"قاربنا كايوكو".. درس وثائقي بليغ في الهجرة الأفريقية

يجمع الوثائقي الإسباني "قاربنا كايوكو" (Nuestro Cayuco) حصيلة آراء ومواقف شباب ومواطنين من السنغال حول فكرة الهجرة ولماذا يضطر الناس لمغادرة بلدهم إلى الغرب رغم معرفتهم المسبقة بما سيواجهونه هناك من تمييز عنصري وصعوبات حياتية.
يترك صانعه الإسباني "جوزيب باريس" للمشاركين في وثائقيه حرية التعبير عن آرائهم، ويأخذ على عاتقه تعزيز ما يدلون به من آراء، بالصورة المعبرة عن محتواها، ليعطي المَشاهد المصورة مصداقية أكبر، وجمالية إضافية تجعل منجزه السينمائي منبرا حرا، تتفاعل فيه الآراء والمواقف بحيوية لافتة في قوة تعبيرها عن واقعهم في السنغال، وفي عموم القارة الأفريقية.
يأخذ صانعه 3 نماذج من شباب سنغاليين، يفكرون بالهجرة إلى إسبانيا، ويلازمهم طويلا ليعرف مصيرهم، ويعرض مسارات حياتهم في بلدهم، والظروف التي تدفعهم للهجرة.
حيوات قلقة تبحث عن خلاص
يثبت المخرج لكل واحد من أبطاله في مفتتحه مشهدا قصيرا، ليُبيّن فيه الحقل الذي يمارس فيه نشاطه الحياتي. يظهر "أليو" في الظلام الدامس مع جماعة من زملائه الشباب، وهم يجمعون الخشب ليصنعوا منه فحما، يبيعونه بثمن بخس في الأسواق.
ثم يذهب بما كسب إلى محلات القمار للمراهنة، على أمل أن يربح يوما ما يكفي لدفع المبلغ الذي يطلب المهربون، مقابل صعوده على متن القارب، المتوجه إلى البر الأوربي، ويسمونه "كايوكو" (من هنا جاء اسم الفيلم).
أما الصبي "عرفا" فيظهر في قارب وسط البحر، يعلمه صاحبه طرق الصيد، وكيفية إصلاح الشبكة بعد تمزق خيوطها، ويكشف حديثه مع صاحب القارب السبب الذي دفعه للعمل معه.

أما الشابة "مارياتو" (18 سنة)، فتساعد أمها لبيع الحلوى والمعجنات في السوق الشعبي، وتظهر في المشهد قلقة تستمع إلى أمها وهي تشتكي بشدة من الغلاء الذي طال كل شيء.
تشجع الأم ابنتها على إتمام دراستها، ونيل عمل مناسب لها، بدلا من التفكير بالرحيل إلى إسبانيا، لكن الشابة لا تبدي حماسة للدراسة، وتصر على فكرة الرحيل، مثلها مثل كثير من شباب السنغال.
الفقر سبب رئيس للهجرة
من المشاهد القصيرة يتضح أن الفقر هو السبب الرئيس، الذي يدفع الناس للهجرة من بلدها، وأن الفرص المتوفرة لتحسين أحوال الناس ضئيلة جدا، بسبب الفساد الحكومي المنتشر، لهذا يفكر كثير منهم -ولا سيما الشباب- بالهجرة حلا لمشاكلهم.
يتضح ذلك جليا في نقاشات أحد الصفوف الدراسية، وقد ثبّت صانع الوثائقي كاميرته طويلا داخلها، لحيوية النقاشات التي تجري فيها بإشراف أستاذ درس علم الاجتماع، الذي يحسن إثارة الأسئلة، ويتقن فن إدارة الحوار.

يسأل مرة طلابه سؤالا افتراضيا: لو كان في هذه اللحظة قارب "كايوكو" متوقفا عند المرفأ، فهل ستتوجهون للصعود إليه؟ تختلف الإجابات، ولكن أكثرهم يجيبون بنعم، ومنهم "مارياتو".
تعلل "مارياتو" إجابتها على ضوء تجربتها الحياتية الصعبة، ومن وحي المشاكل التي تواجه أمها لتأمين لقمة عيشهم، وتجد في الهجرة حلا لمستقبلها غير المضمون في بلدها، لذلك فإن حلم إيجاد فرص عمل أفضل، يدفعها بقوة لخوض مغامرة ركوب البحر، على ما فيه من أهوال.
تصر طالبة أخرى على البقاء والعمل في السنغال، وإن براتب قليل لا يكفي إلا لإعالة عائلتها. ويتضح أن عددا ليس بالقليل يريد الاحتذاء بتجربة أقارب لهم، خاضوا قبلهم غمار الهجرة، واستقروا في موطنهم الجديد.
نفاق غربي يعقّد مشهد الهجرة الأفريقية
يتبين من أجوبة الطلاب أن الخوف من أوليائهم هو العائق الأكبر لدى الطلبة المترددين، فهم يخشون ممانعة أوليائهم خوفا عليهم، أكثر من خشيتهم من ركوب البحر.
يبرز خطر الهجرة غير الشرعية بقوة أثناء النقاشات، ويتبين فيها موقف الدول الغربية الملتبس من الهجرة غير الشرعية، التي تغدو حلا اضطراريا، نتيجة لرفض مؤسساتها المعنية بالهجرة أكثر طلبات الإقامة الشرعية، المقدمة بالقنوات الرسمية.

لا يرى بعض الطلبة أن الغرب جنة، بل يدركون جيدا واقع الدول الغربية، ومشاكلها الاقتصادية والاجتماعية، لذا يفضلون البقاء في وطنهم على السفر.
الموقف الأكثر حيرة يكمن في السؤال المقلق حول الضمانات الأكيدة التي يتوقعونها عند ذهابهم إلى الدول الغربية؟ فيصاب كثير منهم بالحيرة عند سماع هذا السؤال، لكن حماستهم للرحيل تؤجل التفكير به، وبعضهم يمنعهم السؤال من خوض تجربة خطيرة لا يعرفون نتائجها على وجه اليقين.
تمييز ضد المرأة وأخطار أخرى
من اللافت في الحوارات التي يتوقف الوثائقي طويلا عندها، أنها تكون عميقة حين تلامس أمورا حساسة، ناهيك عن حيويتها وصراحتها، وذلك مثل سؤال مدرس مادة الاجتماع لطالباته: هل من أسباب خاصة بالمرأة تمنع تفكيرها بالهجرة؟
تدور الأجوبة الأكثر إجماعا عليها حول وجود أخطار حقيقية على النساء، فكثير منهن يشرن إلى مسألة التمييز بين الرجل والمرأة، لأنها غالبا ما تغتصب وينتهك شرفها أثناء الرحلات البحرية، ناهيك عن خوفها المستمر من السقوط في مصائد العصابات المنظمة وشبكات الدعارة.

أما الرجال فلا يلقون مثل تلك الأخطار، لكن غالبا ما يستغل أرباب العمل قوة عملهم، لعدم وجود حماية نقابية كافية لهم، وفي أحيان كثيرة يجدون تمييزا عنصريا مؤلما.
بحث في أسباب الهجرة
يدخل الوثائقي بذكاء إلى عمق المشكلة المطروحة للبحث بالتدريج، وذلك بالربط بين الخاص والعام، بعد تأسيسه قاعدة عامة لمفهوم الهجرة وخطرها على الطلبة خصوصا، لكن الأمر سينمائيا يظل بحاجة إلى رؤية أوسع لموضوع الهجرة، رؤية تربط بين الأسباب والنتائج.
يأخذ صانعه الإسباني من كل المشاركين فيه جانبا محددا، ثم يربطه ببقية الجوانب المؤثرة، وفي مقدمتها المشكلات الاقتصادية، الناتجة عن استغلال شركات الصيد الأجنبية العملاقة للموارد السمكية في أفريقيا كلها، ولا سيما في السنغال.

شح ما يصطاده صاحب القارب الذي يعمل عليه الصبي "عرفا"، يعكس مشكلة جدية متأتية من نهب السفن الغربية أغلب الأسماك قرب السواحل السنغالية.
فالقوارب الصغيرة لا تقوى على المنافسة، لهذا يقل ما يجده الصيادون الصغار من الأسماك يوما بعد يوم، حتى لم يبق لهم سوى ترك مهنتهم والتفكير بالهجرة، عسى أن تكون آخر حل لمشاكلهم الناتجة عن الاستغلال البشع لشركات الصيد العملاقة.
أن ترى بأم عينيك الموت يحصد المهاجرين
تجربة صاحب القارب في الهجرة مؤلمة، فأثناء ركوبه القارب متوجها نحو إسبانيا لقي عاصفة شديدة، فتاه في أعالي البحار أياما عددا، حتى مات كثير من أصدقائه المبحرين معه عطشا وجوعا، أما هو فقد نجا بأعجوبة، بعد أن انتشله قارب دورية إسبانية، لكن لم يبقَ في إسبانيا بل أُعيد إلى وطنه.

وما زال حيا في ذاكرته مشهد موت من كان معه على القارب، ولا يتمنى لأحد أن يعيشه. لذا ينصح الصبي بالتريث بالسفر، لكنه يدرك في داخله أن الصيد لم يعد ممكنا الاعتماد عليه مصدرا للعيش، وأن فساد رجالات الحكومة المتواطئين مع شركات الصيد الأجنبية يعمق مشاكل الصيادين المحليين، لذلك فلا فرصة له ولا للصبي في العيش بما يمنحه البحر لهم.
الثروات الطبيعية للأجنبي والسياسي الفاسد
تدور بين المشاركين نقاشات كثيرة حول فساد المؤسسات الحكومية السنغالية، ومثلها كثير من الدول الأفريقية، ويثار معه أيضا نقاش حول سبل مقاومته.
تبدو الدعوة للصمود والبقاء عند كثيرين غير مجدية، ومنهم الشاب "أليو"، الذي يواظب على الاتصال بقريب له استطاع الوصول إلى إسبانيا، واستقر فيها.

يسأله عن الطرق التي عليه اتباعها للوصول إليه، فيدرك صعوبة التجربة، بعد أن سمع ما يلقى المهاجرون عند عبورهم الصحاري الأفريقية المحفوفة بالخطر، لكنه مع ذلك يصر على خوضها، بعد أن يئس من إيجاد عمل يسد به رمقه، ورأى بأم عينه استغلال شركات التنقيب الأجنبية ثروات بلاده.
فلم تترك له شركات التنقيب إلا صناعة الفحم من أخشاب قليلة، لا يكفي نتاجها لتوفير مصدر رزق كريم له ولعائلته، وأما الشركات والساسة الفاسدون، فهم يتقاسمون مصادر الثروة الطبيعية كلها.
قصص حزينة توجع القلب
بعد عرض الكم الوافر من تجارب الهجرة وأفكارها، يصعب حصرها في درس واحد، لذلك يطلب مدرس مادة الاجتماع من طلبته الذين لديهم أقارب قد اغتربوا من قبل، أن يعيدوا تمثيل المشهد الذي يتصورونه عنهم، بما يسمعونه منهم ومن غيرهم.
يؤدي الطلبة أدوارهم أداء مذهلا، وأحدها يلامس دواخل المدرس نفسه، إذ تحكي الطالبة قصة أبيها، الذي أقام في غرفة مشتركة مع مواطن من أبناء بلد هاجر إليه، وذات يوم أصابت أباها حالة مرضية شديدة، تتطلب نقله إلى المستشفى، لكن رفيق السكن الذي كان معه لم يقدم له يد المساعدة، حتى إنه كاد يموت.

أبكت القصة المدرس، لأنه مر بمثل ذلك أثناء مقامه في إسبانيا، وقد قصّ على طلابه الأثر الذي تركته التجربة المرة عليه في المهجر، ويريد اليوم أن يطلعوا عليها، ثم يتخذوا قراراتهم كما يشاؤون.
الأفارقة اليوم أكثر وعيا بمآلات هجرتهم
أجمل ما في فيلم "قاربنا كويوكا" أنه لا يصدر حكما على أحد من الراغبين في الهجرة أو الرافضين لها، لأن ذلك يعود إليهم وحدهم، لكنه لم يتنازل عن حقه في عرض مشهد الهجرة الأفريقية بالأسلوب العميق والبسيط، الذي اختاره لتوثيق محاوره الرئيسة، بذات الخط الذي كتب فيه أبناء القارة تصوراتهم الواعية لما هم مُقدمون عليه.
وبعد أن أصبحوا أكثر استعدادا لمواجهة العنصرية والنفاق الغربي، يصر البعض على البقاء ومواجهة فساد السلطات بشجاعة وصبر، وقد اعتنى الوثائقي جيدا بآرائهم ومواقفهم الرصينة.
