقطات العامة المتفرج إلى قراءة الصورة قراءة تأملية ذهنية، وتدفعه اللقطات المتوسطة إلى القراءة الحركية، أما اللقطات الكبيرة فتجعلنا نبحث في ملامح الشخصية عن الإحساس والمؤثر العاطفي.
ويمثل محمد محمد سرور الطرفَ المتحكم في توزيع الأضواء، وتحديد مصدرها ومواطن انتشار الظلال، ومنها تحدد أجواء المشهد النفسية والدرامية، فنسبة التباين المرتفعة تمنحه مقروئية معينة، أما الضوء الخافت فيغير معناه تماما.

ولا تكون هذه المهن كلها مجدية إلا بوجود إدارة فاعلة، وهو ما يمثله المهندس إبراهيم السيد، مدير معامل مدينة السينما، الذي يؤمن بالعقل المصري القادر على استيعاب التقنيات الجديدة والتعاطي معها.
فتراه يشرف على تجهيز الإستوديوهات بالتجهيزات اللازمة، أو يمكّن التقنيين من اكتساب الخبرات الضرورية، التي تعفي مؤسسات السينما من الاستعانة بالخبرات الأجنبية، للصيانة التي تثقل ميزانياتها.
حب من طرف واحد
يجمع بين أبطال الفيلم قدر خفي، رتب مصائرهم ودفع بهم إلى عالم السينما، أما إبراهيم السيد، فكان طالبا مجدّا يحلم بالعمل في مؤسسة التلفزيون، لكنه ارتكب "خطأ جميلا" أثناء ضبط اختياراته الوظيفية، فبدل أن يطلب التشغيل في وزارة الإعلام، كتب "وزارة الثقافة"، فأُرسل إلى الهيئة العامة للسينما، ومنها بدأت رحلة نجاحه الفريدة.
وأما نشأت نظمي، فكان يجهز نفسه للهجرة، لمواصلة دراسته في مجال التجارة، ولكن تحولا جذريا جعله يعين في معامل التحميض وطبع الأفلام، فتدرب على اصطناع الكاميرا، وعلى تفكيكها وإعادة تركيبها، لمعرفة كيفية عملها. ثم أولع بها بعد أن أتقن استعمالها.

وما مسيرة محمد محمد سرور من ذلك ببعيد، وهو يرى أجهزة الإضاءة أدواته التي تمنحه المكانة بين مهنيي السينما، لذلك يعتني بصيانتها ويغسلها بيده ويجففها. هكذا تصبح علاقة المهني بوظيفته علاقة هيام روحي، ولكن من سوء حظه يظل هياما يائسا.
وقد علمتنا دروس الغزل أن الحب من طرف واحد لا يخلّف في نفس المحب غير الإحباط، فالحبيب هنا يضن بالوصل، وينشغل عن محبه بمن يظهرون على شاشته، يمنحهم المجد بكرم وسخاء.
تأريخ للسينما المصرية
نجد في الفيلم -إلى حد كبير- شيئا من التأريخ للسينما المصرية، من زاوية وسائطية، تعرض تطور الحرف والتقنيات، وتذكر أنواع الكاميرات وآلات العرض، وإستوديوهات الإنتاج السينمائي.
يربط نشأت نظمي مجده بالعصر الذهبي من تاريخ الكاميرا الألمانية "أريفلكس 535 بي"، التي كانت من أشهر كاميرات الأفلام وأكثرها تفضيلا لدى المصورين في التسعينيات، لتعدد استخداماتها في الإنتاج، وبساطة تصميمها.

ويتحسر محمد محمد سرور على عصر الشريط المغناطيسي، فالسينما في ذهنه ترتبط بأفلام 35 مم، فلا يخفي هؤلاء المبدعون شعورهم بالإحباط من التحول السريع من المغناطيسي إلى الرقمي، ولا ينكرون حنينهم إلى الماضي، حين كان التمكن من التقنية وإتقانها الجواز الوحيد للانخراط في العملية الإبداعية.
أما اليوم فوسائل إنتاج الصور أضحت متاحة للجميع، بصرف النظر عن الكفاءة، وليس ذلك تغييرا تقنيا صرفا، فالتحول في الوسائط الناقلة للفن يعني تحولا في الفن نفسه، وفي كيفية تقبله وإنتاجه، ومع ذلك يسلمون بأن الزمن يتغير، ولا بد للأذهان أن تقبل ذلك.
نقد المشهد السينمائي
يمثل الفيلم رؤية نقدية للمشهد السينمائي، وسردا لقصص المعاناة الصامتة التي يعيشها مهنيو السينما، فمن وجوه نقده كشفه تنكر السينما لهذا المحب اليائس، الذي يعمل طويلا لساعات متأخرة بلا راحة.
ذلك أن ممتهن السينما يتحمل ظروف العمل المزعجة، كالتصوير في الصحاري أو المطر أو الحر، بلا أمان وظيفي ولا تأمين صحي، وأما على المستوى الإبداعي، فغالبا ما يستثنى من الجوائز التقديرية، ونادرا ما يذكر اسمه في المهرجانات.

ومع ما يبذله في سبيل نجاح الفيلم فنيا وجماليا، يظل يُرى حِرفيا مكملا للمهنة، لا شريكا في العملية الإبداعية. ولكن ما لا يطرحه الفيلم هو تحديد الطرف المسؤول عن تهميشهم.
فهل هو الإعلام الذي يقصّر في التعريف بهم، ويقتصر على الأطراف الظاهرة على الشاشة؟ أم جانب السينما التجاري الذي يستغل جاذبية الممثلين للترويج للأفلام وتحصيل الأرباح؟ أم قصر نظر المتفرج الذي يكتفي بسطح الصورة السينمائية، ولا يكترث بالعناصر المشكلة للغة السينمائية العميقة، كالسيناريو والتصوير والإضاءة والمونتاج؟
يدفعنا كل ذلك إلى التساؤل عمن يصنعون الفن السينمائي، فندرك أنه لا وجود لفيلم ناجح بلا طاقم خلف الكاميرا، وأن تقديرنا "لسينمائيي الظل" تقدير للسينما نفسها.
متضامنون برغم النكران
تجمع السينما بين الصناعة والاستثمار والفن، وما يميزها عن بقية الفنون أنها منتج جماعي، لا يمكن أن ينسب إلى طرف وحده، لكن غلبة الجانب الاستثماري على الفني، والرؤية السطحية التي تكتفي بما يعرض على الشاشة، بلا إدراك لما يبذل من الجهد لصناعة هذه الصورة، يخلق مفارقة مؤلمة.

ففي عالم البهجة، تسلط البهرجة على النجوم، وعلى المخرج بصفته "المسؤول الحقيقي عن الرؤية الجمالية"، وعلى المؤسسة أو النجم في السينما الاستهلاكية، ثم يحرم صنّاعه الحقيقيون من حقهم في الاعتراف، فيظلون في مناطق الظل والعتمة خلف الكاميرا حقيقة ومجازا، فلا ينزلون المنزلة التي تليق بهم.
ولعل هذا الضيم هو ما خلق بعدا إنسانيا بينهم، فهم متضامنون متحابون، ومع ما يلقون من نكران، فإنهم لا يخفون إحساس الفخر، ويكتفون بحب السينما بصمت، ربما أكثر من المشاهير الذين تصنع الشاشات مجدهم وثراءهم.
