”رُقية“.. فيلم رعب جزائري عن سنوات العشرية السوداء

بعد سلسلة من الأفلام القصيرة، يفاجئنا المخرج الجزائري المستقل يانيس كوسيم في فيلمه الروائي الطويل الأول "رُقْية" (Roqia)، بعمل مُحكم ينتمي إلى نوعية أفلام الرعب، لكنه يتجاوزها ليصير شهادة سينمائية عن الماضي الدموي للجزائر. إنه فيلم شديد القتامة والعنف، صادم ومقلق، لكنه في الآن نفسه مؤثر وصادق وعميق.

فيلم "رُقية" هو أول تجربة طويلة للمخرج يانيس كوسيم، يقدّمه في ثوب فيلم رعب عن الجن والرقية، لكنه في جوهره رمز واستعارة لخطر التطرف الديني، الذي يتجاوز حدود الزمن، وتستند افتتاحيته إلى نغمة قاتمة، لتغوص بنا في عتمة الجزائر مطلع التسعينيات، في ذروة "العشرية السوداء"

عُرض الفيلم أول مرة في أسبوع النقاد ضمن الدورة الـ82 من مهرجان البندقية، التي انعقدت من 27 أغسطس/ آب إلى 6 سبتمبر/ أيلول 2025، وقد عُدّ الفيلم من أبرز الأعمال المشاركة، ومن أفضل الأفلام العربية التي صُنعت حديثا، ومن أكثرها فرادة في نوعية الرعب، التي نادرا ما تجد طريقها إلى السينما العربية.

رعب نادر في السينما العربية

نادرا ما قدمت السينما العربية أفلام رعب حقيقية وجادة، وغالبا ما افتقرت تلك الأعمال للأصالة والعمق، فبدت حبكاتها مكررة وشخصياتها سطحية، أما عالميا، فمعظم أفلام الرعب انزلقت نحو التسلية السريعة، معتمدة على المؤثرات البصرية، بعيدة عن الجدية والابتكار.

في فيلم "رُقية" كثير مما يُحب المشاهد، فهو فيلم رعب إنساني وواقعي، تتخلله مشاهد مزعجة وكئيبة بحق، وليست سوداويته مصطنعة، بل نابعة من سياق تاريخي ترك أثرا لا يُمحى في الجزائر. ما يُعرض -وربما ما يُلمح إليه أكثر مما يقال صراحة- يكفي لتذكيرنا بأن الرعب الحقيقي لا يأتي من الأشباح والجن، بل من البشر وصراعاتهم الدموية

وسط ذلك التراجع، جاء فيلم "رُقية" مفاجأة مذهلة، فهو يتبنى قالب الرعب، لكنه يتسلل إلى أسئلة شديدة الحساسية عن التطرف، والذاكرة الجماعية، وتاريخ العنف في الجزائر.

إعلان

يقدم المخرج يانيس كوسيم فيلما لا يستسهل الرعب الرخيص، ولا يلجأ للعنف المجاني، بل يبني تجربة مشوقة بقدر ما هي فكرية.

تجربة مشاهدة صعبة

ليس الفيلم يسير المتابعة، فمشاهد العنف فيه واقعية وصادمة إلى حد يحاكي الحقيقة، مما يجعل المتفرج أسير القلق، يستحضر الماضي القريب بكل قسوته، ولا يهدف المخرج إلى إثارة الهلع المعتاد، بل إلى إعادة إحياء الخوف الكامن في ذاكرة الجزائريين، من احتمال عودة العشرية السوداء، أو استمرار آثارها.

حبكة الفيلم غير خطية، تتنقل بين الماضي والحاضر، وتضم شخصيات غامضة وأحداثا متداخلة، وهو ما يضاعف عسر التلقي، ويجعل المشاهدة تجربة فكرية وجدانية، لا تترك للمشاهد فرصة للارتخاء.

لغة سينمائية متقشفة

اعتمد المخرج يانيس كوسيم على أدوات بسيطة، فإنما هي كاميرا محمولة، ولقطات قريبة، وإضاءة اقتصادية، وحوار مقتصد، وشخصيات محدودة، وقد غابت المؤثرات البصرية تقريبا، وحل محلها توظيف مكياج بسيط وأصوات وحشية، مما جعل الممسوسين أقرب إلى بشر حقيقيين.

مشهد من الفيلم يظهر فيه الشيخ المعالج من الخلف مع تلميذه، وهما على وشك دخول منزل أحد المرضى لمعالجته. يوظف المخرج في الفيلم عناصر الرعب الخارق، ليقول إن الفظائع التي يقترفها البشر أشد هولا من الأشباح والجن، ومن هذا المنطلق يحقق الفيلم توازنا لافتا بين الرعب الرمزي وأبعاده الإنسانية والسياسية

النتيجة أن "رُقية" قدّم عالَما بصريا مكثفا وواقعيا، يتقاطع فيه الغموض مع الحقيقة، فيطمس الخط الفاصل بين الواقع والخيال، ويبرز أن الرعب الأصدق ليس في المؤثرات، بل في كشف عمق التجربة الإنسانية.

إيقاع بطيء وتوتر متصاعد

على عكس أفلام الرعب المألوفة، يسير الفيلم بإيقاع بطيء، فيراكم التوتر تدريجيا، حتى يشعر المتفرج أن الخطر يقترب ببطء شديد، وتخلق مشاهد الليل المظلمة المصحوبة بالظلال وأضواء المصابيح اليدوية إحساسا بالاختناق والذعر، أما مشاهد النهار القصيرة فلا تمنح إلا استراحة وهمية، سرعان ما تنهار بحلول الليل.

هذا البناء السردي والبصري يجعل الفيلم متماسكا ومقلقا في آن، ويؤكد أن الرعب الحقيقي يتولد من بطء الزحف، لا من المفاجآت السريعة.

خطان زمنيان وثلاثة فصول

تدور أحداث الفيلم عبر خطين زمنيين متقاربين، لرصد أحوال مجتمع مزّقته الحروب الداخلية والإرهاب وبطش الجماعات الأصولية، واستكشاف أثر هذه الفظائع على أجيال متعددة، وصولا إلى الحاضر.

في الافتتاحية تسلسل ليلي مروع في التسعينيات، ففيه إرهابيون يقتحمون قرية، ويذبحون أهلها في مشهد صادم، يحيل مباشرة إلى حرب 1992-2002 ضد الجماعات المتطرفة.

نتعرف في الفصل الأول على راقٍ مسنّ (الممثل مصطفى جاجام) وتلميذه (الممثل أكرم جغيم)، إلى جانب جارتهما الحبلى وفاء (الممثلة هناء منصور) ذات الماضي المأساوي. وشيئا فشيئا يتكشف الغموض مع انتشار سلسلة جرائم عنيفة، وسط شكوك في ضلوع الشيخ فيها.

بعد حادث سيارة عام 1993، يصبح أحمد فاقدا للذاكرة، فيعود إلى قريته، ولا يجد أي شيء مألوفا، لا زوجته، ولا أطفاله. ابنه الأصغر مذعور من وجهه الملفوف بالضمادات، ويُبدي خوفا عميقا منه. وفي كل ليلة يزوره غرباء غامضون، يترنمون همسا بلغة مجهولة. من هؤلاء؟ ولماذا يثير جاره -الذي يُفترض أنه صديقه- شعورا غريبا بعدم الارتياح؟

وفي الفصل الثاني نحط رحالنا في الحاضر، فنرى قصة الجندي أحمد (الممثل علي ناموس)، الذي يعود فاقدا الذاكرة بعد حادث غامض.

إعلان

ترحب زوجته سلمى (الممثلة ليديا هاني) بعودته، لكن ابنه الأصغر يرفض الاعتراف به، ويطارده غرباء يتهامسون بترانيم مبهمة، وهو يخشى استعادة ذكريات الفظائع التي ارتكبها، وسرعان ما يتضح أنه كان من الأمراء الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني ضد السوفيات في الثمانينيات.

وفي الفصل الأخير، يعود رجال غامضون، أشباه الذين ظهروا في الافتتاحية، لينشروا الدماء مرة أخرى، فتبلغ الأحداث ذروة وحشية صادمة.

أبعاد إنسانية وفكرية

ليس فيلم "رُقية" عن مسّ الجن أو الرقية فحسب، بل عن الذاكرة الجماعية، فنرى الشيخ وقد خرف وفقد ذاكرته، وأحمد يخشى استعادتها، والمجتمع برمته مهدد بفقدانها. ثم يذكرنا المخرج بأن الشعوب التي لا تواجه ماضيها محكوم عليها بتكرار مآسيها.

في إحدى اللقطات نرى إحدى الممسوسين الذين كان الشيخ يحاول معالجتهم. وفي الحاضر، يعاني الراقي المسنّ من أعراض الخرف، ومع تصاعد العنف وبدء الممسوسين في التحدث بلغات غريبة، يسيطر على أحمد هاجس استعادة ذاكرته، ويخشى تلميذ الشيخ أن يقود تدهور أستاذه إلى إطلاق شرّ قديم دفين

من هنا يكتسب الفيلم بعدا رمزيا عميقا، فيربط بين الماضي والحاضر بخيط الذاكرة، ويكشف أن استغلال الدين سياسيا يعيد إنتاج العنف باستمرار.

مقارنات

يستحضر الفيلم مقارنات مع بعض محاولات السينما العربية في الرعب، منها:

  • "دشرة" (2018)، للمخرج عبد الحميد بوشناق.
  • "الذراري الحمراء" (2024)، للمخرج لطفي عاشور.
  • بعض أعمال علاء الدين سليم.

لكنها -على أهميتها- لم تبلغ جرأة "رُقية" وعمقها. أما فيلم "رُقية" الفرنسي، للمخرج سعيد بلخطيبيا (2023)، فبدا سطحيا في معالجته للرقية والشعوذة، بعيدا عن أصالة النسخة الجزائرية.

ملصق الفيلم الفرنسي “رقية”، من بطولة الإيرانية "غولشيفته فراهاني" و"دوني لافان"، وإخراج سعيد بيلخطيبيا.

يبرهن المخرج يانيس كوسيم بفيلمه "رُقية" على أنه مخرج يحمل وعيا فنيا وإنسانيا استثنائيا، فهذا الفيلم ليس مجرد فيلم رعب، بل عمل يتجاوز النوع، ليغدو شهادة على جراح الجزائر العميقة، واستعارة عن ذاكرة جماعية لم تندمل.

إنه فيلم قاس ودموي وصادم، لكنه يفرض نفسه أنه أحد أهم الإنجازات العربية حديثا، ويدعو المشاهد إلى مواجهة ماضيه، بدلا من الهروب منه.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان