سينما الصحراء.. التيه والتصوف والاستشراق في لقطة واحدة

تتنوع دلالات الصحراء في السينما باختلاف سياق كل فيلم، فهي تومئ أحيانا إلى التطهر والصفاء والفطرة والخير والانجذاب، وتوحي في أحيان أخرى بالتوحش والصراع والتصادم والشر والجذب المضاد. وقد سعت السينما منذ نشأتها إلى تمثل الصحراء ورصدها بمشاهد تُبرز جمالية المكان وفتنته ورمزيته. فالصحراء ليست فضاء ساكنا أو جامدا، بل هي حيز إيحائي خصب، يظهر أبعادا نفسية وفكرية واجتماعية، ترتبط بالشخصيات وبالصراع الدرامي، الذي يتشكل في هذا الفضاء الفسيح

تضعنا مفردة "الصحراء" في منطقة سردية ملتبسة، فهي تحيل إلى الجفاف والوحشة والخواء، كما تمنح العدسة السينمائية جماليات بصرية لا تتيحها الأماكن المغلقة أو إستوديوهات التصوير.

فريق تصوير سينمائي يعمل في الصحراء – محمية "ريد كليف"، متنزه "ريد روك كانيون" بولاية كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية

في مكتبة أفلام الصحراء، نجد مشهديات متباينة تتأرجح بين النظرة الاستشراقية لعالم البدو من جهة، وتمثّل جماليات المكان بما يحمله من ألغاز وروحانيات وأسرار من جهة ثانية.

فالصحراء مملتئة بلوحات طبيعية وبشرية، ترسمها كثبان رملية وصخور وكهوف، وقطّاع طرق وغزاة، وخشونة العيش وشفافية الروح، في متاهة بصرية تغوي العدسة بإطارات مشبعة.

صورة من نحو عام 1950، مشهد تصوير لقافلة إبل في الصحراء أثناء صناعة فيلم "طريق القاهرة" (Cairo Road)، وهو من إخراج "ديفيد ماكدونالد"، وبطولة "إريك بورتمان"، و"لورانس هارفي"، و"ماريا موبان"، و"هارولد لانغ". (صور غيتي)

سيوف وبنادق ومدفعية، وخيول وإبل، وحداء قوافل، وعجلات تغوص في الرمل. في هذه المسالك المتشعّبة، وجدت السينما ضالتها، فهنا إستوديو مفتوح على فضاءات لا ضفاف لها، يتناوبها أصفر الرمال، وأزرق السماء، وعواصف رملية، وزمهرير رياح، ستحييها بصريا آثار الأسلاف بعدسة مقرّبة.

البحث عن قيس وليلى في الصحراء

يعد فيلم "قبلة في الصحراء"، للأخوين إبراهيم وبدر لاما (1927) أول مغامرة عربية في هذا الطراز من السينما، ويحيل إلى أفلام وجدت ملاذها البصري في الصحراء، على خلفية قصص رومانسية، تتواءم مع ذائقة المتلقي حينذاك، من حيث الشجاعة والفروسية ومكابدات العشق.

 

فيلم "قبلة في الصحراء" (1927) من أوائل الأفلام الصامتة الطويلة في تاريخ السينما المصرية والعربية. أخرجه إبراهيم لاما، وقام ببطولته بدر لاما وبدرية رأفت. ويشتهر بتضمينه أول قبلة موثقة في تاريخ السينما العربية، وقد أثار يومئذ جدلا كثيرا، وصنفته جهات دينية واجتماعية "مخلا بالآداب" وطالبت بمنع عرضه

فمن تلك الأفلام:

إعلان
  • "ليلى بنت الصحراء"، للمخرج "ماريو فولبي" (1937).
  • "ليلى العامرية"، للمخرج نيازي مصطفى (1948).
  • "مغامرات عنترة وعبلة"، للمخرج صلاح أبو سيف (1948).
  • "شيطان الصحراء"، للمخرج يوسف شاهين (1954).
  • "عمر المختار أسد الصحراء"، للمخرج مصطفى العقاد (1981).
فيلم "ليلى بنت الصحراء" (1937)، من بطولة الرائدة بهيجة حافظ، وإخراج "ماريو فولبي"، بلغت تكلفته نحو 18 ألف جنيه مصري، وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك العصر، وقد أثار أزمة سياسية كبرى حين صوّر كسرى ملك الفرس طاغية مغتصبا للشاعرة العربية ليلى العفيفة، اختطفها لتكون جارية لديه، لكنها تمردت عليه وأذلت كبرياءه برفضها، فاحتجت إيران ومُنع عرض الفيلم في مصر وخارجها، وزادت الأزمة تعقيدا بسبب المصاهرة، فقد كان الشاه رضا بهلوي زوجا للأميرة فوزية أخت الملك فاروق

الصحراء بوصفها ذاكرة للحكايات

انهمكت أفلام كثيرة في استعادة الموروث الحكائي الشعبي، عن شخصيات تركت وشما في ذاكرة الصحراء؛ شعراء وأبطال وعشّاق، لم تستطع الصحراء دفن حكاياتهم تحت الرمال.

قيس وليلى: الحب المستحيل

يلجأ إبراهيم لاما مرة ثانية إلى الصحراء، باستعادة أكثر القصص الغرامية درامية في هذا السياق، نقصد حكاية "قيس وليلى" (1939) بأبعادها، من حيث الحب المستحيل بين شاعر عذري متيّم وابنة عمه.

فيلم "قيس وليلى" (1939) عمل سينمائي نادر، من بطولة أمينة رزق وبدر لاما، يروي قصة الحب العذري بين قيس بن الملوح وليلى العامرية، وهي إحدى أشهر قصص العشق في التراث العربي، بلغت من الشيوع والانتشار ما جعلها رمزا للحب المأساوي في الذاكرة الأدبية العربية

الطيب الوحيشي ومجنون ليلى

بعد مرور نصف قرن على إنجاز فيلم "قيس وليلى"، صاغ المخرج التونسي الطيب الوحيشي (1948-2018) تلك الحكاية ذاتها بتحديقة بصرية مختلفة، وبحفريات أعمق في تشريح معنى الحب العذري، وذلك في فيلمه "مجنون ليلى" (1989).

فيلم "مجنون ليلى" للمخرج التونسي الطيب الوحيشي، يعد امتدادا لذاكرة جماعية عريقة، تجسدها قصيدة الغزل العربي، لكنه تناول هذا الإرث بروح نقدية، كاشفا سر القيم القبلية وأثرها في وأد الحب والحرية. وقد أبرز بالفيلم صراع جيل شاب يتوق إلى الحب والحرية، في مواجهة سلطة الأعراف القبلية، وصلابة مفاهيم الشرف المتوارثة، داعيا إلى تجاوز التقاليد البالية، والانتصار لحق الشباب في الحب والسعادة

يقتبس الفيلم من رواية "ليلى والمجنون"، للباحث الفرنسي "أندريه ميغيل"، فيقتفي أثر الشاعر قيس بن الملوّح الذي عاش في القرن السابع الميلادي، وجنونه في حب ابنة عمه ليلى العامرية، معلنا عشقه لها بأشعاره الغزلية، التي شاعت بين القبائل، مما قاد والدها إلى تزويجها من رجل آخر.

تيه العشق وموت الشاعر

تقود الصدمة صاحب البيت الشهير "ولو كان لي قلبان عشتُ بواحدٍ .. وأفردتُ قلبا في هواكِ يُعذّبُ" إلى أن ينتهي إلى الجنون، فيتيه في الصحراء متشرّدا، ويتنقل بين الحجاز والشام، يجوس أطلال الأمكنة التي شهدت قصة حبهما، ثم لم يزل كذلك حتى وُجد ميتا بين الصخور في البرية.

لا يكتفي هذا الفيلم بسيرة هذا الشاعر المعذّب، بل يطلق إشارات موحية إلى الكدمات التي تصيب ضحايا الحب المقموع، وقسوة القيم البدوية حيال العشق المعلن.

الطيب الوحيشي وتجذّر الصحراء في تجربته

ليس التوجه السينمائي نحو الصحراء أمرا طارئا في أعمال الطيّب الوحيشي، فقد دشّن أول أفلامه "قريتي، قرية بين القرى" (1972) بالتنقيب عن قسوة العيش في القرى الصحراوية التونسية، ثم جاء فيلمه "ظل الأرض" (1982) الذي يُعد من أيقونات السينما التونسية، ثم "رقصة الريح" (2002).

يروي فيلم "ظل الأرض" حكاية شاب من قبيلة بدوية في جنوب تونس، يترك قبيلته بعد أن يهدد مرض قطيعهم، ساعيًا إلى العمل واكتساب المعرفة في المدينة. يعود ومعه المال والهدايا ليمنحهم أملًا بمستقبل أفضل، لكن سرعان ما يصل موظفو الحكومة والجيش لإجراء إحصاء سكاني ويتم تجنيده قسرًا، كاشفًا صراع القبيلة بين التقاليد وضغوط الدولة الحديثة

أماط فيلم "ظل الأرض" اللثام عن وقائع أهل الجنوب المهملين ومصائرهم، وكيفية صراعهم مع الصحراء بكاميرا تحاور شخصياته بالتسلسل، تبعا لعمق مآسيهم، من موت الماشية، فالجفاف، فمقتل أحد المهاجرين، فقلة الزاد، فالأوبئة، فالتراث المحلّي.

إعلان

لكن الضربة القاضية حدثت بوصول لجنة من الجيش، لإحصاء عدد أفراد القبيلة، ودمجهم بقوانين الدولة، بعد إصدار بطاقات شخصية لهم، فيبدأ الصراع هذه المرّة مع متطلبات الحداثة، من دون فسحة أمل.

تيه وتصوّف في سينما الناصر خمير

مع المخرج التونسي الناصر خمير، بدأ برنامج سردي مختلف في استثمار جماليات الصحراء، ببعدها الفلسفي في المقام الأول، وذلك عبر ثلاثية تنسج خيوطها بأسلوب متفرّد.

يحكي فيلم "الهائمون" عن معلم شاب يصل إلى قرية منسية، فيجد نفسه منجذبا إلى أسرارها الغامضة، فقد هجرها الرجال الذين انساقوا وراء وهم التيه في الصحراء إلى الأبد، في حين تهمس الجنّ للأطفال من آبار مسحورة

ففي فيلم "الهائمون" (1986)، نرتحل إلى الصحراء بنوع من الحنين إلى زمنٍ آخر، يمتد إلى أمجاد الزمن الأندلسي وأفوله، باستدعاء مشكلات المهاجرين، ثم مشكلات الإنسانية في تيهها نحو المجهول، والصراع بين المركز والأطراف، والاشتغال على جمالية الصورة في تمازجها مع إيقاعات الموشحات الأندلسية.

وفي "طوق الحمامة المفقود" (1989)، يستحضر أطروحة ابن حزم الاندلسي في الحب، ويتخذها نوعا من الدعوة إلى التسامح، وتصحيح النظرة نحو الإسلام، بعيدا عن التصورات المعلبة.

ثم يغلق القوس بفيلم "بابا عزيز: الأمير الذي تأمّل روحه" (2005)، عن الجد الضرير الذي يخوض رحلة صوفيّة في الصحراء مع حفيدته "عشتار" نحو قبر المتصوّف "بابا عزيز"، وفي مكان ما يجتمع بمريديه في لقاء يحدث مرّة كل 30 عاما.

تسأل الحفيدة جدّها: أتعرف طريق المكان؟

فيجيبها: إيمان الإنسان بوجهته سيقوده إلى الطريق.

فيلم "باب عزيز.. الأمير الذي تأمّل روحه" حكاية أسطورية جريئة في بنيتها، تحمل بين طياتها دروسا أخلاقية، وتظهر كيف تعكس الحكايات مسيرة الحياة، وتسهم في تشكيلها. صُوِر الفيلم في صحاري تونس وإيران، وأضفى مدير التصوير البارع محمود كلاري على الكثبان الرملية والتكوينات الصخرية والقرى المتهالكة روحا شاعرية، محولا الأمكنة الواقعية إلى مشاهد حالمة، تنبض بسحر الصحراء وعمق الأسطورة

يروي الجد في الرحلة حكايات كثيرة لتسلية الحفيدة، تنطوي على حكمة وتأمل ومعرفة في معاني الحب والانتقام والغفران والموت، بإشارات مستلّة من كتاب "ألف ليلة وليلة"، ونحوه من المرجعيات الحكائية.

ذلك لأن ناصر خمير في كل أفلامه يتكئ على كتاب أو مخطوط في تشبيك سرده الروائي، وتقاطع مصائر شخصياته عند منعطف ما في الطريق، بما يشبه الشطح الصوفي، راسما خرائط من الدهشة والإبهار، ونتابع رحلة عشتار مع شاب يدعى زيد، ليكملا الرحلة بمباركة الجد ووصاياه، وقلادة في العنق ستكون بمنزلة تميمة، تحمي روح عشتار من المحن.

الضوء والظل في سينما شادي عبد السلام

حين أخرج شادي عبد السلام فيلمه "المومياء… يوم تحصى السنين" (1969)، استثمر جماليات الصحراء بأقصى حالات الثراء البصري، ولم يهمل بناء مفردات الحكاية، وكأن الكاميرا هي من تروي، سواء في تعزيز معنى الصمت، أو تناوب الضوء والعتمة، ناهيك عن بعد السرد التاريخي، بتكوينات تشكيلية آسرة في تشريح معنى الهوية.

فيلم "يوم تحصى السنين" المعروف عالميا بعنوان (The Mummy)، هو من إخراج شادي عبد السلام، ويعد علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية والعربية، وواحدا من أعظم الأفلام التي تناولت الهوية الوطنية، وصراع الأمانة مع إرث الماضي. وقد اختار المخرج تصويره في صحراء الأقصر وقرية القرنة، فجاءت الكاميرا بعدسة عبد العزيز فهمي شاعرية في توظيف الضوء والظلّ، في مشاهد المقابر وفي أطلال المعابد

هكذا تتكشّف صحراء طيبة المصرية عن مدافن فرعونية سريّة، مما يشجع إحدى القبائل على الاستيلاء على هذه الكنوز المدفونة في الرمال، والعمل على تهريبها، قبل أن تحاصرهم الشرطة.

والحال أن هذا الشريط درس في العمارة البصرية من حيث غموض الصحراء، والتناقضات بين القيم البدوية وقيم المدينة، والسرد الشعري الذي يضع هذا الفيلم المتفرّد في مقام القصيدة التشكيلية.

رحلة الفلسطينيين في صحراء التيه والمنفى

في فيلم "المخدوعون" (1972) للمخرج المصري توفيق صالح، اقتباس من رواية "رجال في الشمس" لغسان كنفاني، فتحضر الصحراء لعنةً لا مكانا للتأمل والروحانيات والأمل، فالسياق الفيلمي هنا يتعلّق بمحنة الفلسطيني المُقتلع من أرضه بعد النكبة الأولى.

إعلان

أبطال الفيلم ثلاثة شبّان يقطعون صحراء البصرة نحو الكويت في شاحنة، وعند نقطة الحدود يطلب منهم السائق الاختباء في خزّان المياه الفارغ، ريثما ينهي الإجراءات.

يتتبع فيلم "المخدوعون" (1972) حكاية ثلاثة فلسطينيين، يسعون للهجرة إلى الكويت هربا من واقعهم البائس، وبحثًا عن حياة كريمة. ويفتتح الفيلم بمقولة دالة: "رجل بلا وطن لن يكون له قبر في الأرض…"، ممهدا لمأساة رحلة التيه القاسية التي تكشف ثمن الفقد والمنفى

سبع دقائق من الجحيم تحت لهيب الشمس الحارقة، تنتهي بموتهم اختناقا وعطشا، ثم تُترك جثثهم فوق الرمال، فالصحراء هنا شخصية معادية وقاسية ونابذة، تفتقد إلى كل نوع من الألفة.

إن قدر الفلسطيني حسب رؤية الكاتب غسان كنفاني والمخرج توفيق صالح، إنما هو التشرّد والعوز والموت في العراء، في رحلة تيه لا نهاية لها، ثم لا أحد يقرع الخزّان، ولا أمل في النجاة.

سقوط أوهام البراءة في سينما سيساكو

رصد المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو الصحراء بوصفها منفى، في فيلمه "في انتظار السعادة" (2002)، ذلك أن بطله العائد إلى قريته يعيش تمزّقات لم يتوقّعها، حين يجد عالما مغايرا لما رسمه في ذهنه، فالبراءة التي ظنّ وجودها في هذه السكينة أصابها العطب أيضا، وإذا بالسعادة ليست أكثر من وهم، سواء في حلم الهجرة أو البقاء في المكان.

فيلم "في انتظار السعادة" لا يلهث وراء ذروة درامية، بل ينمو تدريجيا في وجدان المشاهد الصبور، ويمنحه صورة شاعرية رقيقة عن مجتمع صغير يعيش على هامش العالم، محاطا بالرمال والبحر، يفيض بهدوئه واغترابه

لكنه يكتشف تدريجيا تنويعات من البشر المهمشين واللهجات والأعراق المختلفة، والنساء الصحراويات الجريئات في مواجهة القمع الذكوري، فيعيش تيها آخر، في المسافة الفاصلة بين الصحراء والبحر، حتى يبقى عالقا بين منفيين، المدينة التي هجرها، والقرية العائمة في الفراغ.

وقد واصل عبد الرحمن سيساكو منهجه في تقليب تضاريس الصحراء بفيلمه "تمبكتو" (2014)، موثّقا هذه المرّة حياة قبائل الطوارق في الصحراء برؤية أنثروبولوجية (علم دراسة الإنسان وثقافاته وعلاقته ببيئته وتقاليده) للمكان، وبفحص ثقافات هؤلاء البشر المحلية، وسؤال الهوية، وتأثير الأسطورة على تفكيرهم.

يعد فيلم "تمبكتو" (2014) للمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو من أبرز الأعمال السينمائية الأفريقية في العقد الماضي، فقد حصد إشادات عالمية وترشيحات مرموقة؛ منها ترشحه لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، ودخوله المنافسة على السعفة الذهبية في مهرجان كان، وفوزه بجائزتي سيزار لأفضل فيلم وأفضل مخرج. استلهم المخرج فيلمه من قصة حقيقية عن احتلال مدينة تمبكتو في مالي عامي 2012-2013 على يد الجماعات الجهادية، التي فرضت على السكان قيودا صارمة، نابعة من تأويلات دينية متشددة

في حين تنهمك عدسته في تصوير الطبيعة المحيطة بهم، بسرد بصري متدفق، يتتبع رحلة شاب عائد إلى مسقط رأسه، وما يلقى من مصاعب وفكاهة تفرضها الأحوال المتبدلة للمكان.

يقول ملخصا رؤيته الفكرية لسينماه: المنفى يسبق الرحيل، فنحن نصنع المنفى الحقيقي داخل أنفسنا حتى قبل أن نرحل، إنه نوع من المنفى الداخلي.

ناجي أبو نوار يعيد الاعتبار للبدو

أحدث التجارب السينمائية العربية التي اختبرت سمة الصحراء، فيلم "ذيب" (2014) للأردني ناجي أبو نوّار، فيعود إلى زمن انطلاق الثورة العربية الكبرى (1916) على الخلافة العثمانية، حين يصل ضابط في الجيش البريطاني إلى إحدى القبائل، طالبا دليلا يرشده إلى درب الحج نحو مكّة، وموقع بئر في وادي رم.

حسب للمخرج ناجي أبو نوار أنه تجنب فخ الاستشراق الذاتي الذي يقع فيه بعض المخرجين حين يصورون بيئتهم الصحراوية. فقد قدم البدو من منظورهم هم، لا ككائنات بدائية أو هامشية أمام الأجنبي، بل كأشخاص فاعلين يواجهون التحولات التاريخية بكرامتهم الإنسانية

يوافق رجل يدعى حسين لإنجاز المهمة، فيلحق به أخوه الصغير "ذيب"، وحين يقتل قطاع الطرق حسين، يتكفّل الفتى بإتمام هذه الرحلة التي لا تخلو من الخطر، مدفوعا بقيم بدوية متوارثة، تتعلّق بالصيد وكيفية استخدام السلاح وتحمّل المصاعب.

كما يشير الفيلم إلى التحولات التي طرأت على المنطقة، بعد إنشاء الخط الحديدي الحجازي، الذي أخمد غزوات اللصوص على مواكب الحج.

يتقاطع هذا الفيلم جزئيا مع أحداث فيلم "لورانس العرب" (Lawrence of Arabia) للمخرج "ديفيد لين" (1962)، من حيث أماكن التصوير والصراعات السياسية، ورسم الخرائط الجديدة في المنطقة.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان