محمود حميدة.. التغيير الذي تعطش له مجتمع التسعينيات في السينما

تتوقف شاحنة صغيرة متآكلة أمام مدخل مبنى قديم، يحمل واجهة مُتهالكة تشي بعقود من الزمن المهمل، يترجل منها أربعة رجال، يبدو على وجوههم التعب والإرهاق، ويظهرون وهم يجرون نعشا خشبيا ثقيلا يتجاوز وزنه المعتاد، ثم يضعونه في غرفة ضيقة لا تكاد تسعهم.

وحين يفتحون غطاء النعش، تظهر جثة "طبل" (الفنان محمود حميدة) بوجهه الجامد، وعينيه نصف المغلقتين، وفمه الذي تركته النهاية مفتوحا على ابتسامة ساخرة، كأنها لحظة توقف الزمن. يتسرب ضوء خافت من نافذة صغيرة، ليلامس وجهه الشاحب، ويرسم ظلالا عميقة على تجاعيد وجهه.

تتنقل الكاميرا بين الوجوه الأربعة المترقبة، وتصوّر بتركيز شديد نظراتهم، التي تتراوح بين الارتباك والترقب واليأس. يتوقف المشهد عند النظرة الأخيرة للجثة، كأن الكاميرا تريد أن تجعلنا نرى ما لا يمكننا تفسيره في هذه اللحظة، فالأصوات الوحيدة المسموعة هي صوت احتكاك الخشب، وصوت أنفاس الرجال المرهقة، ثم صمت عميق يملأ الغرفة، إشارةً إلى لحظة ما بعد الموت.

لم يكن مشهد "طبل" في فيلم "جنة الشياطين" لجثة عادية، ذلك أنه في كل مشهد لاحق، يعود حيا في ذاكرتهم وضحكاتهم، وفي السهرات الصاخبة التي تصبح الجثة فيها ضيف شرف دائما. يقدم محمود حميدة -بملامحه الحادة وعينيه اللامعتين- شخصية تعيش على الحافة حتى بعد الموت، شخصية تعرف أن العبث والتمرد هما الطريقة الوحيدة لمواجهة عبث الحياة.

هذا الدور التجسيدي من أكثر أدوار الممثل المصري محمود حميدة جرأة، بل هو إعلان واضح عن نوع الممثل الذي أراد أن يكونه، إنه ذلك الذي لا يخاف الصدام، ولا يهرب من القبح ولا من الحواف المظلمة في النفس البشرية، بل يغوص فيها ليعيد تشكيلها على الشاشة.

يلخص المشهد تلك الشخصية الحائرة لإنسان مختلف، يبدو لمن لا يعرفه متعاليا إلى حد الغرور والغطرسة، ويبدو لمن لم يختبر ردود أفعاله قويا إلى حد مخيف، لكن محمود أبعد ما يكون عن الغرور وعن القوة أيضا، وما هذا التباعد والخشونة التي يصادفها من يحدثه أول مرة إلا أغلفة صلبة، يحمي بها هشاشته ورقة مشاعره وقرب دمعته.

محمود حميدة في فيلم "ملك وكتابة" (2006)، للمخرجة كاملة أبو ذكري

يجمع محمود تناقضات كثيرة في شخصيته، ولا ينزعج منها حين يواجهه بها الآخرون، فهو يراها جزءا من طبيعته الإنسانية، فإذا ما استطاع تجاوز تناقضاته فسيصبح أقرب إلى الملائكة، وهو ليس كذلك.

إعلان

يتقاطع اختلاف محمود إنسانا وممثلا مع تلك المصادفة الغريبة، التي جعلته يولد في أسرة تنتمي إلى عالمين مختلفين من حيث التقاليد، فهو ابن فلاح يعيش على الزراعة وملحقاتها، وابن "هانم" تنتمي إلى عالم حضري بكل تفاصيله، وهو الولد الذي أحبه جده، وفضله على كل أحفاده فمنحه "خلطة النجاح"، فأصبح تاجرا ولم يتجاوز 10 سنين.

وكما ينتمي إلى عالمين على المستوى الاجتماعي، يبدو حائرا بين عالمي الثقافة والفن، ويقترن حديثه وظهوره بشاعره المفضل فؤاد حداد، وكان يهدي من يحبهم نسخة من أحد دواوينه، فتلك أغلى هداياه لهم.

ولم يكن دخوله عالم النجوم منتصف التسعينيات إلا صدفة فنية، حملت في ظاهرها كيدا من المنتجين، الذين أرادوا نجما جديدا أقل أجرا من نجوم اللحظة، فاستغل الفرصة ليحتل الصدارة في عالم نجوم السينما المصرية.

البدايات والصعود الصاروخي

وُلد الفنان محمود حميدة عام 1953، والتحق في البداية بكلية الهندسة، ثم انتقل إلى كلية التجارة وتخرج فيها عام 1981، لكنه كان قد وجد نفسه في عالم المسرح الجامعي بجامعة عين شمس، حيث انطلقت موهبته التمثيلية مبكرا.

ومن هناك انتقل إلى المسرح الحكومي، ثم إلى التلفزيون منتصف الثمانينيات، وصنع أول حضور لافت في مسلسل "أبيض وأسود" (1989)، للمخرج حمدي الإبراشي، مع الممثل صلاح ذو الفقار، وهو العمل الذي قدّمه للجمهور نجما واعدا ذا جاذبية قوية وقدرة على تجسيد شخصيات متنوعة.

دخل محمود عالم السينما سريعا بفيلم "الإمبراطور" (1990) للمخرج طارق العريان، وأمام الممثل أحمد زكي، ففتح له أبواب الشهرة، ووضعه في الصفوف الأولى بين ممثلي جيله. ثم شارك في أعمال بارزة، منها:

  • "الرجل الثالث" (1995)، للمخرج علي بدر خان.
  • "عفاريت الأسفلت" (1996)، للمخرج أسامة فوزي.
  • "جنة الشياطين" (1999)، للمخرج أسامة فوزي.

وقدّم شخصيات متعددة الأبعاد أبرزت قوته التمثيلية. ففي فيلم "جنة الشياطين" مثلا، خلع أسنانه الحقيقية ليجسّد الشخصية بصدق، فعد النقاد ذلك علامة على التضحية الكبيرة من أجل الدور.

وقد صوّرته هذه الجرأة ممثلا مثقفا يضع الفن فوق كل اعتبار، ونال جوائز في مهرجانات القاهرة والإسكندرية ومسقط، وأصبح الفيلم نقطة فاصلة في مسيرته.

محمود حميدة مع أحمد زكي في كواليس فيلم "الإمبراطور" (1990)

ومع بداية الألفية الجديدة، واصل تألقه في أعمال أخرى، منها فيلم "إسكندرية نيويورك" (2004)، للمخرج يوسف شاهين، وفيلم "بحب السيما" (2004)، للمخرج أسامة فوزي، وقد جسّد فيه شخصية الأب المتعصب، وأدى أداء لاقى صدى نقديا وجماهيريا واسعا.

كما قدّم فيلم "ملك وكتابة" للمخرجة كاملة أبو ذكري عام 2006، ووصفه النقاد بأنه من أهم أدواره، لقدرته على الموازنة بين العمق الدرامي والبساطة الإنسانية.

وفي 2009، ظهر في فيلم "دكان شحاتة" للمخرج خالد يوسف، وهو فيلم أثار جدلا كثيرا في الشارع المصري، وقد نجح تجاريا.

طاووس السينما

كان محمود حميدة صريحا دائما في حواراته التلفزيونية، وقد روى في برنامج "صالون أنوشكا" أن أجره بفيلم "الإمبراطور" لم يتجاوز 2000 جنيه، لكنه قال مازحا إن أجره مع أحمد زكي معا بلغ مئةً وألفي جنيه، فبدا أمام الناس في صورة نجم كبير.

إعلان

وقد قال في حوارات صحفية إن سر استمراره هو شغفه بالفن، واختياره للأدوار التي تترك بصمة في وجدانه، حتى لو لم تكن ذات عائد مادي ضخم، وإنه لا يتردد في العمل مع المخرجين الشباب، إيمانا منه بأن الفن رحلة تعلم مستمرة، وليست مسيرة نجم فحسب.

محمود حميدة في برنامج "صالون أنوشكا"

اهتم محمود بتأسيس بنية ثقافية داعمة للسينما، فأطلق "إستوديو الممثل" عام 1996 لتدريب المواهب الشابة، وأسس مجلة "الفن السابع" عام 1997، فكانت أول مطبوعة عربية متخصصة في صناعة السينما.

أظهرت هذه المبادرات أنه ليس ممثلا فحسب، بل مثقفا وفنانا ملتزما بدوره في دعم الصناعة السينمائية المصرية. وقد وصفه النقاد والإعلام بأنه "طاووس السينما" و"رمز الثقافة العميقة"، وظل الجمهور يراه نجما قريبا، يجمع بين الصدق الفني والتجديد المستمر في اختياراته.

محطات صنعت نجما

رسم محمود حميدة صورته ممثلا كما أراد، بخمسة أفلام سينمائية، هي "الإمبراطور"، و"عفاريت الأسفلت" و"جنة الشياطين" و"بحب السيما"، ثم "ملك وكتابة"، فأثبت أنه لا يحلم بالظهور على الشاشة أو التمثيل فقط، بل أبدع في بناء أشكال درامية مغايرة، دفعته إلى مساحة خاصة.

وهو يرى مشاركته في "الإمبراطور" (1996) مع أحمد زكي نقطة الانطلاق الأهم في حياته الفنية. يقول عنها: كسبت ما هو أكثر من المال، فقد شاهدني جمهور أحمد زكي.

وقد جسّد فيه دور "إبراهيم" رفيق البطل، وأظهر منذ اللقطة الأولى قدرة على التمثيل المتماسك وعلى التقمص، والمقاربة النفسية للشخصيات المركبة، وهو ما منحه مصداقية مهنية، وفتح له أبواب التعاون مع مخرجين كبار، وآخرين من جيله.

ثم اتجه بعدها إلى أفلام تتعامل مع هامش المجتمع ودراما الواقع، فقدم مع المخرج الراحل أسامة فوزي فيلم "عفاريت الأسفلت"، في دور "سيد" سائق الحافلة، الذي تقوده تناقضات اجتماعية وأخلاقية في حارة مزدحمة بالشخصيات. وقد وُصف الفيلم بأنه نموذج للواقعية المصرية في التسعينيات.

كما احتفى النقد بصراحة الفيلم، وبتقنية السرد والصوت والحوار، وأشاد بمقدرة محمود على حمل شخصية شعبية "من لحم ودم"، بعيدا عن التجميل أو المبالغة.

وكتب الناقد الراحل سمير فريد أن الفيلم "نقطة تحول في السينما المصرية التسعينية"، وأشاد بأداء محمود، الذي "جعل شخصية سائق الحافلة رمزا لمعاناة الطبقة المهمشة". لقد عمقت هذه الأدوار صورته نجما مرتبطا بالناس، لا يعيش في برج عاجي.

وكان فيلم "جنة الشياطين" (1999) التجربة الأكثر جرأة لممثل في تاريخ السينما المصرية، وهو فيلم أقرب إلى الطابع السريالي، وقد ظهر فيه في دور مركزي، يتطلب تقمصا شديدا، حتى أعلن بنفسه لاحقا تضحية لافتة، وهي أنه خلع أسنانه للمصداقية في تصوير شخصية الميّت.

صُنف الفيلم ورقيا ونقديا واحدا من أعماله التي تظهر جرأته الفنية واستعداده للمجازفة في سبيل الأداء، وقد قوبل بتباين، فرآه البعض إنجازا جسورا في السينما المصرية المعاصرة، وانتقد آخرون أسلوبه التجريبي، لكنه اكتسب صورة الممثل الذي لا يتردد في التضحية بأسنانه في سبيل الدور.

ملصق فيلم "جنة الشياطين" (1999)، للمخرج أسامة فوزي

بالجرأة نفسها، أقدم على تجربة في فيلم "بحب السيما" (2004)، فقدّم أداء مؤثرا بدور أب مسيحي متزمت، يرفض السينما ويتبنى قيما أصيلة صارمة، مقابل طفله المفتون بعالم الشاشة.

لاقى الفيلم صدى نقديا واسعا، وضمّ عناصر كوميدية ودرامية واقعية، وكان من أفلام مصر التي عرضت في مهرجانات عالمية، ونالت اعترافا نقديا، مما عزّز مكانة محمود حميدة، وأظهره ممثلا يستطيع الموازنة بين الأداء الجماهيري والجدلية الاجتماعية في عمل واحد.

وفي "ملك وكتابة" (2006)، للمخرجة كاملة أبو ذكري، قدم وجها آخر لأستاذ تمثيل جامعي منعزل، تصيبه تحولات داخلية حين تخونه زوجته، وتدخل ممثلة شابة إلى حياته.

محمود حميدة في فيلم "ملك وكتابة" للمخرجة كاملة أبو ذكري

وقد أبرز في أدائه نفسية البطل، التي تتبدّل من متكلّس إلى إنسان حيّ، ونال الفيلم انطباعات نقدية جيدة، لعمق فلسفته عن السينما أداةً للهيمنة والحرية معا. وقد رسَّخ صورته ممثلا يجيد الأداء الداخلي الدقيق، ويستطيع أن يقود أفلاما ذات طابع ذهني وتأملي، بعيدا عن إسفاف الشباك.

مجتمع متعطش للتغيير

لم يكن بروز محمود حميدة في السينما المصرية مصادفة، بل ارتبط بحاجات مجتمعية وثقافية سبقت قرار المنتجين والمخرجين، ففي مطلع التسعينيات كانت السينما المصرية تبحث عن وجوه جديدة، تحمل ملامح مختلفة عن جيل السبعينيات والثمانينيات، وجيل عادل إمام على وجه الخصوص.

إعلان

كان المجتمع يعيش تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، فالطبقة الوسطى تتسع، وثقافة الاستهلاك تتصاعد، والشعور بالاغتراب والقلق يتنامى، وكان المجتمع متعطشا إلى ممثل يجمع بين القوة الجسدية والحضور الطاغي، وبين العمق الفكري والقدرة على التعبير عن هذه الأزمات.

على المستوى الشكلي، جاء محمود بملامح "الرجل المصري الوسيم" من غير تنميق مبالغ فيه؛ وسامة صلبة ذات مسحة واقعية، تسمح له بأن يكون ابن الحارة الشعبية وأستاذ الجامعة في آن واحد. تلك القدرة على التلون الشكلي استجابت لرغبة الجمهور في نجم يشبههم، وفي الوقت نفسه يتفوق عليهم.

ملصق فيلم "عفاريت الإسفلت" (1996)، للمخرج أسامة فوزي

أما على المستوى الشخصي والفكري، فقد عُرف مثقفا قارئا للفلسفة والأدب، وانعكس ذلك في اختياره أدوارا لا تخلو من مغامرة، وكان المجتمع بعد انفتاح السبعينيات وتغييرات الثمانينيات، يبحث عن أصوات نقدية تضع المرآة أمامه، وقام حميدة بذلك الدور، فهو يفضل تقديم شخصية مركبة على شخصية يسيرة التلقي، حتى لو كلّفه ذلك بعض الشعبية السريعة.

ثم إنه شكّل نقلة في الأداء، فلم يكن يعتمد على الكوميديا الخفيفة، بل جاء بأسلوب يعتمد على الصدق النفسي والالتزام بالتفاصيل الدقيقة، فتجاوبت هذه المواصفات مع تحوّل ذائقة المجتمع، الذي كان يطلب في التسعينيات سينما أكثر واقعية وجرأة في تناول القضايا، فقدمها لهم في أفلامه "عفاريت الأسفلت" و"جنة الشياطين" و"بحب السيما".

لقد كان تحوله من راقص بفرقة الفنون الشعبية إلى ممثل صف أول استجابةً لطلب اجتماعي وثقافي، قبل أن يكون استجابة لطلب الإنتاج، فالمجتمع من حين لآخر يحتاج إلى ممثل يعيد للسينما جدّيتها، ويعكس قلقه وتناقضاته، ويقدم صورة جديدة لا تعتمد فقط على الوسامة أو الجاذبية السطحية، بل على عمق الشخصية وتماهيها مع قضايا الناس.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان